الدولار ودول الفائض المالى

الدولار ودول الفائض المالى

تمهيد:

الدولار هو العملة الأمريكية، فهو بذلك شكل من أشكال النقود. والأصل هو أن النقود ـ بطبيعتها ـ هى دين على الإقتصاد الذى يصدرها. فالنقود ـ بشكل عام ـ تصدر عن السلطات النقدية فى كل دولة، وهى بذلك تمثل لحاملها، ديناً على الإقتصاد الوطنى الذى أصدرها، بمعنى أن حامل هذه النقود يستطيع أن يبادلها بأية سلعة معروفة فى الأسواق. ومن هنا يقال بأن النقود هى “قوة شرائية عامة”، فحاملها يتمتع بحق، والمدين بهذا الحق هو الإقتصاد الوطنى فى مجموعه. وتحرص كل دولة على حماية الإستقرار النقدى، بمعنى أن تتخذ السياسات النقدية والمالية المناسبة لحماية قيمة هذه العملة وعدم إرتفاع الأسعار المحلية. والدولار لا يختلف فى ذلك عن غيره من النقود فى هذه الصفة العامة. ولكنه يختلف عن بقية العملات، لأنه ليس فقط عملة وطنية تمثل قوة شرائية على السلع الأمريكية، ولكنه أيضاً عملة دولية تمثل قوة شرائية على مختلف السلع داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية. وبذلك فإن المدين بالدولار ليس الإقتصاد الأمريكى وحده، بل معظم الإقتصادات الأخرى. فحامل الدولار يستطيع ـ فى أغلب الأحوال ـ أن يستخدم هذا الدولار للشراء للتوظيف فى أى دولة، فالمدين بالدولار ليس هو الإقتصاد الأمريكى وحده، بل الإقتصاد العالمى. والدولار بذلك يعادل، فى الحاضر، ما كان عليه الذهب فى الماضى.

 وإذا كان الدولارـ  من الناحية العملية ـ هو دين على الإقتصاد العالمى، فإن الذى يسيطر على إصداره هو السلطات النقدية فى الولايات المتحدة. وهكذا فإننا، ونحن نتحدث عن الدولار، إنما نتحدث عن عملة تصدرها سلطة وطنية ـ السلطة النقدية الأمريكية ـ ولكن المدين بها ليس الإقتصاد الأمريكى وحده بل الإقتصاد العالمى فى مجموعه. وبذلك تتمتع الولايات المتحدة الأمريكية بما يعرف فى الإقتصاد “بحقوق الإقطاعى Seigniorage Rights”. ففى العصور الوسطى كان الأمير الإقطاعى يعيد سك النقود بإسمه عند تولية الحكم، ويعمد على أن يصدرها بوزن أقل، مع الإحتفاظ بقيمتها الاسمية. وما يتحقق من كسب يعتبر نوعاً من الريع، الذى يحققه الإقطاعى دون أى مقابل من جانبه. والآن، ونحن فى ظل الدولار ـ عملة التداول الدولى ـ فإن الولايات المتحدة تصدر الدولار وتحصل عليه الدول الأخرى. وبطبيعة الأحوال، فإن الدولار الذى تحصل عليه هذه الدول ـ للإحتفاظ به كإحتياطى ـ   لا يكون بلا مقابل، وإنما نظير سلع تصدر إلى الولايات المتحدة أو نظير تمكين الولايات المتحدة من الحصول على أصول محلية للإستثمار فيها. وهذا هو الريع الذى تحققه الولايات المتحدة نظير توفير الدولار للتعامل الدولى.

فكيف تمكنت الولايات المتحدة من جعل الدولار عملة التداول العالمى؟ هذه قصة نظام النقد الدولى كما تطور منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ولكن ما صلة هذه القصة بدول الفائض المالى؟ يرجع هذا إلى أن ما تحققه الولايات المتحدة من مكاسب نظير حقوق الإقطاعى، يمكنها من تحمل عجز فى ميزانها الخارجى، وهذا العجز يعنى تحقيق فوائض مالية للدول الأخرى. فالعجز والفائض متكاملان لا وجود لأحدهما دون الآخر. ونظراً لأن أهم وأكبر عجز فى الميزان الخارجى يكاد يقتصر ـ بشكل أساسى ـ على الولايات المتحدة الأمريكية. فمعنى ذلك أن هذا العجز الأمريكى يقابله فوائض تحققها دول أخرى على رأسها الصين واليابان وألمانيا وإلى حد ما روسيا فضلاً عن الدول المصدرة للبترول. وبذلك تصبح مشكلة الدولار فى الحقيقة مشكلة تواجه الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية، ودول الفائض من ناحية أخرى. وبذلك نكون إزاء سؤالين، كيف وصل الدولار ليصبح عملة التداول العالمى؟ وهذه هى قصة نظام النقد الدولى. والمسألة الثانية ترجع إلى تركز المديونية أو العجز فى العلاقات الدولية بشكل كبير فى دولة واحدة، هى الولايات المتحدة، والتى توظف فيها معظم الفوائض المالية، وبما يجعل هذه لادول رهينة ـ إلى حد كبير ـ للدولة المدنية العظمى. ونتناول هذين الأمرين على التوالى.

أولاً: الدولار يتربع على عرش النظام النقدى الدولى:

ولنبدأ بالنقطة الأولى وهى كيف تطور النظام النقدى الدولى ليصبح قائماً على الدولار بإعتباره عملة التداول العالمى.

وصل الدولار إلى مكانته الحالية من خلال التطورات التى نشأت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، والرغبة فى وضع نظام نقدى دولى جديد يحقق مزيداً من التعاون الدولى وزيادة حجم المبادلات وتأكيد الظروف المواتية لتحقيق السلام والتعاون الدولى.

وجاء إنتصار الحلفاء فى هذه الحرب ليعطى الولايات المتحدة دوراً مميزاً فى العلاقات الدولية، ومن بينها إعادة ترتيب أوضاع الإقتصاد الدولى. وقد إستغلت الولايات المتحدة الفرصة وحرصت على أن يلعب الدولار الدور الرئيسى فى نظام النقد العالمى الجديد كما حددته إتفاقية إنشاء صندوق النقد الدولى.

وفى هذه اللحظة الحرجة، كانت تلك الحرب قد أنهكت الجميع، المنتصرين والمنهزمين معاً. فخرجت ألمانيا محطمة بعد الحرب، وتعرضت اليابان للقنابل الذرية، ولم يكن وضع الحلفاء أفضل. فقد أنهك الإتحاد السوفيتى ـ وإن توسع فى أوروبا الشرقية ـ وأثقلت الديون الخزانة البريطانية، كما فقدت فرنسا العديد من أصولها وهى تحت الإحتلال الألمانى. أما الولايات المتحدة فقد أنهت الحرب وهى فى قمة النجاح الإقتصادى، إضافة إلى التفوق العسكرى. وعندما دخلت الولايات المتحدة الحرب فى منتصفها، فإنها لم تضطر إلى تحويل إقتصادها المدنى إلى إقتصاد حربى، بقدر ما إستطاعت أن تبنى “إقتصاداً عسكرياً” موازياً، دون إضعاف “لإقتصادها المدنى”. وبإنتهاء الحرب، لم تواجه الولايات المتحدة مشكلة إعادة بناء الإقتصاد المدنى حيث لم تتعرض لأى إعتداء مباشر عليها، وإنما كانت المشكلة هى فى كيفية تصفية إقتصاد الحرب وتحويله إلى الإقتصاد المدنى دون تعريض الإقتصاد الوطنى للكساد. ومن هنا جاء مشروع مارشال مفيداً للإقتصاد الأمريكى، بما تضمنه ذلك من فتح أسواق جديدة للسلع الأمريكية، والعمل على تصفية “الإقتصاد الحربى” بشكل متدرج وبغير مفاجأة، حيث كان يمكن أن تترتب عليه آثار إنكماشية كبيرة.

وجاءت إتفاقيات بريتون وودز التى أسست البنك الدولى وصندوق النقد الدولى لتوفر الظروف المناسبة لوضع أسس نظام نقدى جديد. وكانت أوروبا قد عرفت، فى الفترة السابقة على قيام الحرب العالمية، ما يشبه الحروب الإقتصادية بين الدول. فلجأت معظم هذه الدول إلى الحماية الجمركية المبالغ فيها، وإلى الإقتصاد المغلق ـ إن أمكن ـ وتخفيض أسعار العملات للحصول على مزايا على حساب الآخرين. وبذلك ظهرت النبرة الجديدة بعد الحرب للدعوة لمزيد من التعاون والإنفتاح على الدول الأخرى، وأن حرية التجارة وإستقرار أسعار الصرف وحرية إنتقال الأموال أمور مطلوبة، وكل هذا لا يؤدى فقط إلى مزيد من الكفاءة الإقتصادية بل أنه يدعم تحقيق السلام والتعاون الدولى. وقد كان إنشاء صندوق النقد الدولى هو البذرة التى ساعدت على أن يصبح الدولار الأمريكى هو عملة التداول العالمى.

لعبت الولايات المتحدة وإنجلترا الدور الرئيسى فى تشكيل صندوق النقد الدولى وبالتالى فى تصميم نظام النقد الدولى كما عرفناه خلال السبعة عقود الماضية. وكان يمثل إنجلترا اللورد كينز ـ الإقتصادى الأشهر فى القرن العشرين ـ فى حين كان اللاعب الأمريكى الأكثر تأثيراً هو وكيل الخزانة الأمريكية هارى وايت. وإنتهى الأمر بغلبة الرؤية الأمريكية. وكان كينز يرى أن يصبح صندوق النقد الدولى المقترح  كنوع من البنك، الذى يخلق نقوداً من خلال ما يقدمه من إئتمان لعملائه، وهو بذلك ليس فى حاجة إلى رأس مال، ويكفى أن توضع القواعد المنظمة لمنح البنك لإئتمانه، بل أنه إقترح إسماً لهذه النقود الدولية وهو “بانكور”. أما وايت فقد رأى ـ وإنتهى الأمر ـ بإعتماد آرائه، أن يكون للمؤسسة الجديدة رأس مال يقدمه الأعضاء، ويتكون من عمله الدولة العضو فضلاً عن جزء من الذهب، وبذلك يتوافر للصندوق موارد من عملات الدول المختلفة فضلاً عن الذهب. ولكن الأهم ـ عند وايت ـ هو ضمان إستقرار أسعار الصرف. ولذلك إقترح الأخذ بنظام أسعار الصرف الثابت وحيث تربط فيه كل عمله بوزن من الذهب، ولا يجوز تغييرها إلا بإجراءات معقدة.

ونظراً، لأن معظم الدول كانت قد تخلت عن قاعدة الذهب، بإستثناء الولايات المتحدة الأمريكية، التى كانت تربط الدولار بالذهب، وكانت على إستعداد لتحويله لغير المقيمين بسعر ثابت (35 دولار للأوقية ذهب). فقد إنتهى الأمر ـ عملياً ـ  إلى أن ربطت معظم الدول ـ الأعضاء فى الصندوق ـ عملتها بالدولار، بإعتبار أن الدولار قابل للتحويل إلى ذهب. وبذلك وضعت البذرة الأولى لسيطرة الدولار على أسواق الصرف. فجمع العملات تعرف بوزن معين للذهب وبسعر محدد للدولار.

وصاحب هذا الوضع القانونى والنفسى، وضع إقتصادى قائم، وهو أن معظم دول العالم خرجت من الحرب وهى محطمة أو منقسمة سياسياً. وكان الإقتصاد السليم الوحيد هو الإقتصاد الأمريكى، والذى كان يمثل إنتاجه نصف حجم الإنتاج العالمى فى مجموعه، وكانت الولايات المتحدة هى الدولة الوحيدة القادرة على تصدير السلع الزراعية والغذائية فضلاً عن المنتجات الصناعية ورؤوس الأموال. ولذلك فقد جاء إعتبار الدولار هو العملة الدولية أمراً طبيعياً، فالجميع فى حاجة إلى الدولار، إن لم يكن للإستيراد المباشر من الولايات المتحدة، فهو دائماً مطلوب من كل الدول الأخرى. وكانت المشكلة الوحيدة هى نقص الدولار المتاح للعالم. وكانت الولايات المتحدة فى ذلك الوقت تحقق أيضاً فائضاً فى ميزانها الجارى، فهى تصدر بأكثر مما تستورد. فبشكل ما كانت الولايات المتحدة دائنة للعالم، فكيف يمكن توفير دولارات للعالم ـ فى هذه الظروف ـ  لكى يستطيع أن يدفع ثمن وإرداته منها ومن غيرها؟ كان المخرج الوحيد هو أن تقوم الولايات بإستثمارات كبيرة فى دول العالم وبذلك يخرج منها دولارات كافية فى شكل إستثمارات أمريكية فى بقية الدول لدفع فاتورة زيادة وإرادات هذه الدول. ومن هنا عرفت الإستثمارات الأمريكية فى الخارج توسعاً كبيراً فى الفترة التالية لإنتهاء الحرب، وذلك لتمكين هذه الدول الأخرى من الحصول على الدولارات اللازمة لدفع فاتورة واردتها.

وبعد ما يزيد على عقدين من نهاية الحرب، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تعرف ظاهرة جديدة وهى بداية العجز فى ميزانها الجارى فضلاً عن عجز الموازنة وصادف ذلك حروبها فى جنوب شرق آسيا وفيتنام. مما أدى إلى بداية توافر الدولار بشكل أكبر لدى معظم الدول، التى رأت فى هذا دعماً لإستقرار أسعار صرف عملاتها. ورغم ظهور العجز فى تجارة أمريكا، فقد كان ذلك محل ترحيب لدى معظم الدول، لان معنى العجز هو أن الولايات المتحدة تضخ كميات أكبر من الدولارات فى العالم الخارجى وهو فى أشد الحاجة إليها. ولكن هذا الفائض الذى تحقق لدول العالم لم يستخدم دائماً من جانبها للإستيراد، وإنما للإحتفاظ به جزئياً كإحتياطى نقدى. وبدأت معظم الدول فى تكوين إحتياطيات من الذهب والدولار، مما يعزز من جدارتها الإئتمانية.

وعندما قامت ثورة النفط برفع أسعاره فى بداية السبعينات، صادف ذلك ظهور النمور الآسيوية والتى توسعت أيضاً فى صادراتها بشكل كبير. وهكذا ظهر على الساحة، نوع جديد من الدول التى تحقق فوائض مالية كبيرة ومستمرة، وكان عليها أن تبحث عن أماكن آمنة لتوظيف فوائضها المالية فيها. ولم تجد هذه الدول أفضل من الدولار والأسواق المالية الأمريكية لتوظيف فوائضها فيها. فالدولار هو العملة الدولية المقبولة فى جميع الدول، وهى الدولة الأغنى والأقوى، وهى تتمتع بمؤسسات مالية قوية، وهى دولة قانون وتعرف درجة عالية من الشفافية. وبعد ذلك بعقد أو عقدين ظهر المارد الصينى، والذى يحقق فائضاً مالياً هائلاً فى ميزانه الجارى وعليه أن يوظفها فى أماكن آمنة، ولم يجد ـ هو أيضاً ـ ما هو أكثر أمناً من الدولار والأسواق المالية الأمريكية. وبعد أن إختفى الإتحاد السوفيتى، وبدأت روسيا فى تحقيق فوائض مالية نتيجة تصدير الغاز والبترول، فإنها بدورها لم تجد بديلاً عن الأسواق المالية الأمريكية لتوظيف فوائضها.

ومع توافر هذه الأموال التى تبحث عن الدولار والأصول الأمريكية، بدأ عجز الميزان الجارى والذى بدأ فى بداية السبعينات يجد مبرراً، وهو كثرة الأموال الوافدة للتوظيف فى الأسواق الأمريكية. فالإقتصاد الأمريكى أصبح حينذاك قادراً على زيادة الإستيراد وتضخم العجز الجارى، وهو لا يضطر لعلاج العجز لأن أصحاب هذه الفوائض حريصون على إبقاء إستثماراتهم بالدولار. ومن هنا لم تجد السياسة الإقتصادية الأمريكية مبرراً لضبط تزايد الواردات وتفاقم عجز الميزان الجارى. فالأموال الأجنبية تتدفق، وهى سعيدة ببقائها فى شكل أصول مالية أمريكية. وهكذا بدأ يتراكم حجم الأموال بالدولارات والمملوكة للعالم الخارجى. والآن، فإنه مع إستمرار العجز الجارى لأمريكا لما يقرب من خمسة عقود، فهناك محل للتساؤل، هل يواجه الإقتصاد الأمريكى مشكلة حقيقية، مع تزايد مديونية وتراكمها تجاه العالم الخارجى؟ أم أن المشكلة الحقيقية هى لدى دول الفائض؟

هناك عبارة شهيرة منسوبة للإقتصادى الإنجليزى كينز، ومفادها ـ على ما أذكر ـ” أنت فى مشكلة إذا كنت مديناً للبنك بمائة جنيه، ولكن البنك سيكون هو فى مشكلة إذا كنت مديناً له بمليون جنيه.” ولكن ما هى الموعظة من هذه المقولة؟ الفكرة بسيطة وهى أن المدين يكون، عادة، تحت رحمة الدائن إذا كان حجم الدين صغيراً، أما إذا كان الدين كبيراً، فإن الدائن يصبح هو، وليس المدين، فى وضع صعب وتحت رحمة المدين، فالمدين هنا يرهن الدائن وربما يفرض عليه شروطه.

ثانياً: التحدى أمام دول الفوائض المالية، خاصة المصدرة للنفط:

يتطلب الحديث عن الفوائض المالية، أن نكون على وعى ببعض الحقائق الإقتصادية الأولية، التى لا مناص من الإعتراف بها. وتساعد الحسابات القومية على فهم أسباب ظهور الفوائض والعجوزات بين الدول. وهى ترجع إلى التفرقة بين “الناتج القومى” وبين “الإنفاق القومى”. فالأصل هو التساوى بين ما تنتجه الدولة وما تنفقه. فالمعادلة أو المساواة المحاسبية المستقرة عن تعريف الناتج القومى أو الإنفاق القومى هى:

الناتج (الإنفاق) القومى = الإستهلاك القومى + الإستثمار القومى +/- (فائض أو عجز الميزان الجارى).  فالتفرقة بين “الناتج القومى” و”الإنفاق القومى” ترجع إلى وضع الميزان الخارجى بين العجز والفائض. فإذا كان الميزان الجارى (صادرات وواردات) متوازناً، فإن الناتج القومى يتعادل تماماً مع الإنفاق القومى. أما إذا كان الميزان الجارى موجباً ـ أى هناك فائض فى الصادرات على الواردات ـ فإن الناتج القومى يكون أكبر من الإنفاق القومى، وإذا كان هذا الميزان به عجز، فإن ذلك يعنى أن الإنفاق القومى يجاوز الناتج القومى.

هذه هى الحقيقة الأولى. فالفائض والعجز المالى بين الدول يرجع إلى عدم التطابق بين الناتج القومى والإنفاق القومى فى هذه الدول. وليس من السهل أن تقنع كل الدول بتحقيق المساواة بين إنتاجها وإنفاقها التطابق القومى.

والحقيقة الثانية هى حقيقة محاسبية وهى أن إستمرار الفائض لأية دولة رهن بإستمرار العجز لدى دول أخرى. ودول الفائض المالى، وخاصة الدول المنتجة للنفط، مضطرة، إزاء الوضع العالمى للطاقة، إلى أن تحقق ناتجاً قومياً يجاوز إنفاقها القومى. فهذه الدول ـ خاصة فى الخليج بما تعرفه من هيكل سكانى من ناحية، وعدم قدرة الإقتصاد القومى على زيادة الإنفاق الرشيد من ناحية أخرى ـ فإنها مضطرة إلى إستمرار الإنتاج بما يتفق مع الإحتياجات العالمية من سلعة إستيراتيجية مثل النفط. وهكذا، فإن دول الفائض من مصلحتها إستمرار فوائضها المالية، وبالتالى ما يقابلها من عجوزات لدى دول أخرى. ولكن المشكلة ليست فى وجود دول عجز، وإنما فى تركزها فى دولة أو عملة واحدة.

وبذلك، تنحصر التحديات التى تواجهها دول الفائض وخاصة الدول النفطية، فى سؤالين هامين، الأول هل من مصلحتها إستمرار الفوائض، وهل هذا ممكن أو متاح؟ وإذا لم يكن فى مصلحة هذه الدول تخفيض هذه الفوائض أو إنقاصها، فهل من المصلحة أن تستثمر هذه الفوائض فى الدولار أم هناك مصلحة فى تنويع هذه الإستثمارات خارج منطقة الدولار؟ هذه أسئلة جوهرية تتطلب وضوحاً.

الفوائض المالية النفطية وإستقرار الإقتصاد العالمى:

السؤال هنا هل يمكن تخفيض هذه الفوائض؟ يمكن تخفيض الفوائض المالية للدول النفطية بأسلوبين، وكلاهما صعب التحقيق إن لم يكن ضاراً. أما الأسلوب الأول فهو تخفيض إنتاج النفط أو منع أسعاره من الإرتفاع. فهل هذا ممكن، وهل هو مفيد؟ الإجابة السريعة لا. فالنفط وملحقاته ليس سلعة عادية، بل هو سلعة إستراتيجية يتوقف عليها حياة الإقتصاد العالمى، وأى إخلال بحجم المتاح من هذه السلعة سوف تكون له تداعيات عالمية على الإقتصاد العالمى، ومن الصعب ـ إن لم يكن من المستحيل ـ أن تقوم دولة أو مجموعة صغيرة من الدول بتخفيض الإنتاج العالمى لهذا المصدر الحيوى للطاقة وللصناعات الكيماوية. فهنا يكاد يتعلق الأمر بما يعرف بالسلع العامة العالمية Global Public Goods. فوقف أو تخفيض إنتاج هذه السلعة الإستراتيجية يمكن أن ينظر إليه بإعتباره إعلاناً للحرب على العالم. ومن هنا فمسئولية الدول المنتجة للنفط تستلزم ضرورة توفير إنتاجه بكميات كافية للإستهلاك العالمى. أضف إلى ذلك أن تخفيض الإنتاج يمكن أن ينقلب ضرراً بالدول النفطية ذاتها، وذلك بتطوير وسائل البحث عن بدائل أخرى وبالتالى يهدد مستقبل هذه الدول. ويظل الأكثر أهمية هو أن النفط سلعة إستراتيجية لا يمكن التعامل معها بخفة.

والشكل الآخر لتخفيض الفوائض هو منع إرتفاع أسعارها مع تطور الأسعار العالمية، وهو أمر يتناقض كلية مع العدالة وحقوق الدول المصدرة للنفط، فهى بقيامها بتوفير هذه السلعة الإستراتيجية للعالم، فمن حقها أن تحصل على المقابل العادل لثرواتها الطبيعية والنافدة، فى إطار من المنافسة العالمية. وهكذا يمكن القول بأن إختيار تخفيض الإنتاج أو تقليل أسعاره هو أمر غير عملى بل وقد تترتب عليه بالغة الخطورة.

ولكن الفوائض يمكن تقليلها أو حتى إزالتها دون التعرض لحجم إنتاج النفط أو أسعاره، إذا قامت الدول النفطية بزيادة إنفاقها القومى. فالفوائض التى تحققها هذه الدول ترجع إلى أن “الناتج القومى” لهذه الدول يجاوز “إنفاقها القومى”، وأنها يمكن أن تزيل أو تخفض هذه الفوائض بزيادة الإنفاق المحلى سواء للإستهلاك أو الإستثمار المحلى أو الأمرين معاً. فهل هذا ممكن أو مفيد؟

تتميز دول الخليج النفطية، بشكل عام، بأنها دول صغيرة ـ ربما بإستثناء المملكة العربية السعودية ـ وعدد سكانها محدود، وبالتالى، تعتمد على نسبة عالية من اليد العاملة المستوردة والتى تكاد تقارب عدد المواطنين الأصليين. كذلك فإن معدلات الدخول الفردية ـ فى معظم هذه الدول ـ تعتبر من أعلى المعدلات العالمية، كما تتمتع معظم هذه الدول ببنية أساسية حديثة ومتطورة ينفق عليها بسخاء. وهناك طاقة إستيعابية للإنفاق المحلى لكل دولة تتوقف على ما يتوافر لديها من موارد طبيعية وإمكانيات بشرية. ومن المعروف أنه مع زيادة معدلات الإنفاق الإستهلاكى تزداد الحاجة إلى الخدمات البشرية من صيانة للمعدات والأجهزة، وعمال نظافة، وخدمات ترفيهية وتعليمية وحراسات وخدمات منزلية،.. والقائمة طويلة. فالزيادة فى الرفاهية فى العصر الحديث تعتمد بدرجة أكبر على إستهلاك الخدمات البشرية. وبذلك، فإنه فى دول الخليج يؤدى مزيد من الرفاهية الإستهلاكية إلى مزيد من الإعتماد على اليد العاملة الأجنبية مما قد يخل بالتوازن السكانى والإستقرار المحلى.

وهكذا يتضح أن دول الفائض المالى فى الخليج من مصلحتها، فضلاً عن أن الظروف تفرض عليها، أن تستمر فى إنتاج النفط بمعدلات تتناسب مع إحتياجات العالم، وأنها ـ نظراً لطبيعة هيكلها الإقتصادى والسكانى ـ لن تكون قادرة على إنفاق كامل حصيلة إنتاجها القومى محلياً لمحدودية الطاقة الإستيعابية. فهى بالضرورة دول فائض مالى فى الوقت الحاضر. والسؤال ليس فى إستمرار هذه الفوائض أو عدم إستمرارها ـ لفترة غير قصيرة ـ وإنما فى كيفية إستغلال هذا الفائض بكفاءة وبما يوفر الإستقرار للإقتصاد العالمى وحماية مصالح هذه الدول طويلة الأجل.

الأصول العينية والأصول المالية:

قبل أن نتناول كيفية الإستخدام الأمثل لهذه الفوائض المالية، علينا أن ندرك طبيعتها الإقتصادية. هذه الفوائض ليست إنتاجاً بالمعنى الدقيق. حقيقة أن إستخراج النفط من باطن الأرض وتصفيته وتجميعه ونقله كل هذا ينطوى على عمليات إنتاجية حقيقية. ولكن يظل العنصر الأساسى فى قيمة النفط أنه يمثل ثروة طبيعية غير متجددة توجد فى باطن الأرض. فجوهر سلعة النفط، هو أنها إستهلاك لثروة طبيعية محدودة، مهما بلغ عمرها، مآلها إلى الزوال. ولذلك، فإن الإستخدام الرشيد لهذه الثروة الطبيعية يكون بتحويلها إلى ثروة إقتصادية متجددة، أى إلى أصول إنتاجية قابلة للإستمرار والتجديد. فعائدات النفط هى نوع من “الثروة” وليست “دخلاً” متجدداً. فالثروة هى مصدر للدخل، ومن هنا فلابد من الحفاظ عليها والعمل على زيادتها، وليس إستهلاكها، وفقط يجوز إستهلاك عائد هذه “الثروة”، وهو الدخل المتجدد. والثروة قد تكون طبيعية مثل الأراضى والمناجم والغابات، وقد تكون قوة العمل، كما قد تكون ثروة مالية تمثل أصولاً منتجة، فرأس المال هو ثروة بقدر ما يعكسه من قدرات إنتاجية، حيث يستخدم فى توليد عائدات ودخول سنوية مع الحفاظ على قيمته بإستمرار عن طريق ما يعرف بحماية إستهلاك رأس المال.

وهكذا، فقد كان من المنطقى ألا تحسب عوائد النفط ضمن الناتج أو الدخل القومى، وفقط يدخل فى حسابها فقط عوائد إستخدامات هذه العوائد. فعائدات النفط هى جزء من “الثروة القومية” وليس من الناتج أو الدخل القومى. وتأخذ الحسابات القومية فى الكويت ـ إذا لم اكن مخطئاً ـ بإعتبار عائدات النفط جزءاً من الدخل أو الناتج القومى، فى حين أن عوائد إستثمارات النفط تضاف إلى “الثروة القومية” ولا تعتبر دخلاً ، وتوضع فى حسابات خاصة ولا تمس. ولعل الأقرب إلى المنطق هو الأخذ بعكس هذا الأسلوب، وإعتبار عائدات النفط جزءاً من الثروة القومية بما ينطوى عليه ذلك من تحويل ثروة فى باطن الأرض إلى قيمة مالية وإقتصادية تستثمر للمستقبل. وإذا كانت عائدات النفط هى ـ كما أشرنا ـ تعبير عن ثروات طبيعية فى باطن الأرض، فمن الطبيعى أن يتم مبادلتها لعناصر مماثلة من “الثروة”.

وعندما نتحدث عن الثروة فلا بد أن نميز بين “الأصول العينية” Real Assets و”الأصول المالية” Financial Assets. “فالأصول العينية” هى مصدر الإنتاج الحقيقى من مصانع وبنية أساسية ومعرفة تكنولوجية وغيرها من القدرات الإنتاجية. ولكن هذه “الأصول العينية” تتداول، عادة، من خلال “الأصول المالية” من أسهم وسندات ومختلف الأوراق المالية، التى تمثل هذه “الأصول العينية”. فهى رموز أو أدوات لتسهيل تداول وحركة الأصول.

ومع ذلك فقد لاحظنا، خاصة فى الفترات الأخيرة، أن هناك تزايداً ملموساً فى حجم “الأصول المالية” بمختلف أشكالها، وبما يجاوز، بكثير، نمو “الأصول العينية”. وقد ظهر هذا بشكل خاص فى الولايات المتحدة، مما كان له أثر على إنفجار الأزمات المالية، على ما سنشير إليه.

ومن الضرورى، بالنسبة لدول الفائض ـ أن تحقق مقابل التنازل عن ثروة طبيعية أى عن أصول عينية ـ أن تتأكد أن ما تحصل عليه من “أصول مالية” فى توظيفاتها الإستثمارية يتناسب مع نمو وتطور ونمو الأصول العينية الإنتاجية. ودون ذلك، فإن ثروات دول الفائض سوف تكون معرضة للتآكل.

الأزمات المالية المعاصرة:

عرفت الولايات المتحدة خلال العقدين الأخيرين، أزمتين ماليتين هما : أزمة سوق الأوراق المالية للتكنولوجيا (نازداك) فى 2000، ثم أزمة أسواق العقارات فى 2008. وقد لجأت الحكومة الأمريكية، آنذاك إلى إتخاذ سياسات توسيعية، إعتمدت على توسع الحكومة فى الإنفاق وزيادة عجز الموازنة، وخفضت أسعار الفائدة إلى ما يقرب الصفر. ولم يمنع هذا الإنخفاض فى أسعار الفائدة، أو إضطراب الأوضاع المالية للولايات المتحدة، المستثمرين فى دول الفائض (الصين بوجه خاص) من زيادة توظيفاتهم المالية فى الولايات المتحدة. وهكذا نجحت الولايات المتحدة ـ  بعد أن ضمنت قيام الدولار بدور النقود الدولية ـ فى أن تضع دول الفائض فى وضع المسئول عن حماية قيمة توظيفاتهم الدولارية. فدول الفائض بإعتبارها الحائزة على ثروات هائلة بالدولار، أصبح عليها ضرورة حماية قيمة هذا الدولار صيانة لثرواتها المتراكمة فى الأسواق الأمريكية عبر السنوات. وفى نفس الوقت، أصبحت الولايات  المتحدة، فى وضع يمكنها من زيادة الإنفاق دون أن يتحمل المواطن الأمريكى عبء هذه الزيادة التى يتكفل بها دول الفوائض المالية. وأصبح أهم صادرات الولايات المتحدة الأمريكية، هو تصدير الدولار فى شكل أوراق مالية يقبل عليها المستثمرون من دول الفائض لحماية إستقرار البورصات العالمية، وبالتالى لحماية ثرواتهم المتراكمة. وعندما تصدر الولايات المتحدة الدولار، فإنها لا تتحمل أى تكلفة، فالولايات المتحدة، من الناحية الواقعية، هى البنك المركزى العالمى للنقود الدولية.

وبهذه الميزة، أن أصبح الإقتصاد الأمريكى هو ـ وحده دون أى إقتصاد فى العالم ـ قادراً على زيادة الإستهلاك والإستثمار معاً. فأى إقتصاد آخر، عليه المواءمة بين زيادة الإستهلاك أو زيادة الإستثمار. أما الإقتصاد الأمريكى، فإنه قادر على زيادة الإستهلاك بلا خشية من نقص المدخرات اللازمة للإستثمار. والسبب فى ذلك، هو أن دول الفائض المالى فى العالم مستعدة دائماً للتوظيف فى الأوراق المالية الأمريكية، وبما يسمح بزيادة الإستثمارات الأمريكية رغم إنخفاض معدلات الإدخارات المحلية، والتى تعوضها المدخرات الأجنبية. ولم يكن غريباً ان ينخفض معدل الإدخار الفردى الأمريكى إلى أدنى مستوى دون نقص فى معدلات الإستثمار. فحماية الدولار لم يعد مشكلة للولايات المتحدة الامريكية وحدها، بل هى أيضاً مشكلة العالم فى مجموعه، وخاصة دول الفوائض المالية.

عندما نتحدث عن العالم المعاصر، والأكثر منه حيوية،  فإن الدائنين الرئيسيين، على الأقل خلال العقود الثلاثة الأخيرة، هم مجموعة الدول الصناعية القديمة من ناحية، ومجموعة الدول الصناعية الجديدة ويضاف إليهم الدول المصدرة للنفط من ناحية أخرى. أما الدول المستوردة لهذه الفوائض المالية فهم عادة الدول الصناعية المتقدمة وخاصة الولايات المتحدة، التى تستحوذ على أكبر قدر من إستيراد الأموال. وعلى العكس، فإن الدول الصناعية الجديدة ـ وعلى رأسها الصين ـ هى التى تقدم أكبر قدر من الأموال لسد عجز موازين الدول الصناعية القديمة. ففى خلال الفترة 2000-2012 بلغ حجم إنتقالات رؤوس الأموال حوالى 13.5 تريليون دولار، حصلت منها الولايات المتحدة على ما يزيد نصفها، أى أكثر من 7 تريليون دولار. والمدين الرئيسى فى الإقتصاد الأمريكى هو الحكومة، وحيث يبلغ حجم الدين الحكومى الأمريكى أكثر من 6.5 تريليون دولار، حوالى ثلاثة أرباعها فى أيدى دائنين أجانب على رأسهم الصين ودول الفوائض النفطية.

وتاريخ الرأسمالية فى الأزمات الإقتصادية قديم ومعروف. ونقطة الضعف الأساسية والتى تؤدى، عادة، إلى إنفجار الأزمة، هى الأسواق المالية، بإعتبارها الأسواق الأكثر تعرضاً للمضاربات، إن لم يكن المقامرة أحياناً. فأزمة الثلاثينات من القرن الماضى بدأت بإنهيار سوق نيويورك فيما عرف “بالثلاثاء الأسود” فى 29 أكتوبر 1929. وما تزال ذاكرتنا الحاضرة تستحضر أيام أزمة “النازداك” وسوق العقارات على ما أشرنا إليه. والجديد هو أنه مع تعمق “العولمة”، فإن أثار الأزمة أصبحت تلحق معظم إقتصادات العالم. فالعالم، وخاصة عالم الأموال، وهو ربما الأكثر عولمة والأكثر إندماجاً وتأثيراً على مختلف الدول أينما كان موقعها من الإقتصاد العالمى.

ولعل أحد أهم أسباب تعميق عمليات المضاربة المالية هو ما يعرف ” بمخاطر المجازفة ” أو المغامرة، فإذا شعر المستثمر أن هناك نوعاً من ” التأمين ” الذى يعوضه عن خسائره، فإنه سوف يكون أكثر إستعداداً للمغامرة والمجازفة، لأنه يدرك أن هناك، فى النهاية، من سوف يتقدم لإنقاذه. وعرفت بعض المؤسسات المالية العالمية ضخامة وأهمية فى الإقتصاد العالمى، شعوراً كان بالإطمئنان بحيث أنها أصبحت تعتقد أنها ” أكبر من أن تفشل ” Too big to fail، وأن فشلها سوف يؤدى إلى إنهيار الإقتصاد فى مجموعه، وبالتالى فإن الحكومات سوف تتدخل لحمايتها. وهكذا ترسخ، فى العقل الباطن لمثل هذه المؤسسات أنه لا خطر عليها من المجازفة أحياناً، لأنها ” أكبر من أن تفشل”، فالجميع سوف يتكاتف لإنقاذها. وبذلك أصبح هذا التأمين الضمنى باعثاً على المجازفة والمغامرة، وهو ما يعرف Moral Hazard. وقد جاءت صدمة بنك ليمان برزرز Lehman Brothers ،لتظهر أنه أصبح ” أكبر من أن ينقذ ” Too big to bail.

وقد أشرنا فيما سبق إلى أن دول الفائض المالى كثيراً ما توظف فوائضها فى الدولار، بإعتباره العملة المقبولة دولياً. فضلاً عما تتمتع به الولايات المتحدة من إمكانيات إنتاجية هائلة، وتقدم تكنولوجى ديناميكى، وأيضاً لإستقرار مؤسساتها المالية وقدراتها الخلاقة. ولكن التجربة الأخيرة لأزمة 2008 جاءت، فى الجوهر، لمعالجة تهور وعدم مسئولية الأسواق المالية سواء فى التمويل العقارى المغامر أو التوسع فى إصدار أشكال من الأصول المالية للمشتقات المالية ربما بدون ضوابط. وهكذا كان وقوف أموال دول الفائض وإستعدادها الدائم لحماية الدولار، إنقاذاً لإستثماراتها الدولارية الكبرى، هو أيضاً أحد أسباب إنتشار ” مخاطر المجازفة ” لدى المؤسسات المالية من ناحية، وضعف الرقابة والإشراف المالى من ناحية أخرى. فإذا كان من المفهوم أن الإستثمار فى أصول دولارية لإعتبارات الكفاءة الإنتاجية فى هذه الإستثمارات ، فإن المبالغة فى التوظيف لحماية الدولار من أزمات الأسواق المالية، قد ينقلب ليصبح مدعاه لمزيد من هذه الأزمات من خلال تزايد ” مخاطر المجازفة ” لدى المؤسسات المالية بمبالغاتها فى أعمال المضاربات المالية فضلاً عن تشجيع تراخى الحكومات (الولايات المتحدة بوجه خاص) بوضع الضوابط والقيود على أعمال المضاربة.

توسيع قاعدة المدينين وزيادة الفرص الإنتاجية فى العالم:

يتضح من الإستعراض المتقدم، أن دول الفائض النفطى تحقق فوائض مالية يصعب تخفيضها، فإنتاج النفط بمعدلاته الجارية يتم إستجابة لإحتياجات العالم من الطاقة فى الظروف الحالية. وفى نفس الوقت فإن الطاقة الإستيعابية لإنفاق عائدات النفط محلياً محدودة، لا تسمح بالتوسع غير المنضبط فى الإنفاق المحلى. وأخيراً، فإن إستمرار الفوائض النفطية رهن بوجود عجوزات مقابلة لدى دول أخرى.

وقد تطورت أوضاع العالم الإقتصادية والمالية إلى أن أصبحت الأسواق الأمريكية هى السوق الأوسع لإستثمار الفوائض المالية، وأدى إتساع دور الدولار ـ بإعتباره عملة التداول العالمى ـ إلى زيادة العجز الأمريكى والذى لم يقتصر على عجز الميزان الجارى بل صاحبه عجز متزايد فى موازنة الحكومة الأمريكية.

وقد أدت هذه الظروف مجتمعة إلى تزايد نسبة الأصول المالية ـ وخاصة فى الولايات المتحدة ـ إلى الناتج الإجمالى، مما يعنى أن الأصول المالية تزيد بمعدلات تجاوز الزيادة فى الطاقة الإنتاجية. وفى نفس الوقت، فإن أى مشكلة تواجه الدولار، أصبحت تهدد أيضاً بدرجة كبيرة، مصالح الحائزين على أصول دولارية وعلى رأسهم الصين واليابان ودول الفائض النفطى. وبذلك أصبح الدائنون ـ دول الفائض المالى ـ رهينة، إلى حد كبير، لمطالب المدين (الولايات المتحدة الامريكية)، مما ساعد على تشجيع ” مخاطر المجازفة ” فى الأسواق المالية ومزيد من الرعونة ومن ثم تعريضها للأزمات المالية، والتى تضطردول الفائض للتدخل للإنقاذ حماية لإستثماراتها القامة.

والدرس المستفاد من هذه التجربة لدول الفائض المالى، هو ما سبق أن إكتشفته البنوك منذ فترة طويلة. فالبنك، كمؤسسة خاصة يحرص على حماية أمواله بما يقوم به دراسات لأحوال المدينين، ومن خلال متابعته لنشاطهم. ولكن يظل الضمان الأكبر للبنك هو توزيع المخاطر، ووضع حدود قصوى لما يقرضه للعميل الواحد، مهما بلغت جدارته الإئتمانية. وهذه، إلى حد كبير، هى خلاصة ما أشار إليه كينز بعدم وضع الدائن نفسه تحت رحمة المدين. فزيادة مديونية المدين هى عبء على الدائن، وهى مصدر قوة للمدين.

ولم يرجع التزايد دائماً فى فرص الإستثمار المالى فى الأسواق المالية إلى زيادة الفرص الإنتاجية وإنما للإسراف فى إصدار شتى أنواع الأصول المالية. ولعل ظهور ما عرف “بالمشتقات المالية”، وهى أصول مالية تبنى على أصول مالية قائمة أو تزيد من حجم المتاح من لأصول المالية دون أن ينعكس ذلك فى أية زيادة فى الأصول الإنتاجية، وهى الظاهرة التى عاصرت تاريخنا المعاصر فى معظم الدول المتقدمة وخاصة الولايات المتحدة. وقد كانت هذه الظاهرة المالية أحد أهم أسباب الأزمات المالية المعاصرة. ولذلك، فإنه من الضرورى إتخاذ إستراتيجية جديدة لإستثمارات الفوائض المالية مقابل فرص إستثمارية حقيقية، وليست مجرد زيادة فى الأصول المالية. وتمثل الدول النامية ـ فى هذا الصدد ـ  إمكانيات هائلة للإستثمارات إذا توافر لها البنية الأساسية المادية والتشريعية.

وإذا أمكن لدول الفائض النفطى، وخاصة فى الخليج العربى، أن تقوم بدور رائد فى خلق فرص إستثمارية حقيقية فى ربوع الوطن العربى، فإنها تقدم بذلك خدمة هائلة للإنسانية، بإستخدام فوائض النفط ـ وهى حصيلة ثروات طبيعية فى باطن الأرض ـ لتتحول إلى ثروات إنتاجية فى إستثمارات حقيقية فى الوطن العربى. وبذلك تقدم هذه الدول خدمة هائلة للإنسانية، بقدر ما تحقق أحد الأمنيات للأمة العربية، وبما يحفظ القيمة الحقيقية لهذه الثروات المالية، ولا يتركها رهينة فى الأسواق المالية. فهذه الدول بإعتبارها الأقل إستغلالاً لطاقاتهم المهملة، تمثل رصيداً ممكناً Potential للمستقبل، إذا توافرت لها الشروط المناسبة.

وبطبيعة الأحوال، فإن هذا ليس بالأمر السهل أو الهين. وهو بشكل ما يمثل مخاطرة ليست مضمونة، ويحتاج إلى صبر ومثابرة. ولكن علينا ألا ننسى أن الوضع القائم حالياً ليس بأقل مخاطرة. فالثروات المالية العربية المتزايدة فى الأسواق المالية هى ـ إلى حد بعيد ـ رهينة لا يسهل الخلاص منها. والدول النفطية فى الخليج ـ وعلى عكس الصين أو اليابان أو حتى الدول الصناعية الناشئة فى جنوب شرق آسيا ـ لا تملك قاعدة صناعية كافية تجعل منها لاعباً رئيسياً فى المستقبل. فالضمان الوحيد ـ القائم حالياً ـ لضمان إستثمارات هذه الدول، هو أن العالم يحتاج إلى النفط لعقود قادمة. وفيما بعد عصر النفط، فإن الضمان الحقيقى لإستثماراتها المالية هو إستنادها إلى قاعدة إقتصادية متينة فى الوسط العربى.

لقد جاء عصر النفط نعمة هائلة لدول الخليج. ولكن العاقل هو من يعد العدة لما بعد النفط. وهذا لن يتحقق إلا إذا زادت المنطقة فى إجمالها فى قدراتها الإقتصادية الحقيقية وبما يمكنها من المنافسة فى عالم لا يعترف إلا بالقادرين على المنافسة الإنتاجية. وهو أمر يصعب أن تحققه دولة عربية منفردة، بل يحتاج إلى جهود المنطقة. والمطلوب أن تقوم دول الفائض بدورها الرائد فى نهضة المنطقة العربية.

خاتمة: خلاصة وتوصيات

نحاول فيما يلى أن نلخص بعض النتائج التى تناولناها وذلك فى عدة نقاط موجزة:

  •  لعل النقطة الأولى هى ضرورة الإعتراف بأن الدولار لا يمثل فقط عملة الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما هو أيضاً عملة التداول العالمى. ومع مزيد من التقدم الإقتصادى وما يتطلبه من زيادة حجم الإندماج المالى والإقتصادى الدولى، فإن دور الدولار سوف يستمر، ولا يبرز فى الأفق أى بديل سريع له، وإن كان من الممكن أن يبدأ هذا الدور فى التراجع تدريجياً.
  • والنقطة الثانية، والتى ترتبط بما تقدم، أنه فى ضوء قيام الدولار بدور العملة الدولية، فإن معنى ذلك أن العالم سوف يحتاج إلى الإحتفاظ بكميات متزايدة من الأصول الدولارية. ويترتب على ذلك أن تجد الولايات المتحدة نفسها فى وضع عجز فى ميزانها الجارى لتوفير الدولارات للعالم. فهى بذلك لا تختلف عن أى “بنك مركزى” يضطر إلى تحمل عجز فى موازنته لتوفير النقود للإقتصادات المحلية. ولكن على حين كانت الولايات المتحدة تحقق ذلك عن طريق إستثماراتها الخارجية حتى بداية السبعينات، فإنها بدأت منذ ذلك الوقت تزيد من عجز ميزانها الجارى بالعجز المستمر والمتزايد فى الواردات الأمريكية وعدم مسايرة الصادرات لها. وفى نفس الوقت تزايد عجز الموازنة الأمريكية بشكل كبير. ومع تعدد الأزمات المالية إرتفع هذا العجز بشكل مبالغ فيه. ونتيجة لهذه الزيادة الكبيرة فى عجز الميزان الجارى الأمريكى من ناحية، وزيادة عجز الموازنة الأمريكية من ناحية أخرى، فقد زاد حجم الأصول المالية الأمريكية زيادة هائلة، ليس فقط نتيجة لزيادة الطاقة الإنتاجية بها، وإنما لتمويل العجوزات المتزايدة فى الميزان الجارى والموازنة العامة. وهكذا، إرتفعت نسبة الأصول المالية فى الولايات المتحدة إلى الناتج القومى الإجمالى بها، بأكثر من أربعة أضعاف خلال الفترة 1990-2001. ورغم أن هذه ظاهرة عامة، إلا أن نسبة التزايد لهذه الأصول المالية فى الإقتصاد الأمريكى، جاوزت بكثير المتوسط العالمى لزيادة الأصول المالية، وقد تضاعف حجم المشتقات المالية لأكثر من عشر أضعاف الناتج الإجمالى فى أمريكا فى أقل من عشر سنوات.
  • والنقطة الثالثة هى أن دول الفائض المالى النفطى ليس من صالحها، وربما ليس فى مقدورها، أن تخفض حجم فوائضها المالية. فسلعة النفط هى سلعة إستراتيجية مطلوبة لإستقرار العالم إقتصادياً وسياسياً. ومن ثم فإن أى محاولة منهجية لتخفيض الإنتاج المتاح من هذه السلعة الإستراتيجية، لن يقرر لها النجاح. وبالمقابل، فإن معظم دول الفائض الخليجى تخضع لقيود إقتصادية وسكانية تحدد من قدرتها الإستيعابية لزيادة الإنفاق المحلى. وهكذا، فإن إستمرار هذه الفوائض لفترة زمنية غير قصيرة، أمر لا مناص منه. والمطلوب فقط هو إختيار إستراتيجية مناسبة لإستثمار هذه الفوائض، وبما يضمن حقوق الأجيال المستقبلة لما بعد النفط، مع الحرص على إستقرار الإقتصاد العالمى.
  • والنقطة الرابعة، هى أن النفط، بالنسبة للدول المنتجة، ليس مجرد سلعة بل هو ثروة طبيعية نافدة، وأن عائدات هذه الثروة ينبغى أن تستخدم فى إستثمارات إنتاجية داخل دول النفط وخارجها بزيادة حجم الأصول العينية وليس بالمبالغة فى تضخم الأصول المالية. بهذا فقط يمكن أن، نحمى هذه الثروة الإقتصادية، ويمكن فقط التصرف فى عوائد هذه الإستثمارات، وسواء كانت هذه الإستثمارات محلية أو دولية.
  • والنقطة الخامسة، هى أننا لا نبدأ من الصفر. هناك تاريخ متراكم من الإستثمارات الخارجية فى السنوات السابقة، وينبغى العمل على حمايتها وضمان إستقرارها. وفى نفس الوقت النظر إلى المستقبل دون أن نكون رهينة للماضى. هناك إستثمارات ضخمة متراكمة بالدولار، ينبغى الحرص على إحتفاظها بقيمتها، وفى نفس الوقت عدم الوقوع فى “فخ الدولار” بعد أن تزايدت أحجام هذه الإستثمارات، ونتذكر كلمة كينز عندما يصبح “الدائن” رهينة للمدين إذا زاد حجم الدين بشكل كبير. وهذا ما أصبح الوضع الحالى للمديونات المالية، فالمدين الأكبر فى العالم هو الولايات المتحدة، وإنحصر الدائنون الأساسيون فى مجموعة صغيرة على رأسها الصين واليابان والدول النفطية.
  • وأخيراً تمثل دول العالم الثالث، وخاصة المنطقة العربية، مجالاً هاماً للمستقبل الإقتصادى العالمى، بما تتطلع إيه للتقدم واللحاق بالعالم المتقدم. ورغم ما تعانيه هذه الدول من مشاكل إجتماعية وسياسية وبالتالى إقتصادية، فإنها تمثل، إلى حد بعيد، معضلة كبرى تتراوح بين فرص وإمكانيات للتقدم من ناحية، وخطورة الفشل وتهديد الإستقرار من ناحية أخرى. فهى بكثافتها السكانية من ناحية، وإمكانياتها غير المستغلة من ناحية أخرى، فإنها تعتبر أخطر إمتحان يواجهه العالم. فهى من جانب خطر على إستقرار العالم، إذا إستمرت فى تخلفها، ولكنها من جانب آخر قد تكون فرصة أمل إذا ما أحسن إستخدام طاقتها المعطلة وبحيث تمثل إضافة حقيقية للبشرية. فإذا إستمرت أوضاعها دون تحسن، فإنها ـ مع الإنفجار السكانى ـ قد تصبح قنبلة زمنية موقوتة، تحرق الأخضر واليابس، إذا تفشت فيها ـ بسبب الفقر والجهل ـ القيم الجاهلية للتعصب وكراهية الغير وفلسفات الحقد والدمار. ولكنها، بالمقابل، قد تصبح إضافة إلى القدرات الإنتاجية لزيادة الرفاهية والأمل فى المستقبل. وبطبيعة الأحوال، فإن المسئولية الأولى، لإنقاذ هذه الدول والمناطق، هى لأبنائها ومواطنيها. ولكن هناك، أيضاً، مسئولية عالمية، على القادرين على توفير الفرص والإمكانيات ـ وليس المساعدات والمعونات فقط ـ لتحويل هذه الطاقات العاطلة إلى طاقات منتجة.

الحاجة إلى مشروع حضارى تاريخى:

هنا يثور التساؤل عن دور دول الفائض المالى، وكيفية إستخدامه لصالح البشرية، بإنتشال هذه الدول، أو بعضها لضمها إلى حظيرة الدول المنتجة والمسئولة. وفى هذا الصدد، فإن دول الفائض المالى فى المنطقة العربية، قد يكون من مسئولياتهم الأدبية والإنسانية، المساهمة بدرجة أكبر فى تنمية هذه المنطقة. علماً بأنه إذا نجحت المنطقة العربية فى أن تتحول إلى طاقة إنتاجية، تضيف إلى الأصول العينية الإنتاجية، فى شكل إستثمارات حقيقية، فإن المنطقة بأسرها سوف تصبح واحة للإستقرار والتقدم، وفى نفس الوقت، فإن الأصول السائلة حالياً فى شكل أصول مالية، قد تتحول ـ عند إستثمارها فى المنطقة ـ إلى ثروة إنتاجية وأصول عينية، يمكن ـ على المدى البعيد ـ أن تكون الضمان الحقيقى لمستقبل الفوائض المالية العربية.

وهذا ليس مجرد مشروع إقتصادى، بل هو مشروع حضارى شامل. ودول الفائض المالى العربى، مؤهلة للقيام بهذه المسئولية التاريخية. هذا رهان تاريخى، وليس مجرد مشروع إستثمارى. وبطبيعة الأحوال، فإنه ـ كأى مشروع تاريخى ـ لابد وأن يبدأ بداية تدريجية، بتحقيقق قصص نجاح محدودة، ثم تتوسع ـ بعد ذلك ـ تدريجياً لتشمل عموم الوطن العربى. وأنى أكاد ألمح فى مساعدات دول الخليج لمصر فى أزمتها الراهنة، بداية لهذا المشروع الحضارى. فعندما واجهت مصر، فى إطار ثورات الربيع العربى، ما يمكن أن يهدد الوجود المصرى ساعدت دول الخليج ـ بإحساس المسئولية ـ لمعاونة مصر فى محنتها. وأرجو أن تكون هذه خطوة على طريق النهضة العربية الإقتصادية، وحيث تقوم دول الفائض المالى العربى، ليس فقط بإقالة مصر ـ وغيرها من الدول العربية ـ من قوتها، بل تكون خطوة فى طريق الرهان التاريخى لإعادة الشرق الأوسط إلى سابق عهده فى الإسهام الحضارى.

مسئولية تاريخية: 

نخلص من كل ما تقدم، أن ظهور الفوائض المالية، هو نعمة كبرى ولكنها أيضاً مسئولية تاريخية، وتحتاج إدارتها إلى قدر كبير من الحكمة وإتساع الأفق التاريخى. فمن ناحية، هناك مصلحة كبرى فى بقاء وإستمرار هذه الفوائض تحقيقاً للإستقرار الإقتصادى العالمى، ومن ناحية ثانية تمثل هذه الفوائض تدعيماً للدول العربية والنهوض بها إقتصادياً وإجتماعياً. وإذا كان إستمرار الفوائض المالية أمراً لا مناص منه، فإن المشكلة الحقيقية هى فى كيفية توظيفه خارج الدول المنتجة للنفط وبما يحمى قيمتها فى المستقبل.

كذلك لابد من الإعتراف بأن الدولار يمثل ـ ولفترة قادمة غير قصيرة ـ عملة التداول العالمى، وإن من مسئولية الدول النفطية العمل على إستقرار الدولار حيث أن جزءاً غير قليل من ثرواتها المتراكمة موظف فى الدولار وفى السوق الأمريكية. ومع ذلك، فإنه من المناسب أيضاً أن تحرص دول الفائض النفطى على عدم المبالغة والتركيز فى الدولار وحده، فتوزيع وتوزيع المخاطر هو أحد الأركان الرئيسية لحسن إدارة الأصول المالية. ومع ذلك، فينبغى أن نتذكر أن الضمان الحقيقى لحماية ثروات الدول النفطية إنما يتحقق بقدر ما يصاحبها من زيادة فى “الأصول العينية” على مستوى العالم. ومن الملاحظ أن السوق الأمريكية تتجه إلى المبالغة فى إصدار “الأصول المالية” وبما يؤدى إلى تآكلها من ناحية، ويحول دون توظيفها فى أصول عينية فى مناطق أخرى لتزيد من الطاقة الإنتاجية العالمية من ناحية أخرى.

ورغم كافة مشاكل العالم الثالث، فإن مستقبل العالم يتوقف ـ إلى حد بعيد ـ على قدرة هذا الجزء من العالم للإنضمام إلى الأسرة الإنتاجية، وذلك حتى لا يصبح هذا الجزء ـ وهو يمثل الكتلة السكانية الأكبر ـ خطراً على الإستقرار العالمى. ومن حسن الحظ دول الفائض المالى فى المنطقة العربية  أنهم جزء من المنطقة العربية، والتى حملت لواء تقدم البشرية لعصور طويلة ثم تخلفت عن الركب، وآن الأوان لنهضتها من جديد. وفى مثل هذه الظروف، فإن توظيف نسبة ـ متزايدة ـ من الفوائض المالية لدعم التنمية والتقدم الإقتصادى العربى، ليس فقط مسئولية قومية بل هو تأمين لمستقبل هذه الإستثمارات، إذا أحسن إختيار هذه الإستثمارات وبما يعود بالنفع على الدول المستقبلة للإستثمار والدول الخليجية المستثمرة.

وأخيراً، فإن ما قامت به دول الخليج من مساندة لمصر خلال أزمتها الأخيرة، قد يكون بداية لمشروع حضارى وتاريخى للنهوض الإقتصادى بالمنطقة العربية، على أن يبدأ ذلك بقصص نجاح محددة، بإختيار منطقة أو أكثر فى بعض الدول العربية، لإقامة “أقطاب إقتصادية” نموذجية، وبحيث تمثل نجاحاً فى شكل متكامل يمكن تعميمه بعد ذلك. ولابد أن تكون “البداية” مركزة، وأن تمثل نجاحاً ملموساً. وإذا نجحت التجربة فى مراحلها الأولى، فإن ذلك يمكن أن يمثل نموذجاً لسياسة عربية متكاملة لنهضة الأمة العربية فى مجموعها. قد يبدو هذا الأمر خيالياً، ولكن صناعة التاريخ تتطلب الكثير من الخيال والمغامرة المحسوبة. والله أعلم.

محاضرة القيت في جامعة الكوت

18/11/2014

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *