الديمقراطية… بأيدينا لا بيد عمرو

 

 

النزوع إلى الحرية والتحرر من القيود فطرة بشرية عامة لا تختص بها جماعة أو جنس بل هي إحدى خصائص البشر على تنوع ثقافاتهم وتاريخهم وظروفهم المادية أو النفسية. وتاريخ البشرية هو شهادة أو سجل لعمل الإنسان الدؤوب للتخلص من القيود والأغلال المفروضة عليه واحدة بعد الأخرى. ولكن الحرية لا تعني الفوضى، وإنما الحرية هي صنو للمسؤولية. فبقدر ما تمثل الحرية من حق للفرد، بقدر ما تفرض عليه واجباً في احترام حريات وحقوق الآخرين. فقيود الحرية هي من نفس طبيعة الحرية، وهي منبثقة منها. فالقيد على الحرية إنما ينبع من ضرورة احترام حريات الآخرين. فهذه القيود ليست في الحقيقة، سوى ضمانات الحرية ذاتها وليست عبئاً عليها. القيود على الحرية هي الضمان لحريات الآخرين. ولعل هذا ما يميز الديمقراطية الليبرالية عن الديمقراطية القديمة للإغريق. فالديمقراطية ليست مجرد حكم الأغلبية – رغم أنه أمر ضروري – ولكنها فضلاً عن ذلك هي احترام حقوق وحريات الآخرين. فحرية الفرد وحقوقه الأساسية لا يجوز المساس بها.

 

وإذا نظرنا إلى تاريخ الإنسان لوجدنا أنه، إلى حد بعيد، تاريخ التحرر من القيود المفروضة عليه. وأول وأقسى هذه القيود هي قيود الطبيعة والبيئة. فقد ولد الإنسان، في المجتمعات البدائية، وهو في تبعية كاملة للطبيعة، يعيش على ما تجود به عليه هذه الطبيعة من مأكل أو ملبس. فهو يعيش على اللقط والصيد، ويخضع خضوعاً شبه كامل للظروف الجوية ولنزوات الطبيعة وأهوائها. وكانت معركته الأولى هي محاولة التحرر من هذه القيود والعمل على تسخير هذه الطبيعة لاحتياجاته والعمل على التلاؤم معها. ومن هنا كانت الثورات الاقتصادية الكبرى في تاريخ البشرية. فمع “الثورة الزراعية” استطاع الإنسان أن يخفف من وطأة الطبيعة عليه وأصبح شريكاً لها، وذلك باستئناس النبات والحيوان وتسخيرهما لخدمته. فقد أصبح الإنسان هو الذي يختار المحاصيل ويربي الحيوان ويحصل على ثمراتهما وفقاً لإرادته. وهكذا تحقق مع الثورة الزراعية أول تحرر للإنسان من عبودية الطبيعة، وأصبح مشاركاً في تحديد مصيره وليس متطفلاً على ثمرات هذه الطبيعة. واستمر الإنسان في جهوده وإبداعاته التكنولوجية لتطوير الطبيعة والسيطرة عليها فقامت “الثورة الصناعية” بعد ما يقرب من عشرة آلاف سنة من ثورته الاقتصادية الأولى في الزراعة. وزاد الإنتاج كما عم العمران وانتشر الإنسان على كافة أرجاء المعمورة وزاد متوسط عمره وتحسنت ظروفه المعيشية. ولم يعد الإنسان مع هذه الثورة الصناعية مجرد شريك الطبيعية كما في الزراعة بل كاد يصبح سيداً لها بعد أن إختصر دور الطبيعة لمجرد مورد للمواد الأولية. وها نحن ندخل الموجة الثالثة أو “ثورة المعلومات والاتصالات” والتي يكاد يتحرر فيها الإنسان كلية من قيود الطبيعة لتصبح الغلبة للفكر والعلم والإبداع ويتراجع دور الموارد الطبيعية خطوات جديدة للوراء.

 

وهكذا نجد الإنسان في رحلته للتقدم التكنولوجي إنما يتقدم خطوات للتحرر من أعباء الطبيعة وقيودها. وهو في هذا التحرر إنما يخضع نفسه لظلم صارم من احترام قوانين العلم والمعرفة والتنظيم. فليس التحرر من قبضة الطبيعة رمية بلا رام أو مجرد تمرد غير مسؤول ضد الطبيعة، وإنما هو جهاد في سبيل معرفته قوانين الطبيعة وسبر أغوارها والتخلص من الخرافات والخزعبلات. وهو جهاد له تاريخ طويل من جهود البشرية لفك طلاسم قوانين الطبيعة ومعرفة أسرارها ثم استخدامها لما يحقق للإنسان مزيداً من السيطرة على الطبيعة وبالتالي مزيداً من الرخاء والحرية.

 

على أن جهود الإنسان للتحرر لم تقتصر على التحرر من أعباء الطبيعة وأغلالها، وإنما استمرت أيضاً على مسار مواز للتحرر من القيود الاجتماعية والسياسية التي فرضها العيش الجماعي في المجتمعات. فقد فرضت المجتمعات البشرية على الأفراد قيوداً أخرى إجتماعية وسياسية لا تقل قسوة عن قيود الطبيعة. فعرفت البشرية لأجيال طوال العبودية حيث إنقسمت إلى أغلبية ترسخ في قيود الرق والعبودية ولا تكاد تتمتع بأية حقوق إنسانية، وذلك في مواجهة أقلية تتحكم فيها. كذلك عرفت معظم الجماعات تميزاً عنصرياً أو طبقياً. فقد ظل الأجنبي ينظر إليه، في معظم المجتمعات، باعتباره بربرياً لا يستحق الحياة أو في الأقل عدواً ينبغي محاربته. وفي داخل المجتمع الواحد كانت هناك أقلية تتمتع بكل الحقوق، بل وتشبه بالآلهة أو بأبناء الآلهة، وأغلبية لا حقوق لها. وهكذا كان على الإنسان أن يبدأ رحلته للتحرر من هذه القيود الاجتماعية للاعتراف بحقوق الأفراد ومساواتهم أمام القانون والتخلص من كل أشكال التمييز. فلا يكفي التحرر من أعباء الطبيعة بل لا بد، أيضاً، من التحرر من أعباء وقيود المجتمع. بل أن التجربة قد أثبتت أن التحرر الاجتماعي والسياسي هو أساس التحرر التكنولوجي وزيادة سيطرة الإنسان على وسطه الطبيعي. وقد حقق الإنسان في رحلته لهذا التحرر خطوات هائلة. فألغى الرق بعد معارك طويلة وصلت إلى حد الحروب الأهلية – كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية – وتقنن هذا الوضع في معاهدات دولية منذ نهاية القرن التاسع عشر. وقبل ذلك بدأت المجتمعات تخفف من وطأة نظرتها للأجنبي. وكان القانون الروماني يميز في المعاملة بين مواطني روما ويخضعون للقانون الروماني، والأجانب ويخضعون لقانون الشعوب. ومنذ القرن الثالث الميلادي أصدر الإمبراطور كاركالا مرسوماً يمنح الجنسية الرومانية لكل شعوب الإمبراطورية. وبدأت الدعوة لحقوق الإنسان، باعتباره إنساناً، تفرض نفسها على مختلف المجتمعات. وفي الربع الأخير من القرن الثامن عشر قامت الثورة الأمريكية وأعلنت مبادىء حقوق الإنسان وبعدها بما يقرب من عقد قامت الثورة الفرنسية مبشرة بالديمقراطية وإعلان حقوق الإنسان والمواطن. وفي بداية القرن العشرين قامت الثورة البلشفية لتحرير الإنسان من التميز الاقتصادي والفروق الطبقية. وفي منتصف القرن العشرين أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان حقوق الإنسان بعد أن جاء ميثاق إنشاء الأمم المتحدة إستناداً إلى مبادىء الحرية وحقوق الإنسان.

 

وهكذا نجد أن الدعوة إلى الديمقراطية هي جزء من سياق عام لتطور البشرية، وليست إمتيازاً لبعض الشعوب، أو تعبيراً عن خصائص لبعض الحضارات. الديمقراطية ليست صفة أو خاصية أوروبية أو غربية بل هي مرحلة في مسيرة البشرية للتحرر وإطلاق طاقات الفرد والمجتمع الإبداعية. وهي فضلاً عن ذلك غاية ووسيلة في نفس الوقت. غاية لأن التحرر من القيود وتحقيق المساواة بين الأفراد هو نزعة وتطلع إنساني، لا فرق بين أبيض أو أسود أو بين مسيحي أو بوذي أو مسلم. ولكنها أيضاً وسيلة لأنه مع التحرر تزيد إمكانات الأفراد وتطلق مواهبهم للإبداع وتحقيق ذواتهم الإنسانية.

 

وفي هذه الأيام خرج علينا وزير الخارجية الأمريكي – ومن قبلها تناثرت الأقوال – بالدعوة إلى برنامج للمشاركة مع الدول العربية لنشر الديمقراطية، وكما لو كانت الديمقراطية سلعة غربية أو أمريكية – وليست حاجة إنسانية أصيلة – وبالتالي علينا استيرادها من الخارج. ولعل ما ساعد على ذلك هو أننا تأخرنا بالفعل في معظم دولنا العربية والإسلامية في مسيرة الديمقراطية. وقد استغل بعض الغلاة من المفكرين الغربيين هذا التردد في مسيرة الديمقراطية للإدعاء بأن الحضارة الإسلامية منذ نهاية القرن السابع عشر لم تعد قادرة على قبول الإصلاحات الاجتماعية الكبرى، ولا بد، بالتالي، من فرضها عليها من الخارج. فيذهب برنارد لويس في كتاب حديث له إلى القول بأن الغرب قد فرض على الدول الإسلامية إلغاء الرق وقبول فكرة المواطنة دون تمييز بين مسلم وذمي فضلاً عن منح المرأة حقوقها. وهو يدعي بالمثل أن الديمقراطية لن تتحقق في هذه الدول إلا بضغط من الغرب.

 

وكانت الثورة الفرنسية قد بدأت تنشر دعاوي الحرية والديمقراطية في ربوع أوروبا في بداية القرن التاسع عشر مع فتوحات نابليون في ممالك أوروبا المطلقة، ولكنها لم تلبث أن توقفت بعد أن نجح الحلف المقدس للملكيات التقليدية في مؤتمر فينا في وقف المد الثوري الديمقراطي وضمان استقرار نظم الحكم التقليدي في معظم الدول الأوروبية (باستثناء إنجلترا). وجاءت بداية القرن العشرين مبشرة بثورة جديدة للتحرر الاقتصادي بعد نجاح الثورة الإشتراكية في روسيا، ولكنها لم تلبث أن اعتمدت مبادىء ديكتاتورية البلورتياريا ثم نجحت الفاشية في إيطاليا في العشرينات والنازية في ألمانيا في الثلاثينات، وأصبح الحكم المطلق هو النمط الغالب في دول وسط وشرق أوروبا ولم يكد يفلت منه سوى إنجلترا وفرنسا والدول الإسكندنافية فضلاً عن الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد الحرب العالمية الثانية إقتسم العالم المعسكران الشيوعي والرأسمالي، الأول يأخذ بنظم الحزب الواحد والثاني بالتعددية السياسية. وعندما استقلت المستعمرات وخاصة في الستينات في إفريقيا وآسيا غلب عليها الأخذ بنُظم شمولية تستند إلى الحزب الواحد وقيادة الزعيم الملهم، أو القائد أو المعلم. ولم يفلت من هذا المصير في دول العالم النامي سوى الهند. وكانت دول أمريكا اللاتينية قد خضعت لموجات من الحكم العسكري والدكتاتوري. وبذلك غلب الانطباع بأن “الديمقراطية” استثناء خاص بالديمقارطيات الغربية. وبدا كما لو كان القرن العشرين هو قرن الدكتاتوريات. ومع ذلك فقد شاهد الربع الأخير من هذا القرن تحولاً مثيراً حيث تساقط معظم نظم الحكم الدكتاتوري، في أمريكا اللاتينية منذ منتصف السبعينات، وجاءت نهاية الثمانينات معلنة إنهيار النظم الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي ووسط وشرق أوروبا. حتى في إفريقيا – ورغم عدد من المآسي – فقد بدأت تعرف الطريق إلى صناديق الانتخابات الحرة وتداول السلطة. واتجهت هذه الدول واحدة بعد الأخرى إلى الأخذ بالديمقراطية والتعددية السياسية منذ التسعينات. وظلت المنطقة الوحيدة المعاندة لرياح التغيير هي المنطقة العربية وعدد من الدول الإسلامية في آسيا وآسيا الوسطى. فقل أن عرفت هذه المنطقة إنتخابات دون أن ترتفع الشكاوي حول نزاهتها وسلامتها، وعرف معظمها إستمرار الأحكام الإستثنائية والعرفية، وندر تداول السلطة. وظل الإعلام والصحافة قيد الرقابة وحرية الاجتماع محدودة ومقيدة. وبطبيعة الأحوال فقد اختلف الوضع فيها من مكان إلى آخر، فبعضها عرف انفتاحاً وحرية أكثر من البعض الآخر. ومع ذلك فقد كان الغالب في الأحوال هو أن الدول العربية والإسلامية هي أقل دول العالم أخذاً بالديمقراطية والتعددية السياسية. مما دعا بعض الأقلام في الغرب إلى الإدعاء بأن هذا التأخر في مسيرة الديمقراطية إنما يرجع إلى التناقض والتعارض بين مبادىء الديمقراطية والقيم الثقافية السائدة في الحضارة العربية والإسلامية، وأعيد إلى الأذهان مقولة ماركس عن “الاستبداد الشرقي”.

 

إن مسيرة الديمقراطية أمر حديث في تاريخ البشرية، وهي تقل عن ثلاثة قرون في إنجلترا – أم الديمقراطية – وأقل من قرنين في فرنسا تخللها إمبراطوريات فردية لنابليون الأول والثالث فضلاً عن حكومة فيشي الفاشية. وعمر الديمقراطية لا يزيد في ألمانيا واليابان على نصف قرن وقد فرضت بقوة الاحتلال بجيوش العدو المنتصر. أما الديمقراطية في روسيا فهي لا تزيد عن عقد من الزمان، وهناك تساؤل عن مدى تحررها من المافيا. وحتى الولايات المتحدة فإنها لم تعدم، ونحن في القرن الواحد والعشرين، من أن يعلن زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ منذ أسابيع، حنينه للتمييز العنصري والفصل بين البيض والسود!

 

وليس هذا تبريراً للتأخر في اللحاق بمسيرة الديمقراطية، وإنما هو تأكيد على أن النزوع إلى الحرية والديمقراطية – رغم أنه نزوع إنساني عام – ما زال بمقاييس التاريخ البشري تاريخ حديث. ومن الطبيعي أن تتقدم دول أو مجموعة من الدول، وأن تتأخر دولة أو مجموعة من الدول. وغير الطبيعي هو الإدعاء بأن هذا التقدم أو التأخر هو نتيجة لجذور ثقافية عميقة لا يمكن تغييرها. وفي نفس الوقت فإنه من غير المقبول لأية دولة –الآن – التنصل من واجباتها للحاق بالمسيرة والعمل بكل قوة وجهد لتأكيد الممارسات الديمقراطية.

 

لقد كانت مصر سباقة – بين دول العالم العربي والإسلامي- للدعوة إلى التنوير واللحاق بالعصر والأخذ بأسباب الديمقراطية. فكان رفاعة الطهطاوي أول من أشاد بالعربية بتعاليم الثورة الفرنسية وأدخل كلمة “الحرية” في القاموس السياسي العربي. وجاءت ثورة عرابي للمطالبة بالدستور والمساواة بين المواطنين ووضع القيود على سلطة الحاكم. وعرفت مصر منذ الستينات من القرن التاسع عشر أول جمعية تشريعية، وذلك قبل أن تولد ايطاليا أو ألمانيا الموحدة وبالتالي قبل معرفتهما بالحكم الدستوري. وقامت ثورة 1919 للمطالبة بالاستقلال والدستور، وصدر أول دستور لها عام 1923. وفي منتصف القرن العشرين، واجهت مصر – والأمة العربية – أخطر تحدي بقيام إسرائيل وهزيمتها العسكرية مما أدى إلى قيام ثورة يوليو رداً على هذه الهزيمة ولبناء اقتصاد سليم في جو عالمي غلب عليه الحرب الباردة وشيوع نظم الحكم للحزب الواحد. وبين الانخراط في أتون الصراع العربي/الإسرائيلي والانجذاب إلى الاشتراكية لبناء اقتصاد قوي ومتين، نسينا – أو تناسينا – الديمقراطية. وبعد خمسين عاماً وجدنا أوضاعنا في الصراع العربي/الإسرائيلي أكثر بؤساً مما كانت عليه يوم إنشاء دولة إسرائيل، وأوضاعنا الاقتصادية ليست بأفضل حالاً. فهل نعود من جديد لاستكمال مسيرتنا للديمقراطية والذي بدأناه منذ ما يقرب من قرنين؟ الجواب واضح لا يحتاج إلى بيان. ولعله لا يوجد أمر تجمع عليه كافة التيارات السياسية مثل الاتفاق على ضرورة دفع مسيرة الديمقراطية. وقد أعلنت مصر، أكثر من مرة، على لسان رئيسها، التصميم على السير بقدم ثابتة في هذا الاتجاه. ولكن شرط النجاح هو أن يكون ذلك بناءٍ مصرياً أصيلاً وليس مستورداً. فالديمقراطية حتى تكون لا بد أن تكون مصرية لحماً ودماً أو لا تكون. نعم للديمقراطية ولكن بأيدينا وليس بأيدي عمر أو كولن باول. والله أعلم،،

 

 الاهرام: 29 ديسمبر 2002

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *