الرأسمالية وأعمال الخير

ليس من المعروف عن الرأسمالية – وبالتالي اقتصاد السوق– الاهتمام كثيراً بالعواطف النبيلة أو إبراز مظاهر الرحمة أو الشفقة في العلاقات الإنسانية. فقوة اقتصاد السوق تظهر في كفاءة إدارة الموارد الاقتصادية بأكثر مما تنعكس في توثيق أواصر الرحمة بين الأفراد. وهذه الفكرة العامة عن الرأسمالية ليست خاطئة تماماً، ولكنها أيضاً ليست صحيحة كلية. فإذا كان من الصواب أن اقتصاد السوق يقوم على الدافع الشخصي، فلا يقل صواباً الاعتراف بأن الدافع الشخصي لا ينحصر في الرغبة في تحقيق الكسب المادي. فالرغبة في خدمة الآخرين وعمل الخير هي أيضاً طبيعة بشرية. فإذا كان الإنسان مجبولاً على حب نفسه، فإن حب الآخرين والعمل من أجلهم ليس غريباً عن الطبيعة البشرية. وبطبيعة الأحوال، فإن هذا الاستعداد الطبيعي للتراحم بين الناس يتأكد ويتعمق إذا توافرت البيئة الاجتماعية المناسبة. فالرغبة في عمل الخير تتأكد مع التربية السليمة وغلبة ثقافة العمل الاجتماعي والتطوعي. ومن هنا فإن العمل الخيري ليس مناقضاً أو منافياً لمنطق اقتصاد السوق، بل لعل الصحيح هو أن أعمال البر ونشاط المجتمع المدني التطوعي هي أكثر ظهوراً في المجتمعات الحرة. فعمل الخير بطبيعته مبادرة فردية تلقائية يزدهر في جو الحرية واحترام القيم الفردية. ويعتبر المجتمع الأمريكي مثالاً للجمع بين ثقافة تؤمن بالحرية والمنافسة بلا هوادة في الاقتصاد من ناحية، وبين العمل الخيري والتطوعي في النشاط الاجتماعي من ناحية أخرى.

وقد طيرت الأخبار منذ أيام نبأ تبرع ثاني أغنى أغنياء أمريكا – وارين بافيت Buffett– بما يمثّل 85% من ثروته أو ما يقدر بأكثر من 37 مليار دولار لأعمال الخير. ولا يعتبر تبرع بافيت ظاهرة استثنائية في تاريخ الرأسمالية الأمريكية بل أنه يأتي في سياق تقاليد عريقة ومستقرة لتبرع الأغنياء بثرواتهم لأعمال الخير من أمثال كارنجي، وجيتي، وفورد، وروكفلر وأخيراً بطبيعة الأحوال بيل جيتس. فالجامعات الأمريكية الخاصة مثلاً ليست شركات تجارية تسعى إلى الربح – كما هو الحال في بلادنا – بل هي مؤسسات لا تسعى إلى الربح وتعيش على المعونات والعطايا التي تقدم لها من فاعلي الخير وخاصة من خريجيها. فالتعليم بطبيعته ينبو عن مفهوم الربح أو الشركات الخاصة. ويتنوع نشاط المجتمع المدني التطوعي ويمتد إلى مختلف المجالات، من التعليم والبحث العلمي، إلى نشر مختلف الثقافات والفنون، إلى الدفاع عن حقوق الإنسان بل وحقوق الحيوان أيضاً، إلى حماية البيئة…إلخ.

وعندما زار ألكسي دو توكفيل أمريكا في الثلث الأول من القرن التاسع عشر كان أهم ما لاحظه ليس فقط عمق التقاليد الديمقراطية السياسية وإنما بوجه خاص قوة المجتمع المدني. فأهم ما يميز المجتمع الأمريكي هو التوافق والتوازن بين اقتصاد عفى للسوق من ناحية، وديمقراطية سياسية نشطة من ناحية ثانية، ومجتمع مدني فعال من ناحية ثالثة. وهذا التقابل بين هذه القوى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية هو ما يعطي للمجتمع الأمريكي حيويته. ولا يمنع هذا التقابل بين هذه القوى المختلفة أن يشتط أحدها على حساب الآخرين لفترة قد يختل خلالها التوازن لكي يعود من جديد بفعل قوى المجتمع المناوئة.

وعندما نشر آدم سميث كتابه عن “ثروة الأمم” في عام 1776، فقد خصص الجزء الأكبر منه للدفاع عن الاقتصاد الحر ومزايا اقتصاد السوق وتقسيم العمل، مشيراً إلى أهمية الدافع الشخصي وتأثيره على ازدهار الأمم. فعنده أن الدافع الشخصي والمصلحة الخاصة هي ما يحفز الأفراد على الإبداع وزيادة الكفاءة في الإنتاج وتقليل التكاليف، وأن هذا لابد وأن ينعكس على زيادة الرخاء وزيادة ثروات الأمم، وبالتالي تحقيق الخير العام. ومن هنا جاءت مقولة سميث الشهيرة عن “اليد الخفية”. فعند آدم سميث أن الرأسمالي في سعيه إلى زيادة أرباحه وتوسيع مبيعاته وتخفيض تكاليفه إنما يحقق في نفس الوقت الصالح العام بتوفير الرخاء ونمو الاقتصاد القومي. فالرأسمالي وهو يسعى لتحقيق مصالحه الخاصة، فإنه يعمل – دون أن يدري – في سبيل المصلحة العامة. وهذه هي فكرة “اليد الخفية” عند آدم سميث. ولكن دور الرأسماليين – والأغنياء بصفة عامة – في خدمة المصلحة العامة لا يجب أن يتوقف عند هذا الأسلوب غير المباشر، بل أن عليهم واجباً – أخلاقياً – للمساهمة في العمل العام بشكل مباشر وصريح. وهم في هذا يحققون ذواتهم ويستجيبون لبواعثهم الشخصية. فليس هناك تناقض أو تعارض بين النجاح المالي وتكوين الثروات من ناحية، وبين النجاح الاجتماعي والريادة في مجال العمل التطوعي والخيري من ناحية أخرى. في الحالين يرضي الشخص غروره ويعلي من قدره ويحقق ذاته. فعند العديد من رجال الأعمال النجاح المالي وتحقيق المكاسب المالية ليس هدفاً في ذاته بقدر ما هو مؤشر على النجاح والفوز. فالأمر هنا أشبه بمباراة أو مسابقة الهدف منها تحقيق المركز الأول. فما يغري المتسابق المشارك في مسابقة ليس مجرد الحصول على الجائزة التي قد لا تعدو أن تكون قدحاً (كأس) أو شهادة أو درعاً، وإنما المقصود هو فكرة الفوز والنجاح في ذاتها. ولذلك فإنه من التقاليد المستقرة في عديد من البلدان – وفي مقدمتها الولايات المتحدة – أن يوصي الثري أو رجل الأعمال بجزء من ثروته – إن لم يكن معظمها – لإنشاء مؤسسات خيرية أو التبرع بها لأغراض البر والخير. فالرغبة في النجاح في عالم الأعمال لا يداينها في الأهمية عند هؤلاء سوى الرغبة في النجاح في عالم الخدمة العامة. ويعتبر بيل جيتس مؤسس شركة ميكروسوفت أحد أهم هذه النماذج. فهو يعمل بحماس منقطع النظير لكسب الأموال، لكي ينفقها بنفس الحماس على أعمال الخير، ليس في بلده وحدها بل على مستوى العالم أيضاً. فتحقيق الذات والنجاح في الحياة لا يتحقق فقط بتجميع الأموال واكتنازها، وإنما أيضاً بأداء رسالة اجتماعية والريادة في أعمال الخير. فهؤلاء أفراد يعترفون بأنهم يدينون بنجاحهم إلى المجتمعات التي عاشوا فيها، ولذلك وجب عليهم سداد هذا الدين عن طريق العطاء لأعمال الخير. هناك كسب من جانب وعطاء من جانب آخر.

والجديد بالنسبة لتبرع الملياردير بافت ليس فقط في حجم تبرعه الكبير (37 مليار دولار) أو ارتفاع نسبته من ثروته (85%)، وإنما في قراره في  توجيه الجزء الأكبر من التبرع لمؤسسة خيرية أخرى – مؤسسة بيل جيتس – بدلاً من أن ينشئ مؤسسة جديدة باسمه. فالغالب على تبرعات هؤلاء الموسرين هي أن تتم بإنشاء مؤسسات تحمل أسمائهم وبالتالي تخلد ذكراهم على نحو أو آخر. أما عند بافت فإن الرغبة في العطاء قد تجاوزت مرحلة النرجسية وحب الذات، فهو لم يرغب في إضافة مؤسسة جديدة تحمل اسمه، وإنما اختار مؤسسة قائمة ناجحة لمنحها التبرع. فالاعتبار الأساسي عنده هو كفاءة الإدارة وليس تخليد اسمه. واختيار مؤسسة بيل جيتس لا يخلو من دلالة. فهو ليس فقط أغنى الأغنياء بل أنه كون ثروته من خلال معرفته بأسرار الاقتصاد الجديد (اقتصاد المعلومات)، وبالتالي يبدو أن إدارته المالية لمؤسسته الخيرية تتميّز بالكفاءة أيضاً.

وقد أصبح اسم “بيل جيتس” أسطورة للنجاح. فهو ليس مجرد شاب عصامي أصبح أغنى رجل في العالم، ولكنه أصبح أيضاً رائداً في الخدمة العامة بتخصيص الجزء الأكبر من ثروته لأعمال الخير. ويرتبط نجاح بيل جيتس بما حققه في عالم البرمجيات والكمبيوتر بشكل عام، ومع ذلك فإن ما حققه من نجاح في هذا الميدان إنما يرجع لعبقريته في التخطيط الاستراتيجي لشركته وفي المفاوضات مع الأطراف الأخرى، بأكثر مما يرجع إلى اختراق فذ حققه في المجال التكنولوجي أو في البحث العلمي. فعندما أرادت شركة IBM التوسع في إنتاج الحاسبات الشخصية PC في عام 1980 فقد قامت بالاتصال بشركة صغيرة للبرمجيات اسمها “ميكروسوفت”، ويديرها بيل جيتس وصديقه بول آلن، وذلك بغرض تصميم نظام للتشغيل لهذه الحاسبات الشخصية. ونظراً لأن بيل جيتس نفسه لم يكن متخصصاً في هذا المجال فقد اقترح عليهم الاتصال بشخص آخر (جاري كيلدال Kildal) لأنه أكثر خبرة منه في الموضوع. ولكن هذا الأخير كان قليل الثقة بالشركات الكبرى فعاملهم بغلظة، مما دفع شركة IBM إلى العودة إلى بيل جيتس وتكليفه القيام بالمهمة لحسابها. وظهرت مهارة بيل جيتس في التفاوض مع تلك الشركة العملاقة حين أصرّ على أن يحتفظ لشركته الصغيرة بحقوق الملكية للبرامج التي يصممها لها، ووافقت الشركة. وكانت “ضربة معلم”، حيث نما سوق البرمجيات بإضعاف معدلات نمو سوق أجهزة الكمبيوتر نفسها. فقد توسعت أسواق البرمجيات بشكل هائل بحيث أصبحت معه قيمة شركة ميكروسوفت في الأسواق المالية ضعف قيمة شركة IBM (280 مليار دولار مقابل 140 مليار).

وإذا كان بيل جيتس قد أصبح أسطورة للجمع بين النجاح المالي في الصناعة وللعطاء في الخدمة العامة، فإن جزءاً من تبرعاته لا يخلو أيضاً من معنى الاستثمار الاقتصادي على المدى البعيد. فإلى جانب ما يقدمه من تبرعات للأهداف الإنسانية العامة، فإن ما يقدمه لتطوير ومساعدة البحث العلمي بوجه خاص يمكن أن يساعد في المدى البعيد على مزيد من الازدهار في صناعة الكمبيوتر والبرمجيات. فرغم أنه كان طالباً في جامعة هارفارد – وتركها دون شهادة – فإنه لم يقصر تبرعاته عليها بل توسع في تقديم المنح للجامعات ومعاهد البحوث الأخرى وخاصة جامعة ستانفورد لما لها من دور ملموس في تطوير صناعة الكمبيوتر والبرمجيات والإنترنت. وهكذا تساعد تبرعاته على تحسين ظروف الإنتاج والتطوير في الصناعة التي يعمل بها. وبذلك تتداخل اعتبارات المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة، فللتبرعات أيضاً جانب اقتصادي.

ونخلص من ذلك إلى أن اقتصاد السوق وحده لا يكفي، بل لابد أن يقوم إلى جواره مجتمع مدني قوي يعمل من أجل خدمة الآخرين. فإذا كانت حسابات الكسب والخسارة ضرورة لتحقيق الكفاءة الاقتصادية، فإن العمل الخيري والتطوعي لازم لجعل الحياة أكثر إنسانية بل وغالباً أكثر كفاءة أيضاً. ونجاح المجتمع المدني رهن بتوفير التمويل له، الأمر الذي لا يمكن أن يتحقق عن غير طريق التبرع والمساهمة الطوعية.

وإذا كان لرجال الأعمال والموسرين من دور في العمل الخيري فذلك يتطلب توافر مناخ قانوني وأخلاقي مناسب. وقد لعب نظام الوقف الخيري دوراً رئيسياً في التشجيع على العمل الخيري في تاريخنا القديم والحديث. ويكفي أن نتذكر أن معظم دور العلم استندت في الماضي إلى أوقاف خيرية. فقد رصدت الأوقاف للمدارس والمعاهد والمستشفيات، كما بدأت الجامعة المصرية بتبرعات من بعض الموسرين المصريين وبنات الأسرة المالكة السابقة. وكان القانون المدني عندما وضعه السنهوري باشا قد أفرد مجالاً “للمؤسسات” إلى جانب الشركات والجمعيات. وجاء قانون الجمعيات الأهلية وألغى من الناحية العملية مفهوم “المؤسسة”، وأخضعها مع الجمعيات لرقابة إدارية وبيروقراطية من وزارة الشؤون الاجتماعية.

العمل الخيري يحتاج إلى إطار قانوني سليم.  وإلى جانب الحاجة لإحياء هذه المفاهيم القانونية الأساسية، فإن الحوافز الضريبية يمكن أن تساهم أيضاً في دعم النشاط الخيري.

اقتصاد السوق ليس بالضرورة استغلالاً أو فساداً.   والله أعلم

الأهرام 9 يوليو 2006

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *