الرحلة الطويلة لمفهوم الحرية وصولاً إلى الديمقراطية

يعتبر مفهوم “الحرية” في منطقتنا العربية والإسلامية مفهوماً حديثاً إلى حد كبير. فعندما عاد رفاعة الطهطاوي من بعثته في فرنسا في أوائل القرن التاسع عشر وجد صعوبة في ترجمة لفظ Liberté في الدستور الفرنسي، واختار لفظ “الحرية” على الرغم أن المفهوم السائد حينذاك عن الاصطلاح كان يتعلق بالتفرقة بين الإنسان الحر والعبد. فالحر هو نقيض العبد أو الرقيق. والحرية في هذا المعنى كانت تشير إلى الوضع القانوني للإنسان، هل هو حر أم عبد؟ وعندما كانت تثار مسألة الحرية والاختيار في قضايا السلوك، فإنها كانت تأتي في سياق موقف الإنسان من الخالق، وهل هو “مخيّر أم مسيّر؟” أما العلاقة بين الفرد والمجتمع فإنها لم تطرح في شكل قضية حرية الفرد في مواجهة الحاكم، وإنما كانت القضية المطروحة في هذا الصدد، هي قضية “العدل” فالحاكم لابد من أن يكون عادلاً. وهكذا غلبت قضية “العدل” على قضية “الحرية” في الفكر الإسلامي وتحديداً في علاقة الفرد بالمجتمع أو بالحاكم. “العدل أساس الملك”، هذا هو أساس الحكم الصالح في الإسلام. والحاكم المستبد هو الحاكم الذي يخالف أحكام الشرع أو يخرج على العدل والمساواة في معاملة الناس.فـ”العدل” في هذا المعنى هو أقرب إلى معنى “دولة القانون”، وحيث يخضع كل من الحاكم والمحكوم لقانون واحد هو الشرع. وفي هذا المعنى يقترب مفهوم “العدل” من المفاهيم الحديثة للحرية الليبرالية؛ حيث يخضع كل من الحاكم والمحكوم للقواعد القانونية نفسها.

وإذا كان مفهومنا للحرية – بهذا الشكل – ينطلق من فكرة “العدل” فإن التراث الإغريقي الذي قدم للإنسانية اصطلاح “الديمقراطية”، أخذ مفهوماً آخر للحرية بمعنى المشاركة في الحياة السياسية باختيار الحكام أو المشاركة في القرارات السياسية (الديمقراطية المباشرة). وهكذا كانت الحرية عند الإغريق تعني مشاركة المواطنين في اتخاذ القرارات السياسية، وكان الحكام في أثينا يختارون بالانتخاب أو بالقرعة مم يعطي الجميع فرصاً متساوية في اختيار الحكام. وهكذا ارتبط مفهوم الحرية بالديمقراطية في المدن الإغريقية، وأصبحت الحرية مفهوماً سياسياً لنظام الحكم وكيفية اختيار الحكام واتخاذ القرارات.

على أن “الحرية” لم تتوقف عند هذا المفهوم لنظم الحكم وأسلوب اختيار الحكام، حيث لحق هذا المفهوم تطور هائل من المدرسة الليبرالية، خصوصاً مع جون لوك في القرن السابع عشر. فالحرية في هذا المفهوم هي حرية الفرد، وهي الاعتراف له بمجال خاص لا يجوز التعدي عليه أو التدخل فيه. فالحرية هنا هي الاعتراف للفرد بحقوق طبيعية أو أساسية لا يجوز التعدي عليها ولو بموافقة الأكثرية. للفرد الحق في الحياة، في العقيدة، في التعبير، في الاجتماع، في الملكية، في التعاقد. وهكذا لم يبق للحرية مفهوم إجرائي لاختيار الحكام، أو لأسلوب اتخاذ القرارات السياسية، بل أصبح للحرية مضمون حقوقي قانوني هو الاعتراف بالحقوق الأساسية للإنسان باعتباره إنساناً. وهذا هو المفهوم الليبرالي للحرية.

قد يبدو غريباً أن من أوائل من قدم هذا المفهوم لحقوق الفرد الطبيعية هو الفيلسوف الإنجليزي هوبز T. Hobbes. فالمعروف أن هوبز دافع عن الحكم المطلق، لكنه بدأ تحليله من منطلق الاعتراف بالحقوق الطبيعية للإنسان باعتباره إنساناً، وأنه لا يجوز التعرض له في ممارسته لهذه الحقوق. ومع ذلك انتهى هوبز إلى تبرير الحكم المطلق، فعنده أن الأفراد، وهم يتمتعون بهذه الحقوق الطبيعية، كانوا يعيشون قبل ظهور المجتمع في حال فطرة ووحشية من دون نظام اجتماعي ما يهدد هذه الحقوق. وقد قبل الأفراد التنازل عن بعض حقوقهم الطبيعية والعيش في المجتمع في مقابل حماية بقية حقوقهم. فأساس المجتمع هو حماية حقوق الأفراد، ولا يجوز للأفراد الخروج على المجتمع والثورة عليه لأن في ذلك عودة إلى حياة الوحشية. فالحكم المطلق أمر مقبول عند هوبز لأن البديل هو حياة الوحشية أو الفوضى. وبذلك انتهى هوبز إلى هذه النتيجة الغريبة، وهي قبول الحكم المطلق، على الرغم من أنه بدأ من منطلق حماية حقوق الأفراد الطبيعية. والسبب في ذلك هو أن الثورة على الحكم المطلق تهدد بالوقوع في فخ الفوضى، وفيها قضاء تام على كل الحقوق والحريات. فالحكم المطلق خير من الوحشية. أما جون لوك، وهو الأب الروحي لمفهوم الحرية الليبرالية، فقد رأى، على العكس من هوبز، أنه لابد من مقاومة الحكم الاستبدادي ولا يوجد أي مبرر لقبول الاستبداد. فالبديل للحاكم المستبد ليس الرجوع إلى الوحشية والفوضى وإنما هو استبدال الحاكم المستبد بآخر دستوري. وهكذا الحرية عند لوك حرية دستورية.

الدستور يضمن احترام الحريات والحقوق وهو يحكم كلاً من الحاكم والمحكومين، والحاكم غير الدستوري الذي يخل بشروط الاتفاق ينبغي استبداله بحكم آخر دستوري. وهكذا انتهى لوك، بخلاف هوبز، إلى تأييد الحكم الدستوري ورفض مقولة هوبز عن الحكم المطلق. ودافع على العكس عن الحكم الدستوري. وبذلك تعود الرابطة بين هذا المفهوم الجديد للحرية الليبرالية وبين نظم الحكم. فالحرية لم تعد تتطلب الاعتراف بحقوق الأفراد وحرياتهم فقط، إنما لابد فوق هذا من أن يضمن نظام الحكم احترام الحاكم لهذه الحقوق التي يضمنها الدستور، ويجب تغييره إذا أخل بذلك.

ولعله من المناسب هنا إجراء مقارنة بين تطور هذا الفكر الغربي حول الاستبداد وبين الفكر الغالب لدى العلماء الملسمين. فقد رأينا أن علماء المسلمين، وإن لم يستخدموا اصطلاح “الحرية” لتحديد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، استخدموا مفهوماً مقابلاً لـ”العدل”، وأن الحاكم الذي يخرج على العدل يصبح حاكماً مستبداً، وهو أبغض الأشياء. ولكن موقفهم من الحاكم المستبد لم يكن قاطعاً، حيث أنهم ارتبطوا بمبدأ آخر وهو “طاعة ولي الأمر“. فباستثناء الخوارج، فإن جمهور الفقهاء كان يرى مع ذلك ضرورة طاعة ولي الأمر، إلا في ما يخالف فيه أحكام الشرع. ولكنهم كانوا – بصفة عامة – ضد الخروج على ولي الأمر. وقد يكون السبب في هذا الموقف هو خشية علماء المسلمين من الفوضى أو الفتنة. فأقسى ما يمكن أن يتعرض له المجتمع هو موقف يكاد يشابه موقف هوبز، حيث يرى أن نقيض الاستبداد هو الفوضى وحال الوحشية، التي تقابل عند جمهور المسلمين “الفتنة“، وليس هناك أشد ضرراً منها. ويمكن القول بشيء من المبالغة أن الفكر السياسي في الإسلام توقف عند موقف أقرب إلى هوبز عندما رأى أن خطر الفتنة أكبر من خطر الاستبداد.

ويتضح مما تقدم أن مفهوم”الحرية” لم يكن واحداً في كل العصور أو في كل المجتمعات. ولذلك نجد بنجامين كونستانت يميز في بداية القرن التاسع عشر (1918) بين ما يطلق عليه الحرية “بالمعنى القديم” وبين “المفهوم الحديث” للحرية. فالحرية بالمعنى القديم – السائد في المدن الإغريقية ثم في المدن الإيطالية في العصور الوسطى – تشير إلى الحق في المشاركة في الحياة السياسية (الديمقراطية)، في حين أن المفهوم الحديث يعني الاعتراف للفرد بمجال خاص يتمتع فيه بالاستقلال ولا يخضع فيه لغير القانون، فهو اعتراف للفرد بحقوق وحريات لا يجوز المساس بها ولا باسم الأكثرية (الليبرالية).

وكما ميّز كونستانت بين الحرية القديمة والحديثة في القرن التاسع عشر، فقد جاء إيزيا برلين Isaiah Berlin بتفرقة جديدة في القرن العشرين، حيث ميّز بين ما سماه “الحرية السلبية” و”الحرية الإيجابية”. فأما الحرية السلبية عنده فهي تقابل مفهوم الحرية الحديث عند كونستانت بمعنى عدم التدخل أو الاعتداء على حقوق الأفراد وحرياتهم. ويأتي مفهوم “الحرية الإيجابية” مطالباً، على العكس، بتدخل الدولة أو المجتمع لتمكين الأفراد من ممارسة حقوقهم. فالحريات لا يمكن الانتفاع بها إذا لم يتوافر للفرد مستوى اقتصادي يسمح له بالعيش، أو إذا لم تتوافر الخدمات الأساسية في التعليم والصحة والخدمات العامة. فأي معنى لحرية التعبير أو الرأي إذا كان الفرد عاطلاً من العمل لا يجد قوته، أو إذا كان جاهلاً أو مريضاً؟ وهذا هو في شكل عام النقد الماركسي لمفهوم الحريات البورجوازية.

ويظهر من هذا الاستعراض، أننا عندما نتحدث عن الحرية فإننا قد نقصد أموراً مختلفة. ويمكن تلخيص هذه المفاهيم المتعددة تحت ثلاثة مفاهيم. هناك ما يمكن أن نطلق عليه “الحرية الجمهورية“، وهي تتطلب المشاركة في الحياة السياسية واختيار الحكام ومسئولياتهم. وهي تقابل المفهوم المستقر للديمقراطية السياسية. وهذه تجد جذورها في الديمقراطيات الإغريقية أو ما أطلق عليها كونستانت الحرية بالمفهوم القديم. وهناك من ناحية ثانية “الحرية الليبرالية” وهي تشير إلى الاعتراف بحقوق وحريات أساسية للأفراد ولا يجوز الاعتداء عليها أو التعرض لها. وهي تقابل المفهوم الحديث للحرية عند كونستانت أو الحرية السلبية عند برلين، وهي أيضاً ما يقابل ما يعرف حديثاً بـ”حقوق الإنسان” الأساسية كما صدر عن منظمات الأمم المتحدة في وثائقها المتعددة.

وأخيراً هناك ما يمكن أن نطلق عليه “الحرية المثالية” أو الحريات الاقتصادية والاجتماعية، حيث يتعلق الأمر بضرورة تمكين الفرد من ممارسة حرياته، بتوفير حد أدنى من المستوى الاقتصادي وتقديم الخدمات الأساسية في التعليم والصحة والخدمات العامة.

والسؤال الذي يطرح نفسه بعد هذه الاستعراض، هل الديمقراطية بالمعنى المتعارف عليه من انتخابات وأحزاب، وبرلمانات تكفي لتحقيق الحرية؟

هذا سؤال كبير، وربما يحتاج إلى تحليل طويل. ولكن الإجابة السريعة هي: لا.

ليس من الضروري أن تحقق الديمقراطية – بمعنى المشاركة السياسية بمختلف مظاهرها – الحرة الفردية كما يفهمها الليبراليون. وكان دي توكفيل De Toqueville الفرنسي والذي زار الولايات المتحدة الأمريكية في الثلث الأول من القرن التاسع عشر وأخرج كتابه عن “الديمقراطية في أمريكا”، لاحظ عمق التقاليد الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية. فلا يقتصر الأمر على المشاركة السياسية على المستوى الفيدرالي أو مستوى الولاية بل حتى على مستوى الحي أو الشارع. ولكنه أشار في ذلك الوقت إلى أن عمق الديمقراطية الأمريكية لا يحول دون إمكان تعرضها للحرية. فالديمقراطية ليست، دائماً، ضماناً للحرية، وخصوصاً عندما يظهر خطر استبداد الأكثرية. فعند الخطر قد يؤدي غريزة الخوف بالأكثرية إلى فرض قيود على الحقوق والحريات بما يحد من الحرية كما يفهمها الفكر الليبرالي. وقد عرفت الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخها الحديث بل والمعاصر أمثلة لذلك. ففي الخمسينات، وتحت خطر التوسع الشيوعي، قامت في الولايات المتحدة هستيريا المكارثية لتعقيب الشيوعيين أو أنصار وعملاء الاتحاد السوفييتي. خلقت هذه الموجة مناخاً من الخوف والإرهاب الفكري لدى المثقفين بما يمثل اعتداء صارخاً على الحريات الفردية. والآن بعد 11 أيلول (سبتمبر) وفي ظل غريزة الخوف نفسها بدأت الولايات المتحدة الأمريكية إصدار الكثير من القوانين المقيدة للحريات وأحياناً منطوية على بعض التمييز العنصري. وكل ذلك تم من خلال آليات أدوات الديمقراطية والمشاركة السياسية ليست، دائماً، ضماناً لاحترام الحقوق والحريات، بل إنها تصبح، أحياناً، خطراً على هذه الحقوق والحريات عندما تضفي على الاعتداء عليها نوعاً من الشرعية، مع موافقة الأكثرية.

وهكذا يتضح أن الديمقراطية أو “الحرية الجمهورية” وجدها لا تكفي لحماية الحقوق والحريات، بل لابد من أن يصاحبها أو يسبقها توفير “الحرية الليبرالية” ودول القانون واحترام الحقوق الأساسية للأفراد. احترام حقوق الإنسان أو “الحرية الليبرالية” تؤدي إلى الديمقراطية، ولكن العكس ليس صحيحاً.    والله أعلم

 الحياة: 7.5.2003

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *