الرقابة على دستورية القوانين فى مشروع الدستور

 

للمرة الثانية أعود لموضوع الرقابة المسبقة على دستورية القوانين. وكنت قد نشرت فى جريدة الأهرام بتاريخ 3 سبتمبر من هذا العام مقالاً بعنوان “الرقابة الدستورية السابقة أم اللاحقة؟ ” وقد إنهيت ذلك المقال بالقول بأن “الحديث عن إستبدال الرقابة المسبقة بالرقابة اللاحقة لدستورية القوانين من جانب المحكمة الدستورية العليا، ليس مجرد تغيير زمنى فى لحظة الحكم على دستورية القانون، بل تنطوى على إلغاء حقوق المواطن فى الطعن أمام القضاء بعدم دستورية أحد القوانين لعيوب خفية لم تتضح بشكل كامل إلا مع الممارسة وخلال حياة القانون ولم تكن ظاهرة لحظة إصداره. كذلك فإن قصر دور المحكمة الدستورية العليا على فحص دستورية القوانين مسبقاً، هو إلغاء الصفة القضائية عنها لتصبح مجرد أداة للصياغة الفنية.”

والآن أعود إلى نفس الموضوع، لخطورته، وذلك بعد إنتهاء الجمعية التأسيسية من إعداد مشروع الدستور وقرار رئيس الجمهورية بطرحه على الإستفتاء العام. فالأمر لم يعد مناقشة نظرية لإحتمالات ممكنة، وإنما نحن بصدد مشروع للدستور معروض على الشعب للإستفتاء. ويتضمن المشروع المعروض تبنى مفهوم الرقابة السابقة على دستورية القوانين فى إطار محدد، والمفهوم هو الإستمرار فى الأخذ بالرقابة الدستورية اللاحقة خارج هذا الإطار. فما هو الإقتراح الوارد فى مشروع الدستور المعروض على الإستفتاء فى هذا الصدد؟

تنص المادة 177 من مشروع الدستور المقترح على أن “يعرض رئيس الجمهورية أو مجلس النواب مشروعات القوانين المنظمة لمباشرة الحقوق السياسية والإنتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية على المحكمة الدستورية العليا قبل إصدارها، لتقرير مدى مطابقتها للدستور وتصدر قرارها فى هذا الشان خلال خمسة وأربعون يوماً من تاريخ عرض الأمر عليها، وإلا عد عدم إصدارها للقرار إجازة للنصوص المقترحة. فإذا قررت المحكمة عدم مطابقة نص أو أكثر لأحكام الدستور وجب أعمال مقتضاها. ولا نخضع القوانين المشار إليها فى الفقرة الأولى للرقابة اللاحقةالمنصوص عليها.”

ولكن هذا النص الذى يحصر إختصاصات المحكمة الدستورية العليا على الرقابة المسبقة لا يمثل المبدأ العام فى إختصاص هذه المحكمة وفقاً لمشروع الدستور وإنما هو إستثناء على الإختصاص فى الأصيل للمحكمة الدستورية والذى أورده هذا المشروع فى المادة 175. فماذا تقول هذه المادة؟

“المحكمة الدستورية العليا جهة قضائية مستقلة، مقرها مدينة القاهرة، تختص دون غيرها بالفصل فى دستورية القوانين واللوائح. ويحدد القانون إختصاصاتها الأخرى وينظم الإجراءات التى تتبع أمامها.”

فما هى دلالة هاذين النصين؟

المعنى واضح، وهو أن واضعى مشروع الدستور يرون أن الرقابة على دستورية القوانين هى حق أساسى للمواطن، وأن المحكمة الدستورية هى الجهة القضائية الوحيدة المختصة بالفصل فى دستورية القوانين. وقد تقرر هذا المبدأ العام فى الرقابة اللاحقة على دستورية لكل مواطن ودون أى قيد زمنى فى المادة 175 من مشروع الدستور المعروض على الإستفتاء. ولكن المادة 177 من نفس المشروع تضع إستثناء على هذا المبدأ العام من ناحيتين، وذلك فى مجال محدد وهو ” القوانين المنظمة لمباشرة الحقوق السياسية والإنتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية” فهذه القوانين تستثنى من المبدأ العام المقرر فى المادة 175، وتقتصر فيها الرقابة على الرقابة الدستورية المسبقة. كذلك فإن المحكمة الدستورية مقيدة هنا أيضاً بقيد زمنى لإصدار رأيها وهو خمسة وأربعون يوماً، فإذا لم يصدر منها قرار أعتبر ذلك إجازة للمشروع.

ومعنى ما تقدم أن المشرع الدستورى (الجمعية التأسيسية) يعترف بحق المواطن، أى مواطن، فى المنازعة أمام القضاء (المحكمة الدستورية العليا) بعدم دستورية أى من القوانين السائدة، وذلك فى أى وقت دون أى قيد زمنى. ولكن يستثنى عن ذلك فقط القوانين المتعلقة بالحقوق السياسية والإنتخابات، فهذه القوانين لا تخضع للرقابة اللاحقة، وتعرض على المحكمة الدستورية مسبقاً وقبل صدور الحكم لإبداء رأيها فى دستوريتها خلال خمسة وأربعون يوماً، وبعدها تصبح محصنة.

وهذا الموقف من المشرع الدستورى يبدو غريباً. فمن ناحية يعترف المشرع بأن المنازعة فى دستورية القوانين فى أى وقت هى حق مشروع لأى مواطن، وأن لهذا الفرد أن يلجأ إلى القضاء بما فى ذلك المحكمة الدستورية العليا للنظر فى منازعته. ومع ذلك فإذا تعلق الأمر بحقوق الفرد السياسية أو بالإنتخابات، فإن المواطن يفقد هذا الحق إكتفاء بعرض النصوص مسبقاً على المحكمة وإبدائها الرأى فيه. وقد كان المشرع موفقاً عندما عبر عن حكم المحكمة فى هذا الشأن بأنه “قرار” وليس “حكماً” فى منازعة. وهكذا يعترف الدستور المقترح بحق المواطنين فى المنازعة فى دستورية كافة القوانين وفى أى وقت أمام المحكمة الدستورية العليا، ويحرمهم فقط من هذا الحق، إذا تعلق الأمر “بالحقوق السياسية والإنتخابات”. فهذه القوانين ليست معرضة للمنازعة فيها بمخالفتها للدستور، إكتفاء بمراجعة صياغتها والتأكد من عدم وجود مخالفات قبل إصدار القانون، وخلال مدة لا تتجاوز خمسة وأربعون يوماً.

الحق فى منازعة القوانين لمخالفتها الدستورية متاح للأفراد فى كل وقت، ولكنه ممنوع عليهم فى حالة الحقوق السياسية والإنتخابات!

والسؤال؟ لمصلحة من هذه التفرقة فى المعاملةبين الرقابةعلى دستورية القوانين وتمييز القوانين المتعلقة بالحقوق السياسية والإنتخابات بقيود أشد سواء من ناحية المتظلم أو من ناحية التوقيت. أفهم أننا ـ فى هذه المرحلة ـ نتكلم كثيراً عن الديمقراطية وحقوق المواطن، فهل يتحقق ذلك بتقييد الرقابة الدستورية على القوانين المتعلقة بالحقوق السياسية والإنتخابات وحرمان الأفراد منها؟ الإجابة لن تخفى على أى عاقل. والله أعلم

الشروق 5 ديسمبر 2012

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *