الرموز فى حياة البشر

 

الإنسان كائن عجيب لا مثيل له. وقد تعددت الأوصاف التى تعبر عن تميزه عن غيره من الكائنات. فهناك من قال أن الإنسان هو “حيوان ناطق”، وهناك من ذهب إلى أنه بالأساس “مفكر” أو ذو ضمير أخلاقى. ولكن الفكر وكذا الوعى الأخلاقى لا يولدا فى الفراغ، ولابد لهما من وسائل أو رموز لحملهما. وأود فى هذا المقال الإشارة إلى أهمية “الرموز” فى تطور الحياة البشرية.

ولعل المظهر الأول لهذه الرموز هو ظهور اللغة. وقد كانت اللغة هى أخطر الأشكال لتمييز الإنسان عن غيره من الكائنات. فبدون لغة لا يمكن أن يظهر الفكر. فالفكر والمعانى لابد وأن تتطور فى أشكال محددة ومتعارف عليها. فما هى “اللغة”؟ أليست اللغة هى رموز صوتية للتعبير عن المعانى والأحاسيس. وهى لا تظهر وتتحول إلى قيم إجتماعية، إلا إذا أمكن التعبير عنها فى شكل رموز صوتية متفق عليها، وهكذا ظهرت اللغة. وبدون لغة لا يوجد فكر. ومع ظهور اللغة بدأت الإنسانية فى التقدم وبناء الحضارات. وكانت الخطوة التالية هى ظهور الكتابة، وهى بدورها رموز من الخطوط والرسومات، ولكنها ليست مجرد خطوط أو رسومات عشوائية بل أنها تعبر عن معان محددة ومفهومة إجتماعياً. ومع الكتابة قفزت الحضارة البشرية خطوات كبيرة حيث أمكن ـ عن طريقها ـ توسيع ذاكرة الإنسان وخياله ليس فقط لما يدور أمام عينه، بل إتسعت ذاكرته لتشمل معارف الأجيال السابقة أيضاً. ومع الكتابة بدأ تراكم المعرفة.

وإستمرت مسيرة التقدم البشرى، وفى كل خطوة كان العقل البشرى يكتشف أشكالاً جديدة الرموز تمكنه من السيطرة على البيئة المحيطة به بكفاءة أكبر. وسوف أقتصر فى هذا المقال ـ بالنظر لضيق المساحة ـ على الإشارة إلى ميدانين عرفا تقدماً مذهلاً نتيجة لإكتشاف الإنسان أهمية الرموز، وهما الثورة العلمية والثورة الإقتصادية، وهما بعد، متصلان إلى حد بعيد. فالثورة الإقتصادية قد تحققت، إلى حد بعيد، نتيجة لما أنجز فى الثورة العلمية

كان أحد أسباب تقدم العلوم هو أنها وجدت “لغة” خاصة من الرموز أهمها “الرياضة”. فما هى “الرياضة”؟ أنها رموز متفق عليها تسمح بإيجاد قوانين للطبيعة، والتعبير عنها من خلال هذه “الرموز” (فى شكل معادلات رياضية). وليس هنا مجال التعرض لأهم الأفكار الرياضية، ويكفى أن نشير فقط إلى أحد عناصرها، وهى “الأعداد” الرياضية. فما هى الأعداد؟ أليست مجموعة من الرموز التى ترتبط ببعضها لعلاقات منطقية.

وقصة تطور “الأعداد “فى الرياضة هى قصة مثيرة. وقد بدأت بما يعرف “بالأعداد الطبيعية” Natural كما فى أصابع اليدين، ومن هنا لم يكن غريباً أن تأخذ الأعداد “الأساس العشرى” لعشرة أرقام، تتكرر بعد ذلك بعد تغيير موقع كل منها. فالأعداد يرمز لها بعشرة أرقام. ومع إكتشاف هذه “الأعداد الطبيعية” أصبح من السهل إجراء عمليات الجمع، ثم تبين أن هناك صعوبة فى القيام بالعملية العكسية للجمع (الطرح) إذا طرحنا عدداً أكبر من عدد أصغر. ومن هنا ظهرت الحاجة إلى ظهور مفهوم جديد هو الأعداد “الصحيحة” Integers، وهى تختلف عن الأعداد الطبيعية فى أنها يمكن تكون موجبة أو سلبية. وبذلك أصبح من الممكن طرح رقم أكبر من رقم أصغر، وتكون النتيجة رقم سلبى. ومع وجود الأعداد الصحيحة أمكن أيضاً القيام بعمليات الضرب، ولكن ظهرت هنا صعوبة أيضاً فى عمليات القسمة (وهى العملية العكسية للضرب)، ولذلك ظهرت فكرة الأعداد الكسرية Rational بحيث أصبح من الممكن أن نتحدث عن عدد صحيح مع الكسر. ثم تبين بعد ذلك أنه حتى مع وجود الأعداد الكسرية، فهناك عمليات رياضية لا تكفى فيها هذه الأعداد. وكان الفليسوف الإغريقى فيثاغورس قد وضع نظريته فى الهندسة،حيث أشار إلى أنه فى المثلث القائم الزاوية، فإن مربع القطر المواجه للزاوية القائمة، يعادل مجموع مربعى الضلعين الملاصقان للزاوية القائمة. فإذا كان هناك مثلث قائم الزاوية وطول كل ضلع ملاصق للزاوية القائمة هو واحد سنتميتر، فإن طول القطر المواجه للزاوية القائمة يكون الجذر التربيعى لمجموع مربع الضلعين الآخرين، أى الجذر التربيعى للعدد إثنين. ولكن لا يوجد عدد كسرى لهذا الجذر التربيعى، بل هو عدد لا ينتهى من الأرقام العشرية ….414231  .1 وهو الاعداد غير الكسرية  Irrational وهكذا أضيف إلى عائلة الأعداد، نوع جديد هو الأعداد “غير الكسرية”. وأخيراً أضيف نوع آخر وهو المعروف “بالأعداد المركبة” Complex حيث يكون مربع أحد الأعداد سالباً على عكس المعروف فى قواعد الحساب.

ومع هذه الأنواع من الأعداد أصبح من الممكن حل جميع المعادلات الرياضية. وبذلك تقدمت علوم الفيزياء والفلك والكيمياء وغيرها نتيجة لإكتشاف الإنسان هذه الرموز الرياضية المتنوعة فى قضية الأعداد.

ولكن الرموز لم تلعب فقط دوراً حاسماً فى العلوم الطبيعية، بل أن الإقتصاد قد تقدم، إلى حد بعيد، نتيجة لإكتشاف أنواع من الرموز الإقتصادية التى سهلت عمليات التبادل وتوسيع الأسواق، مما أدى إلى زيادة الكفاءة فى إستخدام الموارد وعناصر الثروة. فما هو الإقتصاد الرمزى؟

تجرى المقارنة عند الحديث فى الإقتصاد بالمقابلة بين الإقتصاد العينى والإقتصاد المالى؟ فما هو الإقتصاد العينى، وما هو الإقتصاد المالى؟ وأيهما إقتصاد رمزى؟ أما الإقتصاد العينى (أو الحقيقى) فيقصد به الموارد التى تشبع الحاجات بشكل مباشر أو غير مباشر. فالسلع إستهلاكية او إنتاجيةهى جزء من الإقتصاد العينى لأنها تشبع الحاجات مباشرة أو بشكل غير مباشر. فالأرض والآلات والمصانع والمرافق والعمل كما السلع الإستهلاكية بمختلف أشكالها وكذا الخدمات، هذه كلها أجزاء من الإقتصاد العينى. أما الإقتصاد المالى فإنه عبارة عن “حقوق” أو رموز لهذه الموارد العينية. فالأرض الزراعية هى جزء من الإقتصاد العينى، أما “حق الملكية” عليها فهو حق قانونى أو سلطة يخولها القانون لصاحبها بأن ينتفع بالأرض بإستغلالها مباشرة لصالحه أو بتأجيرها للغير أو بالتصرف فيها كلية بالبيع أو الهبة. فحق الملكية هو رمز وليس هو الأرض ذاتها، ولكنه يسمح بالتصرف فيها. وحق الملكية هو أقدم الحقوق القانونية وربما أخطرها، وهو أيضاً أكثر الحقوق إندماجاً بالشىء نفسه. ولكى يتضح معنى “الملكية” بإعتبارها حقاً قانونياً، يميز رجال القانون عادة بين المالك والحائز. فرغم أن كلاهما يضع يده على الشىء ويتصرف فيه، فإن المالك، وحده، يتمتع بالحق القانونى فى التصرف، أما الحيازة فهى مظهر للسيطرة الفعلية، وقد تكون هذه السيطرة مقبولة، كما فى حالة المستأجر، أما السارق أو المحتل للأرض فكلاهما يحوز الشىء ويسيطر عليه مادياً دون أن يكون له هذا الحق قانوناً.

ومع ظهور مفهوم حق الملكية بدأت ظاهرة المبادلة تأخذ شكلاً قانونياً معترفاً به من المجتمع بالبيع أو الإيجار أو غير ذلك. ومع التطور أصبحت الملكية العقارية تثبت فى سجلات الشهر العقارى ولا تكتفى بالحيازة الفعلية. وأصبح من السهل التصرف فى الملكية بمجرد تعديل فى شكل المالك فى سجلات الشهرالعقارى.

وإذا كان حق الملكية هو أقدم الأصول المالية، فإن أهم وأشهر هذه الأصول المالية هى النقود. فالنقود ليست سلعة من الموارد الإقتصادية العينية التى تشبع الحاجات بشكل مباشر (مثل السلع الإستهلاكية)، ولا هى تساعد بذاتها على إنتاج السلع (مثل السلع الإستثمارية). وإذا لم تكن النقود سلعة من الموارد العينية، فما هى بالضبط؟ النقود هى حق إقتصادى (قانونى) يعطى لحاملها الحق فى مبادلتها بأية سلعة معروضة للبيع. ومن هنا نقول أن النقود هى رمز بإعتبارها قوة شرائية عامة. فما معنى ذلك؟ المقصود أن حامل النقود له الحق فى مبادلة ما يحمله من نقود مع أية سلعة معروضة للبيع. ولكن لماذا يقبل البائع، فى هذه الحالة، التنازل عن بضاعته مقابل النقود؟ السبب فى ذلك أنه يعرف أن البائعين الآخرين سوف يقبلون بدورهم التنازل عن بضاعتهم مقابل هذه النقود. فالنقود تتمتع بالقبول العام من جانب المتعاملين. وفى أكثر المجتمعات تتدخل السلطة بمنح النقود المتداولة هذا الحق القانونى. وينبغى أن نؤكد هنا أن القانون يدعم “القبول العام” للنقود ولكنه لا يفرضه قهراً. فالقبول العام للنقود هو ظاهرة مجتمعية يدعمها القانون ولكنه لا ينشئها. وقد عرفت معظم المجتمعات، فى مرحلة أو أخرى ظهور النقود كنتيجة للتبادل، بدلاً من المقايضة، وساعدت بدورها على نمو المبادلات وتقسيم العمل وقيام التخصص.

2

كان ظهور “النقود” هو بداية ظهور مفهوم “الأصول المالية”. والنقود بهذا الشكل ليست من الموارد العينية للإقتصاد، كما ذكرنا، ولكنها مع ذلك قدمت خدمة هائلة للتقدم الإقتصادى، بإعتبارها رمزاً للإقتصاد بما تمثله من قوة شرائية عامة. فمع وجود النقود إنتقلت البشرية من مرحلة المقايضة البدائية إلى ظهور الأسواق. ولم تلبث هذه الأسواق أن تطورت مما ساعد على مزيد من تقسيم العمل والتخصص، وبالتالى زيادة الكفاءة الإقتصادية مع إتساع الأسواق. وقد كان من شأن هذا التطور تحقيق الكثير من التقدم الإقتصادى، على ما أشار به آدم سميث فى كتابه الشهير “ثروة الأمم”.

كذلك تطورت أشكال النقود ذاتها، فبعد أن كانت سلعة تتمتع بقبول واسع فى المعاملات ـ مثل الماشية ـ فإنها إعتمدت، بعد ذلك، على المعادن الثمينة من ذهب وفضة لما لها من قيمة عالية مضمونة، ثم ظهرت النقود الورقية ـ البنكنوت ـ التى يصدرها البنك المركزى، وأخيراً ما يعرف بالنقود الإئتمانية والتى تظهر فى حسابات البنوك وتنتقل لملكيها بمجرد التغيير فى حسابات البنوك.

ولكن ظهور النقود لم يكن نهاية المطاف، حيث تنوعت الأصول المالية المتاحة، وساعد وجودها على مزيد من التبادل وإتساع للأسواق، والأهم من ذلك زيادة إمكانيات الإدخار والإستثمار، وهما قاطرة التقدم. والآن ماذا عن الأصول المالية الأخرى؟

وإذا كانت حقوق الملكية والنقود هى أقدم وأشهر الأصول المالية، فإن التطور لم يلبث أن ساعد على ظهور أشكال جديدة من الأصول المالية كان لها أبلغ الأثر فى التقدم الإقتصادى مع ظهور التجارة الدولية العابرة للقارات وخاصة منذ القرنين الرابع والخامس عشر ثم مع الثورة الصناعية منذ منتصف القرن الثامن عشر. فمع إتساع التجارة بين الشرق الأقصى مع أوروبا والدول الإسلامية، ومرور البضاعة عبر مسافات طويلة ولفترات غير قصيرة، فقد كان من الواجب ظهور نوع جديد من الأصول المالية التى تساعد على التصرف فى هذه البضاعة، وهى عبر الطريق، فضلاً عن ضرورة توفير رؤوس أموال كبيرة لتمويل هذه التجارة. ومن هنا ظهرت فكرة “الأوراق التجارية”، وهى التى تمثل ملكية البضاعة وهى فى الطريق. وكان للتجار العرب باع طويل فى هذا المضمار، ولكن التجار فى المدن الإيطالية طورواً ما أصبح يعرف بالكمبيالات والأوراق التجارية والتى تمثل البضاعة ويمكن تحويل ملكيتها ـ وهى فى الطريق ـ إلى طرف جديد عن طريق التظهر. وقد كان لهذا الإكتشاف أثر كبير على زيادة أحجام التجارة ومن ثم الرخاء الإقتصادى. وفى نفس الوقت تقريباً ظهرت فكرة “الشركات المساهمة” والتى تجمع مساهمات العديد من الأفراد لتكوين شركات تقوم بالنشاط الإقتصادى برؤوس أموال كافية وتجاوز حياة الفرد. وتتمتع كل من هذه الأصول ـ الأوراق التجارية والأسهم ـ بالقابلية للتداول مما يوفر لها درجة عالية من السيولة، مما يشجع الكثيرون من المدخرين على الإستثمار لإدراكهم بإمكانية التصرف فى هذه الأصول فى الأسواق وإستعادة أموالهم ـ عادة مع الربح ـ إذا كانوا فى حاجة إلى سيولة.

ومع قيام الثورة الصناعية ـ خاصة فى إنجلترا ـ لم تقتصر الحاجة إلى رؤوس أموال كبيرة لتمويل التجارة الدولية، بل أصبحت متطلبات الصناعة تتطلب هى الأخرى تمويلاً كبيراً يجاوز قدرة المستثمر الفرد فضلاً عن أن الحاجة للتمويل لم تقتصر على تمويل الإستثمارات الإنتاجية والتى تتطلب تمويلاً طويل الأجل، بل قامت الحاجة أيضاً إلى التمويل قصير الأجل، والمعروف برأس المال العامل، والذى يتطلب تمويلاً قصيراً لدورة الإنتاج قبل البيع وتحصيل عائدات البيع. ومن هنا كان تطور الأسواق المالية وظهور أنواع متعددة من الأصول المالية طويلة وقصيرة الأجل، مع تنويع خصائصها بما يناسب إحتياجات الصناعة من جانب ومتطلبات المدخرين من جانب آخر.

ومع ظهور الصناعة أصبح الإستثمار هو العنصر الحاسم فى التقدم الصناعى. والإستثمار هو تعامل مع المستقبل، فأنت تستثمر اليوم فى مشروع جديد أو توسيع لمشروع قائم من أجل أن تحقق العائد فى المستقبل. ومع التعامل مع المستقبل أصبح من الضرورى توفير أصول مالية متنوعة ومتعددة لمعالجة “المخاطر”، نظراً لأن التعامل مع المستقبل هو قبول للمخاطرة.

وفى نفس الوقت تقريباً، وخاصة فى القرن الثامن عشر، ظهرت نظريات الإحتمالات (خاصة مع الأخوين بيرنويى Bernoulli) لتبين كيفية التعامل فى ظل الإحتمالات مع تحديد نسب المخاطرة بشكل علمى (نظرية الأعداد الكبيرة). وهكذا ظهرت شركات التأمين التى توفر التأمين لما يمكن أن تتعرض له المنشأت الصناعية وغيرها من مخاطر فى المستقبل. ولم تقتصر الأصول المالية على ذلك بل ظهرت أصول مالية تتعامل مع المستقبل للبيع والشراء المؤجل مما يساعد فى كثير من الأحوال على توقى هذه المخاطر Hedging.

وكل هذه الأصول المالية ليست ـ فى جوهرها ـ سوى رموز عن الموارد الإقتصادية، فهى بذاتها ليست من قبيل السلع أوالأصول العينية التى تشبع الحاجات، ولكنها وسائل فنية تساعد على حسن إنتشار وتداول هذه الأصول مع تخفيف المخاطر بتوزيعها على المتعاملين بها وضمان السيولة بالتصرف فيها عند الحاجة. وبعبارة أخرى، فإن الأصول المالية، وإن لم تكن هى نفسها من الأصول العينية أو الإقتصاد العينى، فإنها رموز لهما تساعد على سرعة تداولها وتشجيع المدخرين على إستثمار أموالهم بزيادة فرص الربح وتقليل المخاطر وضمان السيولة.

وبذلك فإذا كان الإنسان وحده من بين الكائنات، قد إستطاع أن يبنى الحضارات، فذلك لأنه إستطاع أن يتعامل مع البيئة المحيطة به من خلال العديد من الرموز. فكانت اللغة أولاً ثم كانت الكتابة لتسجيل ذاكرته الماضية، كما إكتشفت العلوم الطبيعية لغة منطقية فى شكل معادلات رياضية مما ساعد على مزيد من السيطرة على البيئة. ولكن الرموز لم تتوقف عند ذلك إذ أن حياة الجماعات الإقتصادية قد تطلبت هى الأخرى نوعاً آخراً من الرموز الإقتصادية، وهى الأصول المالية بمختلف أشكالها. فالإقتصاد المالى ليس مجرد ملحق بالإقتصاد العينى بل هو وسيلة لتحسين إستخدام الموارد العينية وزيادة إنتشارها وقبول التعامل مع المستقبل مع تقليل المخاطر المرتبطة به بل وتحديد أسعار سوقية (سعر الفائدة) للتفضيل الزمنى بين الحاضر والمستقبل ولتقييم هذه المخاطر.

ورغم أن الأصول المالية كشكل من أشكال الرموز الإقتصادية قد ساعدت على تحقيق التقدم الإقتصادى المذهل والذى أنجز منذ الثورة الصناعية، فإن التعامل مع هذه الأصول المالية يتطلب أكبر قدر من اليقظة والإحتياط والرقابة. فهذه الأصول المالية تصدر عادة عن مؤسسات مالية ـ بنوك مركزية وبنوك تجارية ومؤسسات مالية مثل بيوت الإستثمار والصناديق المختلفة ـ وقد أظهرت التجربة أن المحرك وراء هذه المؤسسات المالية هو رغبتها فى تحقيق الأرباح، وأحياناً بالمبالغة فى إصدارها مما يزيد من حجم المخاطر الحقيقية. فالتعامل مع الأصول المالية يتطلب حنكة ودراية، فهو كالتعامل مع الطاقة النووية، فهى نافعة ومفيدة إذا أحسن إستخدامها ورقابتها، وهى متفجرة وخطيرة إذا خرجت عن حدودها. وهو ما حدث فى الأزمات المالية الكبرى كما فى الأزمة المالية العالمية فى الثلاثينات من القرن الماضى، وأخيراً فى الأزمة العالمية لعام 2008 والتى بدأت فى الولايات المتحدة والتى مازالت تعانى منها الإقتصاديات العالمية. فإذا كانت الأصول المالية احد أهم عناصر التقدم الإقتصادى المعاصر، فإنها تتطلب، فى نفس الوقت، الرقابة والإشراف الصارمين لمنع إنحرافها عن دورها فى خدمة الإقتصاد إلى خلق الأزمات والفقاعات المالية.

لن تتقدم دولة دون أن تضع مواردها العينية موضع الإستغلال الأمثل، ولكن الموارد العينية لا تتحرك وحدها بل لابد لها من وسائل لنقلها وتحديد قيمتها وحساب المخاطر التى تتعرض لها. كذلك تساعد هذه الأدوات على قبول التعامل مع المستقبل وتحمل المخاطر وتوزيعها. وهذا هو ما نقوم به الأصول المالية. فهى أشبه بالدورة الدموية أو الأعصاب التى تحرك أجزاء الجسم المختلفة. وبقدر ما يتطلب النجاح وجود أسواق مالية واعية ومتطورة، فإنه يتطلب أيضاً درجة عالية من الرقابة والإشراف. والله أعلم.

الاهرام 6 مايو 2013 – 7 مايو 2013

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *