السلطة والنسب في كازخستان

يقال أن من أقوى العواطف البشرية وأعنفها هي حب المال وحب السلطة وكذلك الحب البشري سواء بالأبوة أو الأمومة أو كان حباً للجنس الآخر. ويشارك في هذه النوازع الرجل العام كما الرجل العادي. وقد لا يكون من المبالغة القول بأن هذه النوازع الثلاثة كثيراً ما كانت – مجتمعة أو منفردة – هي المحرك الأساسي للعديد من المسؤولين، وكان كل منها دائماً مصدراً للقوة والنفوذ. وليس من الغريب أن من يتوافر له أحد هذه المصادر تنفتح له – وبسهولة – السبل للوصول إلى المصادر الأخرى. فكثيراً ما تتاح لرجال السلطة (السياسة) الفرصة للثراء السريع والكبير لهم أو لأولادهم أو أزواجهم وأصاهرهم. وبالمقابل فإن أصحاب الثروات الكبيرة لا يتوانون عن التقرب إلى السلطة أو حتى عن شرائها وإخضاعها لنفوذهم إن لم يعملوا للوصول إليها مباشرة واحتلال مراكزها. فالثروة تشترى السلطة كما أن السلطة توفر الثروة لأصحابها. أما الجنس باعتباره العنصر الثالث في هذا المعادلة فإنه يعطي – عادة – دوراً خاصاً للمرأة. فالجنس سلاح في يد المرأة كثيراً ما سمح لها بالحصول على السلطة والمال. وكثيراً ما سمعنا عن أغنى أغنياء أمريكا والذين وقعوا في غرام ممثلة مغمورة أو عارضة أزياء مجهولة لكي يتركوا لهن ثروات بمليارات الدولارات عند وفاتهم وبعد حياة زوجية – أو وحتى غير شرعية – قصيرة. فالغالب أن يكتشف هؤلاء الأثرياء غواية الجنس في نهاية أعمارهم وبعد أن أمضوا زهرة شبابهم في جمع الثروات. وليس بعيداً عن الأذهان قصة الأمريكية آنا نيكول سميث والتي تزوجت أحد كبار الأثرياء لترث ثروة هائلة قبل أن تموت هي الأخرى بعد جرعة كبيرة من المخدرات. ويعرف التاريخ الإسلامي – وخاصة في العصر العباسي – نماذج هائلة لسيدات اكتسبن ثروة وجاهاً رغم تواضع حسبهن أو نسبهن اكتفاء بما لديهن من مؤهلات جمالية. وفي هذا الأحوال كان الجنس طريقاً إلى السلطة والثروة معاً. ومن أشهر الأمثلة “خيزوران” زوجة الخليفة المهدي – ابن المنصور – والذي أصبح ثالث خلفاء الدولة العباسية. ولا تُعرف أصول هذه السيدة التي يبدو أنها كانت جارية يملكها عربي من اليمن وبيعت في أسواق مكة وأعجب بها المهدي ابن خليفة المسلمين آنذاك – المنصور – وأعطيت اسم خيزوران لأنها كانت
– فيما يبدو – نحيفة وشديدة الليونة مثل الخيزران، ومن هنا اسمها، وبطبيعة الأحوال فقد كانت ذكية أيضاً مما دفع المهدى إلى الزواج منها رغم اعتراض الأسرة، وأنجبت له ولدين هما الهادي وهارون واللذين أصبحا بعد ذلك خلفاء على التوالي. وقد أصبحت “خيزوران” أغنى أغنياء الدولة العباسية كما أصبح ديوانها أهم مراكز النفوذ في عهد زوجها الخليفة المهدي وخصوصاً في عهد ابنها هارون الرشيد. ولم تكن “خيزوران” هي السيدة الوحيدة التي اجتمع لها السلطة والثروة عن طريق الحب، بل عرف التاريخ العباسي سيدات أخرى عرفن أيضاً الثروة والسلطة رغم تواضع أصلهن، مثل “قبيحة” زوجة – أو خليلة – المتوكل وأم الخليفة المعتز، وهي أيضاً جارية بالغة الجمال وأطلق علها اسم “قبيحة” من باب استخدام أسماء الضد، مثل البصير بالنسبة للأعمى أو الضرير. وقد عرفت هي الأخرى ثروة وسلطة هائلة قبل أن يجور عليها الدهر بعد وفاة ابنها الخليفة المعتز.

 

وليس الغرض من هذا المقال التأريخ لأولئك الغواني بقد ما هو الإشارة إلى التلاقي بين حب المال وحب السلطة والحب البشري للنساء أو حب الأولاد والأقارب. ويبدو أن من بين هذه العواطف والنوازع فإن حب السلطة هو الأكثر عمقاً وعنفاً. وقد طيرت الأخبار أخيراً أحداثاً تدور في كازخستان، وحيث تتفاعل – فيما يبدو – العواطف الجياشة بين حب السلطة وحب المال وحب الأبناء والأصهار ولكن الأمر تحول في هذه الدراما إلى صراع بين الأقرباء، وهو صراع على السلطة والمال.

 

كازخستان هي إحدى دول آسيا الوسطى، والتي كانت حتى بداية التسعينات إحدى الجمهوريات السوفيتية، ثم استقلت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. وهي إحدى أغنى جمهوريات آسيا الوسطى بالنفط والغاز، ولذلك تتمتع باهتمام كبير من الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة من شركات النفط فيها. ويرأس كازخستان الرئيس نور سلطان نزار بييف، وهو رئيس للجمهورية منذ سبعة عشرة سنة، ويدعو للأخذ بسياسة اقتصادية تحررية تعتمد بشكل متزايد على اقتصاد السوق. وفي منتصف الشهر الماضي (16 مايو 2007) قدم الرئيس مجموعة من التعديلات الدستورية إلى البرلمان بغرض زيادة سلطات البرلمان فيما بدا تطوراً نحو مزيد من التحرر السياسي إضافة إلى دعوته إلى التحرير الاقتصادي. وتفاءل العديد من المراقبين والأوساط السياسية بأن كازخستان تسير في طريق التحرير الديمقراطي أيضاً. ولكن هذه الفرحة لم تدم طويلاً، إذ قُدم من اليوم الأخير وقبل الموافقة النهائية على التعديلات الدستورية – ليس عن طريق الرئيس نفسه وإنما من جانب أعضاء البرلمان – إضافة جديدة للتعديلات الدستورية تسمح للرئيس بالبقاء في الحكم مدى الحياة بعد إلغاء القيد الوارد في الدستور بتحديد عدد مرات انتخاب الرئيس. ووافق البرلمان على التعديلات الجديدة بما فيها إلغاء القيد على فترات الرئيس وذلك في خلال يومين، وصدق الرئيس على التعديلات يوم 21 مايو، أي بعد خمسة أيام من تقديم التعديلات. الأمر الذي يقطع بكفاءة النظام البرلماني في كازخستان وسرعته في إنجاز المهام، خصوصاً إذا كانت لمصلحة الرئيس. ولكن المعارضة رأت في هذه التطورات ردة سياسية، وأن التعديلات الدستورية الإصلاحية لم تكن أكثر من ستار دخان لتمرير استمرار الرئيس في الحكم مدى الحياة.

 

وليس في هذه القصة شيء جديد. فحب السلطة معروف، ولكن الهام هو أن نتذكر أن المسألة ليست فقط حباً للسلطة، فأموال النفط والغاز في كازخستان هامة وكثيرة، والمستفيدون منها من السلطة ليسوا قليلين، وغالباً منهم أعضاء في أسرة الرئيس. ويتأكد هذا التزواج بين المال والسلطة من موقف الولايات المتحدة الأمريكية من التطورات السياسية في هذا البلد. فمن المعروف أن شركات النفط الأمريكية تتمتع بنفوذ هائل في كازخستان، فضلاً عن أنها تتوقع مزيداً من التوغل في مشروعات هامة للمستقبل في منطقة آسيا الوسطى. ومن هنا فلم يكن مفاجأة تماماً أن يعبر السفير الأمريكي عن تقديره الكبير للإصلاحات الدستورية في كازخستان، وأنها تمثل خطوة هامة للإمام. وهو غالباً نفس رأي شركات النفط العاملة في كازخستان. هذا في نفس الوقت الذي تتباكى الصحافة الأمريكية لأن بوتن في روسيا يرغب – رغم أنه يؤكد عكس ذلك – في تعديل الدستور الروسي ليتمكن من الترشيح لفترة ثالثة لرئاسة الجمهورية الروسية. فما يعتبر فضيلة في كازخستان يصبح رذيلة في روسيا حتى قبل أن يتحقق الأمر فعلاً بتعديل الدستور الروسي.

 

وحتى تكتمل الدراما فقد دخل على الساحة عضو جديد، فكأنما لم يكفي المال والسلطة بل كان لا بد وأن يتدخل عنصر جديد للحب – أو الصراع – العائلي. فإبنة الرئيس – داريجا – وهي ذات نفوذ هائل ومرشحة لوراثة والدها، متزوجة من نزار باييف. ويبدو أن اقترابه من السلطة والمال قد فتح، نتيجة لزواجه بابنة الرئيس، شهيته هو الآخر للاستيلاء على السلطة لنفسه. فإذا به يبلغ صهره بأنه ينوي أن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية لدى انتهاء فترة الرئيس الحالية في 2012. فهو لم يعد يكتفي بالمشاركة في السلطة، وبالتالي في المال، ولكنه يرغب الآن في الاستحواذ عليهما. وبذلك يتجاوز كل الخطوط الحمراء. وهنا انقلب الرئيس على زوج ابنته، واكتشف – فجأة – أن صهره متهم بالفساد بخطف اثنين من رجال البنوك واللذين كانا يعملان تحت رئاسته لأحد البنوك. (لاحظ هنا أن السلطة كثيراً ما تحب البنوك، فهي في نهاية الأمر مستودع الأموال، وبين السلطة والمال حب وغرام خاص). وأبلغ الرئيس وزير داخليته بضرورة التحقيق في الاتهام بالفساد الموجه لزوج ابنته، وألا يراعي في تحقيقاته أي اعتبار سوى “العدالة” بصرف النظر عن شخصيته. الأمر الذي يؤكد أن “حب العدالة” يظهر دائماً في الوقت المناسب، وخاصة عندما يتطلع “المتهم” إلى ما يجاوز حدوده. فهنا تصبح “العدالة” فعّالة ولا ترحم، رغم أنها قد تغفو في سبات طويل في فترات كثيرة سابقة عندما تكون تطلعات الصهر في الحدود المقبولة. أما الصهر فإنه لا يبالي، فهو قد عين سفيراً لدولته في جنيف لدى “منظمة الأمن والتعاون الأوروبية”، وهي المنظمة التي ولدت بعد اتفاق الغرب مع الاتحاد السوفييتي في اتفاقية هلسنكي للتأكيد على نشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. ومن الطرائف أيضاً أن كازخستان كانت تسعى لرئاسة هذه المنظمة، وقد عُين الصهر العزيز في منصب السفير تمهيداً لهذا الغرض. وبطبيعة الأحوال، فقد تغيرت المعطيات وفقد الصهر دعم الرئيس بعد أن تجرأ وعبر عن رغبته في وراثة الرئيس مبكراً وقبل الآوان. الأمر الذي قد يرشحه باحتمال أكبر لدخول السجن بدلاً من الوصول لكرسي الحكم. ومع ذلك يؤكد الصهر أنه لن يعود إلى بلده وإنما سوف يستمر في معارضة النظام من أجل “الديمقراطية” هذه المرة، أي والله من أجل الديمقراطية.

 

وهكذا تقدم لنا كازخستان نموذجاً طريفاً تتداخل فيه اعتبارات السلطة والمال وكذلك الحب العائلي أو بالأحرى الصراع العائلي على السلطة والمال. وكما يتحالف السلطة والمال والحب في كثير من الأحوال فإنهم كثيراً ما يدخلون في صراعات مريرة وأحياناً قاتلة. وتقدم الحياة لنا صوراً للمشاعر البشرية لا تختلف كثيراً سواء كنت في آسيا الوسطى أن في غيرها من مناحي المعمورة.  والله أعلم.

 

 الاهرام 10 يونيو 2007

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *