السلوك الاجتماعي: بين المصالح والمبادئ

 

عندما نراقب سلوك الأفراد والجماعات، نجد أنهم جميعاً يتخذون قراراتهم في ضوء أحد اعتبارين، إما بدافع من “المصلحة” أو استناداً إلى “المبادئ والقيم”، إن لم يكن  بنوع من التوفيق بين الأمرين. ويثور التساؤل عن العلاقة بين هذه “المصالح” و”المبادئ” وما إذا كان هناك تكامل أو على العكس تناقض بين الأمرين. فهل “المصالح” و”المبادئ” هي أمور متعارضة بالضرورة، أم أنها في الحقيقية عناصر متكاملة، إذا روعي قدر من التناسب وعدم المبالغة في اتجاه أو آخر؟ هذا هو السؤال.

 

وأما “المصلحة” فأمرها سهل نسبياً. فهي تتناول كل ما يعود على الشخص من فائدة أو ما يدفع عنه ضرراً. فمصلحة الفرد هي ما يحققه من المكاسب أو ما يتجنبه من الخسائر. وبطبيعة الأحوال، فإن صاحب الحكم في تقدير الكسب أو الخسارة هو مصدر القرار، فهو يعرف ما يعتبره نفعاً له أو ما يسبب له ألماً. وهكذا فإن إخضاع سلوك الأفراد لمنطق “المصلحة” هو تعبير عن غريزة حب البقاء. فبقاء الفرد أو الجماعة رهن بتوفير احتياجاتهم المادية والمعنوية، بزيادة الإمكانيات المتاحة لهم ودفع الأضرار التي يتعرضون لها. وهكذا يستند باعث “المصلحة” إلى نوع من الغريزة الطبيعية لكل الأحياء في حب البقاء. وربما الفرق الوحيد هو أن الإنسان لا يتصرف بشكل غريزي وإنما باختيار إرادي، وبما يحقق له أكبر قدر من “المصلحة”. فالإنسان، بسبب قدرته الفائقة على التطور وتطوير البيئة المحيطة به، يواجه ظروفاً متغيرة وجديدة، ولذلك فإن عليه أن يقرر ما هو نافع له وما هو ضار، وهو أمر متغير بحسب الظروف.

 

وإذا كان الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يطور البيئة التي يعيش فيها ويغيرها وبذلك يتقدم ويصنع الحضارات، فإنه يواجه بالضرورة ظروفاً متغيرة مع كل مرحلة حضارية. ولذلك فإنه لا يمكن أن يعتمد فقط على غرائز طبيعية ثابتة، ولابد له من سلوك إرادي مرن يلاحق به التغيرات في الوسط الذي يعيش فيه. ومن هنا كان الإنسان حيواناً مفكراً يعمل فكره واختياره في كل موقف ، ولا يخضع في سلوكه لنمط ثابت، وإن كانت توجهه غريزته الطبيعية في “حب الذات” إلى البحث عن مصالحه. وبذلك كان البحث عن “المصلحة” من أهم بواعث السلوك الإنساني، كما كان من أهم أسباب تقدم البشر وبناء الحضارات.

 

إذا كان هذا صحيحاً، فهل هو كاف؟ وهل يكفي الاستناد إلى “المصالح” فقط أم أن هناك حاجة إلى اعتبار آخر لا يقل أهمية، وهو احترام “المبادئ” والخضوع “للقيم”. وإذا كان الأمر كذلك، فما هو أصل هذه “المبادئ” أو تلك “القيم”؟ وكيف يتم التوافق بين هذه “المبادئ” أو “القيم” من ناحية، وبين مفهوم “المصلحة” من ناحية أخرى؟ هذه كلها أسئلة تستحق الاهتمام. ولنبدأ بمحاولة فهم المقصود “بالمبادئ” أو “القيم” ومدى صلتها بمفهوم “المصلحة”؟ وهل هناك تناقض بين الأمرين، أم أنهما مفهومان متكاملان؟

 

“المبادئ” أو “القيم” هي في جوهرها قواعد لتحقيق مصالح عامة، فهي تعبر عما يحقق النفع أو يمنع الضرر بالنسبة للجماعة في مجموعها، وليس بالنسبة للفرد وحده. فهي تعبير عن “مصالح جماعية” وليس عن مصالح فردية أو شخصية. فالدعوة إلى الصدق أو الأمانة، أو حماية الضعيف، أو الشفقة بالمحتاج، أو الشجاعة في الحرب أو عند إبداء الرأي، وغير ذلك من المبادئ السامية أو القيم الأخلاقية إنما هي، في نهاية الأمر دعوة لتحقيق مصالح المجتمع في مجموعه. وكثيراً ما تكون هذه “المبادئ” و”القيم” نوعاً من التضحية من أجل المجتمع. فليس من المستغرب أن يضحي الفرد بمصالحه المباشرة من أجل تحقيق مصلحة عامة باسم “المبادئ والقيم”. فلا يستقيم مجتمع ما لم تسود فيه صفات الصدق والأمانة والشفقة واحترام الضعيف وغيرها من القيم الإنسانية. فهذه قيم مطلوبة لاستمرار الجماعة وتماسكها وقدرتها على النمو والتطور. ولك أن تتصور مجتمعاً يسوده الكذب وعدم الإخلاص مع غلبة للقسوة وغير ذلك من الصفات الذميمة. فهذا مجتمع غير قابل للحياة أو للاستمرار. فإذا لم يكن الفرد مطمئناً على حياته أو كان غير واثق من صدق وعود الآخرين، فإن حياته تصبح جحيماً لا يطاق ولا تستقيم أعماله. والحقيقة أن “المبادئ” أو “القيم”، ليست سوى حصيلة تجربة هائلة للمجتمعات التي اكتشفت أنها بحاجة إلى مجموعة من “القواعد” لضمان استقرارها وتقدمها وتطورها. فالصدق أساس لقيام علاقات مستقرة وناجحة بين الأفراد، في حين أن الكذب والخداع يعني انعدام الثقة وبالتالي استحالة التعاون بين الأفراد، وبذلك يعيش كل فرد حياة منعزلة بعيداً عن الآخرين. ولكن حياة العزلة غير ممكنة، وهي تعريض الفرد للمخاطر التي لا يمكن تجنبها إلا بالتعاون مع الآخرين. وهكذا جاء ظهور الحياة البشرية واستمرارها وتطورها رهناً بوجود الجماعة، الأمر الذي تطلب مجموعة من القواعد التي تضمن سلامة العلاقات الفردية والاطمئنان إليها والإستناد عليها. فمجتمع بلا قواعد للسلوك أمر غير متصور عقلاً. وهكذا يتضح أن “المبادئ” و”القيم”، هي في نهاية الأمر قواعد لحماية المصالح الجماعية والتي نشأت لتحقيق مصالح للإفراد وإن بشكل غير مباشر. “المبادئ والقيم” هي حصن “المصلحة العامة”.

 

يتضح مما تقدم أن هناك علاقة وثيقة بين مفهوم “المصالح” ومفهوم “المبادئ”. فالحديث عن “المصالح” هو حديث عن المصالح المباشرة للفرد، أما الحديث عن “المبادئ” فهو حديث عن “مصالح المجتمع” في مجموعه. وهكذا يبدو أن الحديث عن “المصالح” و”المبادئ” ليس حديثاً عن أمور متعارضة أو متناقضة، بل هي أمور تتكامل فيما بينها وبشرط أن يتم التوفيق بينهما بقدر معقول من التناسب والتوازن. وهكذا تتكاتف “المصالح” و”المبادئ” في تحديد سلوك الأفراد والمجتمعات وبما يحقق المصالح الشخصية المباشرة للأفراد من ناحية، مع حماية المصالح غير المباشرة للمجتمع، بضمان سلامته واستقراره. فالمقابلة بين “المصالح” و”المبادئ” هي، في الواقع، مقابلة بين المصالح المباشرة للفرد من ناحية، و”المصلحة العامة” لهذا المجتمع من ناحية أخرى. فإذا واجه الشخص مشكلة الاختيار بين “المصالح” أو “المبادئ”، فإنه يكون، عادةً، بصدد الاختيار بين تفضيل مصلحته المباشرة أو مصلحة المجتمع. وإذا كان الحرص على احترام “المبادئ” والقيم” يبدو أحياناً كتضحية “بالمصالح” المباشرة للأفراد، فإنه في النهاية حماية لهؤلاء الأفراد باعتبارهم أعضاء الجماعة التي ينتمون إليها. فاحترام “المبادئ” والقيم” هو ضمان لاستقرار ونماء المجتمعات والتي بدونها لا حياة للأفراد. “فالمبادئ” و”القيم” هي الضمان الأخير لاستقرار المجتمعات وبالتالي لمصالح الأفراد أيضاً.

 

يتضح مما تقدم، أن المقابلة بين “المصالح” و”المبادئ” ليست تناقضاً في المفاهيم بقدر ما هي تكامل بين “المصالح” المباشرة لمتخذي القرار (عادة الفرد أو الشركة مثلاً) من ناحية، وبين المصالح الجماعية غير المباشرة واللازمة لتماسك المجتمع (وقد تكون هذه الجماعة هي القبيلة، أو الدولة) من ناحية أخرى. فنحن نتحدث دائماً عن مصالح مختلفة أحدها فردي ومباشر، والآخر جماعي وغير مباشر. ويمكن التعبير عن نفس الفكرة بالمقابلة بين “المصلحة الشخصية” من ناحية، و”المصلحة العامة” من ناحية أخرى، وكلاهما ضروري وهام ولايمكن تجاوزه. والسؤال الحقيقي هو ما هي حدود كل منهما؟ فإنكار المصالح الفردية والمباشرة هو إهدار لأحد أهم بواعث النشاط والابتكار، وهي سبيل النجاح والتميز والتقدم، ولكن تناسي مصالح المجتمع في تحقيق الأمن والاستقرار وضمان حريات وحقوق الأفراد وتوفير الشروط المناسبة لتفجير الطاقات الخلاقة لدى الأفراد يهدد وجود الجماعة نفسها وبالتالي مصالح أفرادها في نهاية الأمر.

 

وكما أن هذه المشكلة مطروحة على المستوى الوطني في تحديد علاقة الفرد بمجتمعه، فإنها أيضاً مطروحة على المستوى العالمي، فهل تهتم كل دولة بمصالحها المباشرة فقط أم عليها أن تتصرف بقدر من المسئولية العالمية تجاه سلامة واستقرار المجتمع الدولي؟

 

الذي لاشك فيه هو أن البحث عن المصلحة الخاصة يستند إلى باعث غريزي وطبيعي ويمكن، إذا أحسن استغلاله، أن يحقق المعجزات. ولكن ترك الباعث الشخصي والمصلحة الخاصة بلا ضوابط أو قيود قد يتحول ليصبح قوة تدمير وحشية تهدد وجود المجتمع نفسه وتترك الضعفاء فريسة للأقوياء، وقد تهمل المصالح العامة في توفير العدل والسلم والأمان، بل قد تحصر نفسها في أفق زمني محدود يتجاهل مستقبل الأجيال القادمة ويغلب المصالح الآنية على المصالح المستقبلة الكبرى. ولذلك فإن هناك حاجة إلى توازن بين الأمرين، وبحيث يوفر مساحة حركة معقولة للحرية الفردية والإبداع وتحقيق المصالح الفردية، وإنما في إطار الضوابط والقواعد التي تحمي حقوق المجتمع وتطلعات المستقبل وتوفير الأمن والاستقرار ومنع الانحراف والتجاوزات.

 

وتمثل الديمقراطية الليبرالية، في العصر الحديث، أحد أنجح المحاولات التي توفق بين الحريات الفردية والمصالح الخاصة من ناحية، وبين مصالح الجماعة وضمان حماية المصلحة العامة من ناحية أخرى. فأساس الديمقراطية الليبرالية هو حكم المؤسسات المنتخبة شعبياً في ظل دولة القانون وتداول السلطة من ناحية، مع ضرورة احترام الحريات والحقوق الأساسية للأفراد وحرمة حياتهم الخاصة. فهو نظام يرعى المصالح الخاصة ويوظف طاقات الإبداع والاختيار الحر للأفراد، ولكنه يخضع الجميع لقواعد القانون في ظل حكم الأغلبية ومع الشفافية الكاملة والمساءلة اليقظة. “فالمصالح” تعبير عن احترام البواعث الفردية، في حين أن “المبادئ” وفكرة “المصلحة العامة” تحمي حقوق المجتمع في مجموعه وتطلعاته المشروعة للمستقبل.  والله أعلم

الشروق 21 مايو 2011

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *