العداء للغرب والعداء للإسلام: تحالف الأضداد

 

 

أبرزت الأحداث الأخيرة في أمريكا 11 سبتمبر 2001، نزعات كامنة للتعصب والعداء بين الشعوب – يستوي في ذلك المشرق والمغرب. فالعداء للغرب بإسم الإسلام – كما العداء للشرق بسبب الإسلام، له جذور كامنة لدى بعض القطاعات في مختلف البلدان، وقد وجدت في إنفجارات نيويورك وواشنطن وتوابعها متنفساً لهذه المشاعر المكبوتة.  وهكذا رأينا نفراً هنا أو هناك من الشامتين يخرجون في مظاهرات للإحتفال ببن لادن والتنديد بأمريكا، وفي نفس الوقت تعددت الإعتداءات على مواطنين من العرب والمسلمين في عدد من المدن الأمريكية والأوروبية لا بسبب إلا للون بشرتهم أو لأسمائهم العربية والإسلامية.  كذلك لم تخلو الساحة من كتابات وأحاديث متفرقة على صفحات الجرائد أو شاشات التلفزيون هنا وهناك يؤكد بعضها على عداء الغرب الأصيل للإسلام وكراهيته له، ويُشير البعض الآخر إلى ما يعتبره الطبيعة الراسخة للتعصب في الإسلام.  ورغم أن هذه وتلك لم تكن أكثر من ردود فعل متفرقة لا تُمثل أكثر من أقلية – وإن كانت عالية الصوت والصراخ – إلا أن الأمر خطير ويُنبىء بشر مستطير، إذا غلبت موجات الكراهية والتعصب والتطرف سواء في بلادنا أو في الغرب.  حقاً ما يزال التيار العام ينظر للأمور بدرجة أكبر من الإعتدال والعقلانية، ويُحاول أن يفهم أسباب ما حدث بعيداً عن التحيزات والأحكام المُسبقة، ولكن تلك الأصوات يُمكن أن تُمثل خطراً على المستقبل.

 

ولعل الحقيقة المؤسفة والغريبة معاً، هي أن ما يجمع بين هؤلاء المتطرفين، سواء في الشرق أو في الغرب، هو أكثر مما يُفرق بينهم.  فهم، هنا وهناك، يُفكرون بنفس الطريقة، والأخطر من ذلك أنهم يشتركون – على ما بينهم من عداء – على هدف مشترك، وهو إشعال الفتنة والصراع بين الغرب والإسلام.  حقاً، قد يصور كل طرف الطرف الآخر بأبشع الصور.  فهذا يرى خصمه كافراً ومُلحداً، وذاك يرى فيه متعصباُ وهمجياً.  كل منهما يرى الآخر شيطاناً، أو حتى بهيمة لا ترقى إلى مستوى الإنسان.  ومع ذلك، فإنهما يتفقان على فكرة محورية واحدة وهي أن التعايش بين الغرب والإسلام مستحيل، وأنهما في مواجهة لا ريب فيها, فهما معاً أنصار حتمية الصدام  والصراع.  وهكذا فإن هذين العدوين اللدودين هما في الحقيقة شركاء حلف واحد، ويسعيان إلى تحقيق هدف مشترك هو الوقيعة بين دول الإسلام ودول الغرب.  فالإختلاف، عندهم، بين بلدان المشرق وبلدان المغرب ليس مجرد خلافات سياسية أو إقتصادية على أمور دنيوية مُحددة، بل هو صراع بين جوهرين متناقضين، لا حياة لأحدهما دون القضاء على الآخر.  فنحن إذن أمام حلف غريب يجمع بين المتناقضات، خصمان لدودان يكره أحدهما الآخر لدرجة الموت، ولكنهما يسعيان معاً إلى تحقيق هدف مشترك هو إشعال الحرب بين الإسلام والغرب. وإذا إتفق هاذان الخصمان على ذلك الهدف المشترك فإن عدوهما الحقيقي هو أصوات العقل والإعتدال في كلٍ من المعسكرين التي ترى في مقولات الصراع والصدام بين الحضارات دعوات عدمية للفناء تنكر الطبيعة البشرية الواحدة، وأن ما يجمع بين البشر من مختلف الحضارات أكثر بكثير مما يُفرق بينهم.  قد يختلفون – كما يختلف جميع أبناء البشر حتى داخل الأُسرة الواحدة – ولكن لا يمكن أن تكون حياة أحدهما متوقفة على فناء الآخر.  وفي ظل العالم الجديد الذي نعيشه وحيث إزداد الإرتباط والإعتماد المُتبادل بين أبناء المعمورة، فإن الأمن والإستقرار والإزدهار لا يُمكن أن يتحقق للبعض بالقضاء أو بإفناء البعض الآخر.

 

وإذا كانت القلة المتطرفة في الشرق تدعو إلى العداء لكل ما هو غربي أو أوروبي أو أمريكي, فإن القلة المتطرفة في الغرب ليست أقل تعصباً وحماقة فهي تدعو إلى التطهير العرقي في دول الغرب من العرب والمسلمين والأفارقة والآسيويين في دعوة لا تقل وحشية عن دعوات النازية فيما بين الحربين العالميتين.  والغريب أن خطاب العداء المُتبادل بين المجموعتين يُساعد على تقويتهما معاً، ويعطي كل فريق الحجة على سلامة موقفه.  فهما معاً وغالباً دون وعي، يُساعدان بعضهما البعض، من خلال خطابهما العدائي في نفي الآخر.  وليس أقل غرابة على هذا الحلف العجيب بين المتناقضات أن يضم إليه طرفاً ثالثاً منتسباً لأسباب سياسية إنتهازية، وهو طرف ليس من الغرب تماماً وكان إلى وقت قريب معتبراً من الشرق.  وهذا الطرف هو إسرائيل ومناصروها. فبعض الأصوات في بإسرائيل وفي الصهيونية العالمية، ترى أنها تواجه صراعاً مع العرب حول إحتلالها لأراضي فلسطين، فإن من مصلحتها أن تُحوّل هذا الصراع من صراع إقليمي إلى صراع عالمي.  فوفقاً لهذه الرؤية فإن ما يقوم به العرب والفلسطينيون ليس عملاً موجهاً إلى إسرائيل نظراً لإحتلال أراضيهم، وإنما هو جزء من صراع العرب والمسلمين ضد الغرب أي ضد العالم المتحضر، وأن إسرائيل تُمثل الغرب في هذا الصدد.  ومن هنا فقد إرتفعت الأصوات في إسرائيل إثر إنفجارات نيويورك وواشنطن للتأكيد بأن هذه الأعمال ليست إلا إستكمالاً ومتابعة لأعمال العنف التي تقع يومياً في إسرائيل.  فالعرب والمسلمون بها يُهاجمون إسرائيل كما يُهاجمون أمريكا لأنهما معاً يُمثلان الغرب العدو الرئيسي للإسلام.  فالصراع ليس صراعاً إقليمياً بين العرب والإسرائيليين، وإنما هو صراع عالمي، صراع حضارات بين الإسلام والغرب.

 

وهكذا يرتفع صوت إسرائيل منضماً إلى حلف العداء بين الإسلام والغرب في محاولة إنتهازية لإشعال الفتنة بين الإسلام والغرب وتحويل الأنظار عن قضية الإحتلال الإسرائيلي لأراضي فلسطين، كما لو كانت مقاومة الإحتلال في فلسطين جزءاً من الحرب بين العرب والإسلام من ناحية والغرب من ناحية أُخرى.  وليست هذ المرة الأولى التي تعمد فيها إسرائيل إلى هذا التكتيك في صراعها مع العرب، فهي محاولة سبق أن قامت إسرائيل بمثيل لها بنجاح كبير بعد إنشاء دولة إسرائيل حيث نجحت في تحويل الصراع الإقليمي بين العرب وإسرائيل إلىجزء من الصراع العالمي بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية.  ولنتذكر التاريخ غير البعيد.  فإسرائيل واليهود بصفة عامة لم يكونوا أبداً جزءاً من الغرب.  وكان الأوروبيون في عداوتهم لليهود يصفونهم دائماً بأنهم شرقيون Orientals.  وتاريخ إضطهاد اليهود وحرمانهم من الحقوق المدنية والإقتصادية بل وطردهم من كل بلاد أوروبا أمر معروف، ولم يتم الإعتراف بالمواطنة لهم في أوروبا ألا مع نابليون أي منذ قرنين من الزمان فقط بل وأُعيد إضطهاد اليهود في معظم دول أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين.  ومع ذلك نجح اليهود منذ بضع عشرات من السنين في إقناع العالم الغربي بأنهم جزء من حضارتهم القائمة، حتى أصبح العديد من الكتاب الغربيين يصفون أساس حضارتهم بأنها يهودية/مسيحية Judeo – Christian بعد أن كان التقليد السائد وصفها بأنها إغريقية/رومانية/مسيحية  Greco – Roman – Christian  ولم تكتفي المنظمات اليهودية بمحاولة إختطاف الحضارة الغربية، ونسبيتها إلى اليهودية رغم أن تاريخ أوروبا خلال الألفين عاماً الماضية كان – مع إستثناءات محدودة – هو تاريخ الإضطهاد – غير المبرر – لليهود، بل أنها حاولت – ونجحت إلى حد بعيد – إلى تحويل صراع العرب ضدها بعد إنشاء إسرائيل إلى صراع مع الغرب.  فقد عمد بن جوربون منذ البداية إلى تحويل الصراع بين الفلسطينيين العرب واليهود إلى جزء من لعبة الصراع العالمي والمواجهة بين المعسكر الغربي بزعامة أمريكا والمعسكر الإشتراكي بزعامة الإتحاد السوفييتي.  فإذا كانت المشكلة اليهودية هي نتيجة للإضطهاد الأوروبي لليهود في ألمانيا وبولندا وروسيا، فقد نجح بن جوربون ليس فقط في توظيف عقدة الذنب لدى الأوربيين لمعاملتهم لليهود بل وفي إبراز المستوطنين اليهود كمقدمة لحماية المصالح الغربية في المنطقة العربية، وتحوير هدف المقاومة العربية للإستيطان اليهودي في فلسطين إلى عداء للغرب.  فالعداء العربي للإستيطان اليهودي – في وجهة النظر الإسرائيلية الرسمية- ليس موجهاً إلى المغتصبين للأرض في فلسطين والمشردين لأهلها، بل هو عداء لكل ما هو غربي.  ونذكر في هذا مؤامرة لافون وكيف حاولت المخابرات الإسرائيلية في بداية الخمسينات إفتعال عمليات تخريب للمصالح الأمريكية في مصر لإثبات مقوله عداء المصريين للأمريكيين.  وقد تطورت الأحداث فيما بعد بما ساعد على تحقيق حلم بن جوبون عندما رفضت أمريكا تسليح الجيش المصري وإزداد بالتالي إعتماد مصر ودول المواجهة العربية على الإتحاد السوفييتي في الحصول على الأسلحة مما عمق العداء لأمريكا في معظم الدول العربية، بحيث ظهر للعيان أن الصراع العربي/الإسرائيلي ليس مجرد صراع إقليمي ولكنه جزء من صراع الكتلتين المُتنازعتين (أمريكا والإتحاد السوفييتي) الأمر الذي حال دون الوصول إلى حل لهذا الصراع طوال فترة الحرب الباردة.  وبعد إنتهاء الحرب الباردة وزوال الإتحاد السوفييتي عاد للصراع طابعه الإقليمي والمحلي مما أعاد الأمل في إمكانية الوصول إلى حل.  وهنا نجد أن إعداء الحلول السليمة يدفعون بهذا الصراع من جديد إلى حلبة الصراع العالمي، فإذا لم يبق مجال للإستقطاب بين معسكر رأسمالي ومعسكر إشتراكي، فإن الإستقطاب بين الإسلام والغرب يُمكن أن يؤدي المهمة.  ومن هنا نجد أصواتاً من الصهيونية العالمية ترتفع من جديد لتأجيج دعوة صراع الحضارات وخاصة بين الإسلام والغرب.  وهكذا نجد في زمرة المدافعين والداعين للعداء بين الإسلام والغرب حزمة من المتناقضات، هناك جماعة التعصب والكراهية من المسلمين، وهناك أيضاً جماعات التعصب والكراهية من الغربيين وهناك ثالثاً المصالح الصهيونية التي تريد أن تورط العرب والمسلمين في حرب أتون مع الغرب.  فأية زمرة هذه في هذا الحلف الغريب العجيب لإشعال الفتنة بين الإسلام والغرب!

 

كنت قد نشرت منذ حوالي عامين (1999) كتيباً بعنوان “نحن والغرب، عصر المواجهة أم التلاقي” أشرت في مقدمته إلى أن العالم العربي يواجه “ونحن على أعتاب القرن الحادي والعشرين وولوج ألفية جديدة تحديات كبيرة في عالم لم يعد يتساهل مع الضعف أوالجهل”، وأشرت في هذا الصدد إلى “ثلاث قضايا رئيسية أعتقد أن العقل العربي لم يصل فيها إلى رؤية واضحة رغم كثرة الضجيج والصراخ حولها.  وهذه القضايا تتعلق بعلاقة الدين بالمجتمع من ناحية وعلاقة الحاكم بالمحكومين من ناحية ثانية، وعلاقتنا بالغرب أو الغير من ناحية ثالثة”.  وأما عن العلاقة مع الغير وبالغرب تحديداً فإن هذه العلاقة عميقة ومرتبكة تتضمن من عناصر التقارب بقدر ما تحمل من عناصر التعارض.  وتاريخنا مع الغرب عميق وطويل لا يُمكن أن تقف منه موقف الحياد.  فهو مليء بالعواطف الجياشة من إحساس بالقهر والإمتهان لخصومات طويلة، كما لا يخلو من عناصر للإعجاب بإنجازات غير قليلة.  ومناقشة الموضوع لا بد وأن تستند إلى قراءة التاريخ وإستشراف المستقبل معاً.  والعاقل من إستنبط قراءة صحيحة للتاريخ تصلح زاداً لمستقبل أكثر فاعلية، والعاجز من أوقع نفسه في قراءة للتاريخ تُقيد من خطواته وتعرقل تقدمه.  فالتاريخ بطبيعته إنتقائي يتضمن آلاف مؤلفة من الأحداث والوقائع، ويأتي المؤرخون لإختيار عدد من هذه الأحداث والوقائع وسرد قصة تسمح بنوع من الإتساق والوضوح، كما لو كان للتاريخ مهمة مقدسة يُحققها خطوة بخطوة.  والحقيقة أن التاريخ حمال أوجه، وهو مليء بالتناقض والتعارض.  فيُمكن أن نستخلص لعلاقتنا مع الغرب تاريخاً للصراع والثأر والثأر المضاد، وسوف نجد أحداثاً تؤكد هذه الرؤية.  ولكننا بالمقابل يُمكن أن نستخلص تاريخاً آخراً لتتابع رسالة الحضارة الإنسانية يحمل فيها كل منهما مشعل التقدم لمرحلة تتابع فيها مسيرة الحضارة والتقدم في عملية تراكمية تتكاتف فيها الثقاقات كلٍ منهما يقدم إثراء من عبقريته.  وسوف نجد أيضاً من أحداث ووقائع التاريخ ما يؤكد هذه الرؤية.  فقد حمل العرب والمسلمون لواء الحضارة ووصلوا لذروة تقدمهم خلال القرون من الثامن حتى الثالث عشر أو الرابع عشر، بنوا على حضارات الأقدمين من الإغريق والرومان، وكانوا سنداً لحركة النهضة الأوروبية وحلقة وصل بين الحضارات الكلاسيكية والحضارة المعاصرة.

 

وإذا كان التاريخ حمال أوجه فإن المستقبل لن يفسح المجال إلا لقوى التعاون والتكامل والتفاؤل وليس لقوى الهدم والنفي والتشاؤم.  “الغرب” أياً كان تعريفه وحدوده، ليس عدواً ولا صديقاً، بل فيه العدو والصديق.  وهو ليس ضرراً أو نفعاً بل فيه الضرر والنفع.  كذلك ليس الغرب شراً دائماً كما أن الشرق ليس خيراً فقط،  ففى كل منهما الخير والشر.  الغرب ليس كله شياطين، كما أننا لسنا كلنا ملائكة.

 

ليس صديقاً للعرب والإسلام من يضع الإسلام في عمومه في عداء مع الغرب أو من يضع الغرب بكامله في عداء مع الإسلام.  هذه دعوة شريرة تتكاتف عليها زمرة من أشد المتعصبين بعضهم في بلدنا والبعض الآخر في الغرب ومع أولئك وهؤلاء تعمل الصهيوينة على تغذية هذا العداء.  ليس هناك عداء حضاري بين الإسلام والغرب وبالمقابل فإن نفي العداء بين الإسلام والغرب ليس إستبعاداً للخلافات السياسية والإقتصادية أو تجاهلاً لتعارض المصالح بين هذه الدولة أو تلك، فهذا كله جزء من طبيعة الحياة.  الخلافات السياسية أو الإقتصادية أو الثقافية جزء من نسيج الحياة، أما العداء الحضاري أو كراهية جنس أو عقيدة فهو من مخلفات الماضي وعدو لمستقبل البشرية.  والله أعلم.

الأهرام: 28/10/2001

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *