العدالة الخاصة ومفهوم الدولة

 

نشرت الصحف منذ فترة عدة أخبار عن مواطنين يقومون بتنفيذ ما يعتقدون أنه تطبيقاً للعدالة ـ سواء باسم الدين أو غير ذلك من القيم الأخلاقية أو العقائدية ـ وذلك بتوقيع عقوبات جسدية على المخالفين لهذه المعتقدات. فهناك من قطع أذن مواطن آخر بمقولة أنه يقيم علاقة آثمة مع فتاة كما أن هناك من تعرض للمقابر والأضرحة لأنها ـ في نظره ـ نوع من الوثنية التي تخالف صحيح الدين.

فهل هذا جائز؟ وهل يتفق هذا مع مفهوم الدولة أو حتى مع فكرة العيش في جماعة؟ وهل يمكن أن يكون تطبيق العدالة مسألة شخصية تترك لتقدير الأفراد؟ أم أن العدالة، في الحقيقة، هي حق للمجتمع وحده، وأن مخالفة ذلك هو اعتداء على مفهوم “الدولة”. فلا مكان للعدالة الخاصة في أي مجتمع متحضر ومسؤول.

ينسب إلى أرسطو القول بأن “الإنسان حيوان اجتماعي”، بمعنى أنه لا يستطيع العيش والازدهار منفرداً بعيداً عن الجماعة. فلا حياة للفرد خارج الجماعة. وهذه الطبيعة الاجتماعية للإنسان ليست سوى نتيجة حتمية لتكوين الإنسان وخصائصه الجسمانية والعقلية. فحجم جسم الإنسان متوسط لا هو بالغ الصغر كالحشرات بحيث يمكن أن يتخفى ويختبئ دون أن تلحظه عيون الحيوانات المفترسة، ولا هو بالغ الضخامة بحيث يخيفها ويرعبها. وجسد الإنسان طري لا تحميه أشواك أو دروع، كما لا يتمتع بأنياب أو قرون يدافع بها عن نفسه. كذلك فإن سرعته متوسطة ونفسه قصير، فهو ليس كالفهد أو الغزال في السرعة، كما أنه ليس كالفيل أو الثور في القوة والتحمل. وهكذا فإن خصائص الإنسان الجسمانية تجعل منه صيداً سهلاً لمختلف الحيوانات والزواحف. ولكن قوة الإنسان تأتي مما يتمتع به من قوة خارقة في عقل مفكر ومبتكر مع يدين صانعتين وماهرتين. فمخ الإنسان ـ بالنسبة لحجمه ـ هو أكبر الأحجام النسبية مما يجعله، ربما مع الدولفين، أذكى الكائنات. كذلك فإن يد الإنسان الماهرة تجعله صانعاً ممتازاً. ولكن إمكانيات عقل الإنسان ويديه لا تظهران بكامل قدراتها إلا من خلال تجمع البشر في جماعات تتعاون فيما بينها على توفير الأمن والحماية لأفرادها، فضلاً عن الرخاء والازدهار نتيجة للتعاون وتقسيم العمل. ومع مرور الزمن أصبحت هذه التجمعات قادرة على بناء الحضارات، ومعها تسيّد الإنسان العالم وسيطر عليه. وهكذا فإن أمن الإنسان ورفاهيته مرتبطان بوجوده في مجتمع. ومع هذا المجتمع أصبح الإنسان آمناً حيث يخضع لقانون الجماعة، وفي مقدمتها إقامة العدالة.

 فالعدالة بطبيعتها هي من حقوق المجتمع وواجباته التي لا يجوز التخلي عنها للأفراد، ليقوم كل منهم بفرض عدالته الخاصة، مما يؤدي إلى نوع من الفوضى وعدم الأمان. وإذا كانت بعض الجماعات البدائية تترك العدل الخاص والقصاص للأفراد ليقتضي كل منهم حقه بنفسه، فإنه بمجرد أن تصل الجماعة إلى درجة معقولة من الرقي، فإنها تجعل من العدالة ومفهوم دولة القانون أحد حقوق المجتمع التي لا يمكن التفريط فيها وتركها لأهواء الأفراد. فالدولة وحدها هي التي تطبق القانون وتفرض تحقيق العدالة، وبغير ذلك يختل ميزان العدالة نفسه، وتغلب الفوضى ويزول الأمن ويتهدد الاستقرار. فالعدالة هي حق للمجتمع، كما هي واجب عليه. ولا مجال “للعدالة الخاصة” في المجتمع الحديث. “فالعدالة الخاصة” ـ أيا كان مصدرها ـ هي اعتداء على حقوق المجتمع وينبغي مقاومتها ورفضها. فهي دعوة ظاهرها الحق وباطنها العذاب. كيف؟

نقطة البدء هي ضرورة أن نفهم المقصود “بالدولة الحديثة” ومعنى دولة القانون. فما هي “الدولة” من هذا المنظور؟ يمكن أن تتعدد التعريفات للدولة، ولكن في صدد موضوعنا فإن أهم ما يميز الدولة هو أنها ـ وحدها ـ تتمتع بحق القهر أو الاستخدام المشروع للقوة أو حتى العنف لضمان احترام القوانين. فليس لأحد ـ أو لجماعة ـ في الدولة أن يلزم الآخرين (ما لم يكن مفوضاً من القانون) باحترام أوامره أو ما يعتقد أنه قوانين واجبة الاحترام. فهذا حق للدولة وحدها، فهي تحتكر حق إصدار القواعد والقوانين واجبة الاحترام، ولها ـ وحدها ـ أن تستخدم القوة، في حدود القانون، لضمان احترام هذه القواعد والقوانين. وما عدا ذلك فإنه يعتبر خروجاً على القانون واعتداءً على حقوق المجتمع. “فالعدالة” الوحيدة المعترف بها قانوناً هي عدالة الدولة فيما تصدره من قوانين أو من قواعد العرف المعترف بها من جانب الدولة. وبغير ذلك يسقط مفهوم الدولة وينهار المجتمع ويسود قانون الغابة وتضيع الحقوق ويسقط الأمن والأمان.

 لقد قامت الدولة من أجل الأفراد، وليس العكس. فضمان حياة الأفراد وحماية حقوقهم وحرياتهم هي نقطة البدء لقيام المجتمعات البشرية، والتي أخذت في العصر الحالي شكل “الدولة الحديثة”. فالأفراد المنفردين دون جماعة ـ إذا كان ذلك ممكناً ـ يعيشون في حالة من الفوضى والهمجية، حيث لا يأتمن أحد على نفسه أو عائلته، ولا يتوافر مجال لمفهوم الحق أو الحرية، وإنما يكون الحكم للقوة والعنف. وهذا ما عبر عنه الفيلسوف الانجليزي هوبز، بالقول بأنها حالة من “الوحشية” وحيث “الكل في حرب مع الكل”، ولا أمان لأحد. ولذلك توصلت الجماعات البشرية إلى ظاهرة المجتمع الذي يضمن حريات أفراد وحقوقهم ويصونها. وتطورت هذه المجتمعات إلى أن أخذت شكل “الدولة الحديثة”، وحيث تقوم بتوفير الحماية والأمن والاستقرار وعناصر التقدم لأبنائها. وظهر مفهوم السلع العامة Public goods، وهي السلع والخدمات التي يحتاجها الجميع أو الغالبية، ولكنها متى توافرت استفاد منها الجميع دون استثناء. فالأمن أو الدفاع ـ مثلاً ـ إما أن يتوافرا، وبذلك يفيد منها الجميع دون استثناء، أو لا يتوافران وبذلك يكون الجميع معرضاً للاعتداء عليه. ولذلك فإن مثل هذه الخدمات لا يمكن توفرها إلا من خلال الدولة. فلا أحد مستعد لتحمل تكلفة تقديم هذه الخدمات للآخرين، وهو يعرف أن أحداً لن يقبل طوعاً أن يدفع تكلفة أدائها، لأن هذه الخدمة (الأمن مثلاً) متى قدمت فإن الجميع سوف يفيد منها، فلماذا يتحمل التكلفة إذن؟ وهكذا جاء مفهوم “الدولة” لاعتبار اقتصادي بحت، وهو أن هذه الخدمات العامة ـ مثل الأمن والدفاع والعدالة ـ إما أن تتوافر فيفيد منها الجميع دون استثناء، أو لا تتوافر فيعاني من نقصها الجميع دون تفرقة. فهذه سلع أو خدمات لا تقدم لكل فرد على حدة، وإنما هي تقدم للمجتمع في مجموعه الذي عليه أن يتحمل ـ في مجموعه ـ هذه التكلفة. ولذلك قام مفهوم “الدولة” على أمرين متلازمين، الأول هو أن الدولة حدها تقدم السلع والخدمات العامة، والأمر الثاني هو أن الدولة تقتطع من الأفراد ـ جبراً عن طريق الضرائب ـ تكلفة أداء هذه الخدمات. وهكذا، فهذه الخدمات العامة هي مسئولية الدولة وهي تقتطع تكلفتها من الأفراد جبراً عن طريق الضرائب.  

 ويقصد بتوفير “العدالة” في معناها الوضعي والعملي هو احترام تنفيذ القوانين. وتحقيق “العدالة” بهذا المعنى هو المسئولية الأساسية للدولة ومبرر وجودها. ولا تملك الدولة التنازل لبعض الأفراد عن هذا الحق، بتركهم يقومون ـ دون تفويض قانوني ـ بتنفيذ عدالتهم الخاصة. ولا يعتبر هذا اعتداء على حقوق “الدولة” فقط، وإنما يمثل أيضاً إخلالاً بمفهوم العدالة نفسه وتعريض المواطنين لحالة من القلق والفوضى. فأهم ما يميز عدالة الدولة هو أنها مقننة في شكل قواعد وقوانين معلنة وواضحة للجميع. أما العدالة الخاصة فإنها تمثل رؤية شخصية لكل فرد (أو جماعة) لما يعتقد أنه القواعد الأخلاقية أو العقائدية الأولى بالرعاية، فهي أمور قد تختلف من شخص لآخر، وبذلك توقع المواطنين في حيرة حول القواعد الواجب احترامها. وهكذا فإن صدور القوانين بشكل واضح ومعلن، واحتكار الدولة لفرض احترام هذه القوانين، يجعل من “العدالة” مفهوماً اجتماعياً محدداً، وليس مجرد أفكار عامة هائمة.

 ليس معنى ما تقدم أن قوانين الدولة تكون دائماً عادلة أو ملائمة، بل العكس هو الصحيح. فكثيراً ما لا تلبي هذه القوانين تطلعات الشعوب إلى العدالة والإنصاف. ولكن الطريق إلى إصلاح ذلك يكون بمحاولة تعديل القوانين القائمة وبما يجعلها أكثر ملاءمة لاحتياجات الناس وتطلعاتهم. وتتضمن كافة الدساتير والقوانين بيان إجراءات تعديل القوانين السارية. أما محاولة الإصلاح عن طريق فرض “العدالة الخاصة” بمقولة أن هذا يتفق بشكل أفضل مع المبادئ والقيم الأخلاقية أو العقائدية، فإنه ينطوي على إهدار لمفهوم “الدولة”، واعتداء على حقوق المجتمع، وتفريط للعدالة نفسها بفتح الباب للفوضى.

 وفي بداية بناء الدول الإسلامية، وحيث لم يكن قد اكتمل شكلها، واجه الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه، مشكلة بصدد ما عرف بحروب الردة، حيث تحفظت بعض القبائل ـ ضمن أمور أخرى ـ على دفع الزكاة لبيت المال، بالقول بأنها “كانت تدفع الزكاة لمحمد في حياته” وأنها سوف تقوم بعد ذلك بتوزيع هذه الزكاة بنفسها. فرفض أبو بكر لأن هذا حق المجتمع. فالمجتمع يحصل الزكاة كما أنه يقيم العدالة، وأي خروج على ذلك هو اعتداء غير جائز على مفهوم “الدولة”.

إقامة العدالة هي أحد حقوق المجتمع وأحد أهم واجباته أيضاً، وليس لأحد أن ينتزعها لنفسه، أيا كانت المبررات. وقد تبدأ هذه الدعوة بدافع الحرص على الفضيلة أو القيم العليا، لكنها تنتهي إلى تعريض المجتمع إلى الفوضى وانعدام العدالة نفسها.       والله أعلم.

 الشروق 15 ابريل 2011

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *