العراق.. هل يعيد التاريخ نفسه؟

كنت أقرأ كتاباً حديثاً عن حياة البريطانية الآنسة جرترود بيل  G.Bell والتي قيل أنها كانت وراء إنشاء دولة العرق الحديثة بحدودها القائمة وذلك بعد الحرب العالمية الأولى. و جرترود بيل هي، مع لورانس- المعروف بلورنس العرب -، أشهر الأسماء البريطانية والتي لعبت دوراً سياسيا هاماً في رسم خريطة الشرق العربي. والسبب في عنوان مقال اليوم هو ما أورده الكتاب المذكور عن أوضاع العراق بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، بعد تقهقر الجيوش التركية من الأراضي العراقية وتقدم القوات البريطانية لاحتلالها. وهي أوضاع تشابه الأوضاع الحالية للعراق. كان الحكم التركي حكماً ظالماً وبائساً ومتخلفاً، ولم يكن العراق حتى ذلك الحين معروفاً كوحدة سياسية متفق عليها، وإنما كان يتكون من ثلاثة أقضية هي قضاء البصرة، وكان يطلق عليه العراق ويشمل الكويت أيضا، وذلك بالإضافة إلى قضاء بغداد، وقضاء الموصل. وكانت فكرة إنشاء دولة واحدة في العراق تضم هذه الأقضية الثلاثة ترجع إلى الآنسة / جرترود بيل ، والتي كانت قد تجولت في المنطقة في بداية القرن العشرين وتعرفت إلى القبائل العربية وعاشت معها، وكانت تجيد العربية، حتى أنه أطلق عليها “بنت الصحراء”، واستقرت بعد ذلك في العراق حتى وفاتها، وكانت تعرف باسم “الخانوم” ولعبت دوراً سياسياً مرموقاً، وعملت بقوة على تولية فيصل بن الشريف الحسين ملكاً على العراق.

وعندما تتحدث الكاتبة عن أوضاع العراق بعد انسحاب القوات التركية، فإن القارئ يتصور أنها تصف أوضاع العراق الآن وبعد سقوط حكم صدام حسين. كان الحكم التركي مستبداً، تماماً كما أصبح الحال مع حكم صدام. وعندما سقط الحكم التركي وزال فقد تبدى العفن والتفسخ في أوضاع البلاد وتكشفت أوضاع الفساد والإهمال التي خلفها هذا الحكم المستبد. وفي هذا تتشابه التركة التي خلفها الحكم العثماني المستبد مع ما خلفه حكم صدام المستبد من أوضاع مهلهلة، الأمر الذي يقطع بأن أخطر ما يترتب على حكم الاستبداد لا يقتصر على ما يفرضه على البلاد من ظلم وفساد أثناء حكمه وإنما فيما يخلفه من تركة عفنة بعد زواله. فالاستبداد ليس مجرد حكم ظالم، ولكنه-وهذا هو الأخطر- قنبلة زمنية تنفجر بعد سقوطه وزوال سلطته القابضة فينكشف الغطاء عن فساد في الذمم وتدهور في المرافق وانهيار في الخدمات والمؤسسات. فالاستقرار الظاهر في ظل الحكم الاستبدادي يتحول إلى فوضى شاملة بعد زواله، فهو استقرار كاذب مفروض بقوة الحديد والنار، ولكنه يخفى في باطنه ثورة مكبوتة ما تلبث أن تنفجر عند أول فرصة، ويكشف عن عفن متراكم يطفح على السطح بمجرد زوال أسباب الخوف. وكان الحكم التركي فضلاً عن ذلك يضطهد أيضاً الأغلبية الشيعية حيث كان الأتراك يتحيزون للسنة على حساب الشيعة. وجاء صدام السني مكرراً نفس السياسة في التمييز الطائفي ضد الشيعة. وهكذا لم يكن غريباً أن تسقط العراق عند انهيار الحكم التركي في بداية القرن العشرين في فوضى طائفية عارمة بين سنة وشيعة وعرب وأكراد، وقتل جماعي وفردي، وعصابات خارجة على القانون، تماماً كما يحدث الآن بعد سقوط نظام صدام. فما نراه الآن من نزاعات طائفية واضطهاد بين فئات المجتمع واختلال في الأمن في العراق ليس أكثر من صورة مكررة لما عرفه العراق قبل قرن من الزمان.

ولعل الفارق الوحيد هو أن السلطة العسكرية الأجنبية المحتلة الآن هي من القوات الأمريكية ، بعكس ما حدث منذ قرن حين كانت القوات المحتلة من البريطانيين. وهو فارق ليس بالقليل. ويكفي أن نقارن الأوضاع الأمنية في البصرة في ظل الاحتلال البريطاني مع الأوضاع في بغداد مع الوجود الأمريكي. فالإنكليز، ولهم خبرة طويلة في التعامل مع الشعوب، كانوا يغلبون النظرة التاريخية السياسية على مقتضيات الحكم العسكري. فكان الحاكم البريطاني المقيم بعد سقوط الحكم العثماني هو أحد المستعربين (السير برسي كوكس P. Cox)، وقد عايش المنطقة لفترة طويلة ولعب دوراً مؤثراً في نجاح ثورة بن سعود في نجد.ولذلك رأى السير كوكس الاستعانة بالآنسة جرترود بيل، والإفادة من خبرتها، وهي بدورها متخصصة في الشئون العربية، للوصول إلى حل سياسي لمشكلة العراق،  بدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية وحدها أو على أفكار البيروقراطية الموجودة في الخارج. وقد نصحت الآنسة بيل بضرورة العمل على إقامة حكم وطني عراقي يتمتع بالقبول العام من القبائل والطوائف المختلفة. ورأت في فيصل بن الشريف حسين ما يمكن أن يحقق توافقاً عاماً بين العراقيين، فهو، وإن كان من أهل السنة فإنه أيضاً من النسل الهاشمي وبالتالي يمكن أن يلقى قبولاً من العشائر الشيعية. وكان السير برسي كوكس قد قام بدور هام في مساعدة بن سعود على تثبيت أقدامه في نجد بعد انتصاره – بمساعدة البريطانيين- على القضاء على حكم بن رشيد. وهكذا استغل كوكس علاقاته مع بن سعود في تأمين الحدود العراقية ضد الهجمات القادمة من شبه الجزيرة العربية. وكان فيصل بن الحسين عروبياً ورفض الحماية البريطانية وأصر على معاهدة بين البلدين بدلاً من الانتداب، فتمتع بشعبية كبيرة. وهكذا جاء الإنكليز بحكم مقبول من العراقيين مع ضمان استقرار الحدود وحسن الجوار مع الدول الأخرى. فكيف تصرف الأمريكيون بعد قرن من الزمان؟

أعد لعملية الغزو طغمة من المثقفين الموالين لإسرائيل وبدون خبرة سابقة بالمشرق العربي من أمثال رتشارد بيرل وولفووتز ودوجلاس فيث، وليس لأحد منهم معرفة باللغة العربية أو بالتاريخ العربي، وربما الوحيد الذي يعرف هذا التاريخ هو برنارد لويس حيث كانوا يستعينون به من وقت لآخر ، ومع ذلك فيبدو أنه رغم معرفته العميقة بالمنطقة إلا أن اهتمامه بإسرائيل ومصالحها كان أعمق من أي اعتبار آخر. كذلك رأى الأمريكيون الاستعانة بصديقهم الشيعي أحمد جلبي، والذي لم تكن له شعبية حتى بين أهل الشيعة، فأين أحمد جلبي من فيصل بن الحسين والذي قاد جيوش الثورة العربية من أجل الاستقلال؟ كذلك وقع الأمريكيون في مأزق مع إيران المجاورة وهم في أشد الحاجة إلى معاونة الدول المجاورة.

المأزق العراقي المعاصر يكاد يكون تكراراً لما حدث في نفس المكان منذ قرن من الزمان مع استثناء وحيد هو أن القوة العسكرية هي الآن مع الأمريكيين بدلاً من البريطانيين. والأمريكيون يديرون المشكلة في العراق بأسلوب هواة معتمداً على القوة العسكرية وبأجندة يغلب عليها –فيما يبدو- الهواجس الإسرائيلية من المخاطر الإيرانية، في نفس الوقت الذي يظهر فيه العجز العربي بأبشع درجات ضعفه. فلا غرو أن يدفع الشعب العراقي ثمناً باهظاً من العذاب والقتل والتشريد.

ليس صحيحاً أن التاريخ يعيد نفسه. حقاً أننا نشاهد نفس الأحداث وعلى نفس المسرح، ولكن الأمريكيين ليسوا بريطانيين، كما أن إسرائيل لم تكن موجودة. وأما العرب فإن وجودهم الآن لا يعني الكثير.

والله أعلم.

الاهرام 20 يناير 2008

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *