العروبة إضافة وليست خصما من الوطنية المصرية

مرت مصر خلال الخمسين سنة الماضية بظروف قاسية وعرفت خلالها محنا بالغة الشدة، لعل أخطرها هزيمة 1967 والتي لم نتخلص من كافة تبعاتها حتى الآن. وفي مثل هذه الأحوال فانه من الطبيعي أن تثار جميع القضايا ويعاد طرح العديد من الثوابت والمسلمات. وفي هذا السياق ظهرت بعض الأصوات التي تعيد طرح مناقشة انتماء مصر العربي مؤكدة على الانتماء للوطنية المصرية، كما لو كان هناك تعارض بين الأمرين، أو أن اختيار أحدهما يعني التضحية بالآخر.

وقضية الانتماء أو الهوية قضية معقدة وتثير العديد من الأمور الملتبسة، وبقدر ما يمكن أن تكون الهوية عنصر إثراء وقوة، فقد تصبح سببا للكراهية والصراع .فكثيرا ما كانت الهوية أو الانتماء نوعا من الهوس الذي يؤدي إلى التعصب وكراهية الآخرين.فالهوية أو الانتماء يصبح عندها  طاقة عنف ضد الغير قبل أن يكون تعاطفاً وتماسكاً فيما بين أهل البيت. وبذلك تصبح الهوية قوة تدمير وإذكاء للكراهية والبغضاء وإثارة للعنصرية والتمييز.ولكن الانتماء والهوية هما أيضا قوة إيجابية تعطى للحياة معنى  ومشاركة مع الآخرين ودفعا للعمل الجماعي من اجل أهداف مشتركة. ولذلك فان الحديث عن الانتماء والهوية ينبغي أن يتسم دائما بالاعتدال والنسبية وعدم المبالغة أو الإفراط،. فإذا ظل الانتماء في الحدود المعقولة والمعتدلة – فانه قد يزيد من حماس الفرد ويبعده عن اللامبالاة والأنانية، كما قد يشعره بالدفء والتعاطف مع الآخرين وبالتالي يزيد من إنسانيته وحسه الجماعي. وهكذا فان الحديث عن الانتماء والهوية ينبغي أن يؤخذ دائما باعتدال وبقلب مفتوح على الآخرين ، وإلا انقلب مع المبالغة والإفراط إلى نقمة واصبح مصدرا للقلق والاضطراب.

ولذلك فان نقطة البدء في الحديث عن الانتماء أو الهوية هو أن يكون ذلك باعتدال وعدم مبالغة.  واحد مظاهر هذه النظرة المعتدلة للأمور هي الاعتراف بتعدد الانتماءات أو الهويات للفرد . فالإنسان بطبيعته متعدد الأبعاد،  ولذلك لا يمكن حصره في بعد واحد يمثل هويته أو انتماءه الوحيد. الإنسان يعيش في زمرة أهله وعشيرته ويرتبط بهم كما يرتبطون به، ولذلك فلايمكن تجاهل انتمائه إلى عائلته وأهل عشيرته ،  كما أنه يعيش في مدينة أو قرية يرتبط بها وبأهلها وله معهم وشائج وعلاقات. فهو ابن القرية أو المدينة تربطه بها وبأهلها ذكرياته وعلاقاته الشخصية، ثم تتسع الدائرة إلى الوطن في مجموعة، فهذا مصري يعتز بمصريته وذلك فرنسي يفخر بفرنسيته. ولكن كلاً منهما ينتمي أيضا إلى حضارة أو ثقافة أوسع من الوطن. فالمصري عربي أيضا كما أن الفرنسي أوربي .

ولكن الفرد له عقائده الدينية وأفكاره السياسية، ولابد أن يلتقي فيها مع غيره ممن يشاركونه هذه العقائد والأفكار.فالمسلم يأتنس بالمسلم في الجامع وتجمعهما رؤية دينية مشتركة، كما يتلاقى المسيحي مع المسيحي في الكنيسة وحيث تتفق تعالمهم الدينية. ومع ذلك فليس من الضروري أن تتفق آراؤهم السياسية لمجرد انتمائهم  لنفس الديانة، فقد يكون لأحدهم رؤية يسارية في حين أن زميله في الدين أميل إلى المحافظة في آرائه السياسية.

ولكن الحياة ليست مجرد مكان نعيش فيه أو ديانة نؤمن بها أو مذهب سياسي ننتمي أليه ، فهذا مهندس تشغله مهنته ويجمعه مع غيره من المهندسين اهتمامات مهنية هندسية، وذلك طبيب يشعر بألفة أكثر في صحبة زملائه الأطباء واهتماماتهم المشتركة‘ فهذا عضو في نقابة أو جمعية علمية وذاك عضو في نقابة أو جمعية مختلفة تماماً. وماذا عن الرياضة؟  فهناك من  يهتم بكرة القدم أو بمتابعة مباريات التنس، ولكل منهم تفضلات. وماذا عن حب السينما والمسرح، والشعر والفنون الجميلة؟ وبذلك تتعدد الاهتمامات وبالتالي الانتماءات. ولا تعارض أو تناقض بين هذه الانتماءات المتعددة. و هكذا تتعدد الانتماءات وتتقاطع ولا يعيش الفرد في أفق واحد محدود مهما بلغ من أهميه. أما إذا عاش الفرد لفكرة واحدة، مهما كانت عظيمة في ذاتها، فانه لابد وان ينحصر في حيز ضيق الأفق، شديد التطرف، بالغ التعصب ، كارها لمعظم الآخرين الذين لا يشاركونه فكرته الوحيدة. وهذا ليس انتماء أو هوية بل هو هوس إن لم يكن جنوناً.

وبعد هذه المقدمة الطويلة أعود إلى قضية الانتماء العربي لمصر. فهناك من يرى أن الانتماء العربي لمصر إنما هو بعد يضاف إلى أبعادا أخرى. فالوطنية المصرية أصيلة وقديمة و متجذره في القلوب، ولكن هذا لا يمنع من أن يقوم إلى جانبها  انتماء عربي أوسع وأشمل، كما لم تمنع هذه الوطنية من الشعور بالجذور الأضيق،  فهذا صعيدي وذلك منوفي وثالث سكندري. فليس الصعيدي أقل مصرية من المنوفي أو السكندري، وبنفس المنطق الانتماء العربي لايعني خصما  من الوطنية المصرية.

ولكن هناك تيارا آخراً يرى أن الانتماء العربي إلغاء أو إنقاص للوطنية المصرية، بل ويذهب البعض إلى القول بأن ارتباط مصر بالعروبة قد كلفها الكثير، وأن العروبة كانت عبئا على مصر أكثر منها كسباً، أو أن أوضاعها الاقتصادية والسياسية كانت ستكون افضل فيما لو تخلصت من هذا الانتماء العربي.

وشخصيا لا اعتقد أن العروبة تنطوي على مفهوم عرقي أو عنصري بقدر ما هي تاريخ ثقافي وحضاري مرتبط باللغة العربية وقد دخلت في الوجدان المصري منذ أن اختارت مصر اللسان العربي كأداة للتخاطب والتفكير. كذلك فان هذا المفهوم ليس  تعبيرا دينياً رغم إن الفكرة العربية نشأت في وسط إسلامي وتأثرت به، بل أن الدعوة  المعاصرة للعروبة جاءت في القرن العشرين بشكل خاص على أيدي رواد من المسيحيين العرب في بلاد الشام ،كما وضعت  القواميس العربية الحديثة على أيدي العديدين منهم، فقد كان هؤلاء رواد الفكر العربي.

وليس الغرض من هذا المقال نقل اعتقاداتي الشخصية إلى القراء، فهذا أمر لأيهم ، و إنما الغرض هو  مناقشة المقولة بأن مصر تحملت بسبب هذا الانتماء العربي خسائر وتضحيات عالية كان يمكن تجنبها لو ابتعدنا عن العروبة.  وفي نظري أن العكس تماما هو الصحيح وأن مصر حققت مكاسب هامة سياسية واقتصادية نتيجة لانتمائها العربي خلال الخمسين سنة الماضية. كذلك هناك من يعتقد أن عروبة مصر هي اختراع جاء به عبد الناصر، وان مصر دفعت من اجل هذا الهدف السياسي اكثر مما حققته من ورائه، هو أيضاً غير صحيح.

والحق أن عروبة مصر اعمق واقدم من عبد الناصر، بل أن عبد الناصر اكتشفها بشكل واضح خلال أزمة السويس 1956. فحتى هذا التاريخ لم تكن القومية العربية جزءاً واضحاً في الخطاب السياسي المصري، واكثر ما ورد في هذا السياق هو الإشارة إلى  الدوائر الثلاث في كتيب ” فلسفة الثورة ” الذي كتبه الأستاذ هيكل باسم عبد الناصر ، (دائرة عربية ، ودائرة إسلامية، ودائرة أفريقية) . ولم تظهر الدعوة إلى القومية العربية في أحاديث عبد الناصر إلا بعد تأميم القناة . إذ عندها اشتعلت المنطقة العربية من أقصاها إلى أقصاها مساندة لمصر. وبعد احتلال سيناء من جانب إسرائيل خلال العدوان الثلاثي على مصر، ونزول البريطانيين في بور سعيد،  فان التدخل الأمريكي اضطر قوى العدوان على الانسحاب. وجاء هذا الموقف بسبب مصالح  الولايات المتحدة إزاء المنطقة العربية في مجموعها ، وما رأته الإدارة الأمريكية من أن العدوان لم يكن عدواناً على مصر بل كان  عدواناً على الأمة العربية في مجموعها  التي تحركت في كل المدن العربية منددة بالعدوان حيث قطعت أنابيب البترول وهددت حركة إمدادات البترول. فتدخلت الولايات المتحدة بقوة من اجل حماية مصالحها في المنطقة العربية وليس من أجل مصر وحدها. فالعدوان الثلاثي على مصر-  في نظر أمريكا – كان عدواناً على الأمة العربية، ولم تكن أمريكا في هذا الوقت على استعداد لاستعداء الأمة العربية. وهكذا أدى الانتماء المصري للامة العربية إلى  تدخل المجتمع الدولي من اجل الأمة العربية وليس من اجل مصر وحدها.  وهذه هي بداية حديث عبد الناصر عن القومية العربية، وذلك عندما اكتشف – بالتجربة – أن مصر تكسب الكثير بانتمائها العربي.

وفي أعقاب حرب 1967 البائسة، كان الدعم العربي – في الخرطوم – وخاصة من الملك فيصل عدو عبد الناصر اللدود ، عاملاً أساسيا في الصمود المصري. وذلك لان الملك فيصل اكتشف – كما اكتشف عبد الناصر من قبل – ارتباط مصر بالعروبة وبالتالي استحالة التخلي عنها في مواجهة  الشعور العربي الجامح المتطلع لمساعدة مصر العربية في أزمتها. وهنا أيضا مصر حققت كسباً جديداً آخراً بسبب انتمائها العربي.

ونأتي إلى حرب 1973 حيث ساعدت الأموال العربية بقدر هائل  في تمويل إعادة تسليح الجيش المصري. ولكن إذا كان عبور القوات المصرية للقناة وإنجازها العسكري الكبير سببا في انتصار أكتوبر ، فلايمكن أن ننسى إن قرار الملك فيصل بتقييد وتخفيض إنتاج النفط ووضع قيود على الصادرات النفطية إلى الولايات المتحدة وهولندا، كان له تأثير هائل على المجتمع الدولي . ثم جاء قرار أوابك  في 16 أكتوبر برفع أسعار النفط . كل هذا جعل من انتصار الجيش المصري وعبوره القناة قضية عالمية مرتبطة بمدى توافر مصادر الطاقة وبالتالي بمدى إمكان استمرار الازدهار الاقتصادي العالمي. ولذلك فان الفضل في نصر أكتوبر يرجع إلى شراكه كاملة بين أداء متميز للجيش المصري وموقف شجاع من الدول العربية يربط إمدادات النفط بتأمين الوضع العسكري المصري. وهنا أيضا استفادت مصر من انتمائها العربي.

 وبعد حرب أكتوبر وبداية إعادة تعمير منطقة قناة السويس تدفق الدعم المالي العربي بقوة، وتقرر في مؤتمرات القمة العربية تخصيص ألف مليون دولار سنويا لمصر إضافة للمعونات التي جاءت مباشرة من الدول الشقيقة. وتعددت ودائع الدول العربية بالعملات الأجنبية في البنك المركزي المصري ( السعودية ، الكويت ، الإمارات ) و أنشئت هيئة التصنيع العربية للأغراض العسكرية. وبدأت تتدفق الاستثمارات العربية على مصر، وان توقفت بعد توقيع اتفاقية كامب دافيد.

ومنذ حرب أكتوبر وحتى هذه اللحظة كان اكبر مصدر للعملات الأجنبية في مصر هو تحويلات العاملين من الدول العربية، لان الدول العربية فتحت أبوابها بشكل كبير و مستمر للعمالة المصرية. وبعد حرب الخليج الأولى ( غزو العراق للكويت)، كانت العلاقات العربية قد عادت وتنازلت دول الخليج عن ديونها لمصر ( أكثر من سبعة آلاف مليون  دولار) مع الإصلاح الاقتصادي في 1992 فضلا عن معونات إضافية قدمت للحكومة المصرية. و الآن فان اكبر استثمارات أجنبية  يستقطبها الاقتصاد المصري تأتي من الدول العربية،وعينها على مصر العربية.

قد نختلف في قراءة التاريخ أو في فهم رؤية الشعوب وحقيقة انتماءاتها القومية. ولكن القول بان مصر تحملت الكثير من اجل العروبة أمر يخالف الحقيقة. مصر كسبت اقتصاديا – ولا تزال – من انتمائها العربي، وربما لاتقل مكاسبها السياسية عن ذلك.

حقاً أن الانتماء العربي لمصر ليس مسالة مكسب وخسارة ولكن إذا كان الحديث عن المكاسب والخسارة ، فالأمور تبدو واضحة.

والله اعلم

الاهرام 24 يونيو 2007

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *