العلاقات الملتبسة بين أمريكا والشرق الأوسط

الانطباع الغالب عند معظم المراقبين هو أن اهتمام الولايات المتحدة بالشرق الأوسط هو أمر حديث نسبياً قد يرجع إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية فقط ، أما قبل ذلك فإن ما أطلق عليه “الشرق الأوسط” فقد كان هماً أوربياً بحت. وربما بدأت العلاقة مع أوربا عند ظهور الإسلام نفسه ثم مع توسعه إلى أطراف أوربا في الغرب مع إنشاء دولة العرب في الأندلس في بداية القرن الثامن مما خلق توتراً بين الطرفين، ثم عاد التوتر مرة أخرى مع الغزوات العكسية من أوربا مع الحروب الصليبية منذ القرن الثاني عشر، وتجدد الصراع مرة ثالثة مع الصحوة الجديدة للدولة الإسلامية منذ القرن الرابع عشر حين بدأ التوسع العثماني على أطراف شرق أوربا في البلقان ووسط أوربا ، وذلك قبل أن تعود أوربا من جديد لاستعمار معظم بلدان الشرق الأوسط في القرن التاسع عشر. وإلى جانب هذه الغزوات المتبادلة، فقد كانت التجارة مستمرة بين الطرفين طوال هذه القرون. وفي كل هذا لم تظهر أمريكا بشكل واضح في هذه العلاقة إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لمواجهة خطر التوسع السوفيتي من ناحية، وحماية مصالح النفط من ناحية ثانية، وأضيف إلى ذلك ضمان وجود إسرائيل بعد إنشائها. هذا هو الانطباع الغالب عن علاقة أمريكا بالشرق الأوسط. فهل هذه هي كل القصة؟

في كتاب حديث عن “القوة والعقيدة والأوهام” يتناول المؤلف الإسرائيلي/ الأمريكي أورين استعراضاً لعلاقات الولايات المتحدة بالشرق الأوسط، مبيناً أن هذه العلاقات قديمة، وقد بدأت منذ استقلال أمريكا. والكتاب استعراض عريض وشامل لأشكال العلاقات بين أمريكا والشرق الأوسط من خلال ثلاثة محاور أوردها الكاتب في العنوان، وهي على التوالي، “القوة”، و”العقيدة”، و”الأوهام” (وربما الأفضل تعريب الكلمة “فانتازيا” Fantasy). فأما الحديث عن “القوة” فهو حديث عن “المصالح الاقتصادية” والدفاع عنها بكافة الوسائل السلمية والعسكرية. وأما “العقيدة” فهي تعبير عن تأثير العقيدة الدينية، وخاصة البروتستانتية المستمدَّة من القصص التوراتية عن الأراضي المقدسة، كما يدخل فيها أيضاً أحياناً “مبادئ الديمقراطية والحرية”. وأخيراً “فالفانتازيا” تشير إلى الشوق إلى “سحر الشرق” أو أساطير “ألف ليلة وليلة”، أو تاريخ الفراعنة وحضارات ما بين النهرين.

وبصرف النظر عن مدى موضوعية الكاتب، فإن الكتاب يزخر بثروة هائلة من الوقائع والأحداث التي تبين أن ما نراه الآن من سياسات أمريكية له جذور قديمة في التاريخ الأمريكي. وقبل أن نتعرض لبعض لمحات الكتاب فقد يكون من المناسب الإشارة إلى ملاحظة أو ملاحظتين. أما الملاحظة الأولى، فهي الالتباس الشديد في دوافع السياسة الأمريكية بين “المبادئ” و “المصالح”. وكان كيسنجر قد أشار في كتابه عن “الدبلوماسية” إلى التردد في السياسة الأمريكية الخارجية بين محورين، الأول هو “المثالية” كما يمثلها ودرو ولسن، والثاني هو “البرجماتية” أو الواقعية والتي يعبر عنها تيودور روزفيلت. وأما الملاحظة الثانية والتي تميز المجتمع الأمريكي، فهي الجمع بين أمرين يبدوان متعارضين، فأمريكا، هي –ربما- أكثر الدول علمانية في فصلها الكامل بين الدولة والكنيسة، ومع ذلك فإن مواطنيها هم من أكثر الدول تديناً. وهكذا نلحظ على السياسة الأمريكية التباسا مستمراً وتوتراً دائماً بين “المبادئ” و”المصالح” من ناحية،  مع حرص كبير على مفهوم العلمانية رغم التأثر الشديد بالتعاليم الدينية من ناحية ثانية. وبعد هذه الملاحظات العامة فماذا عن علاقة أمريكا بالشرق الأوسط؟

جاء تعبير “الشرق الأوسط” لأول مرة في مقال للأمريكي ألفريد ماهان عام 1902.  وأما اهتمام أمريكا بالشرق الأوسط فقد بدأ مع ولادة الجمهورية الجديدة واستقلالها عن التاج البريطاني. فقبل الاستقلال، كانت البحرية البريطانية –وهي سيدة البحار- تحمي تجارة مستعمراتها في أمريكا. وبمجرد الاستقلال وجدت الدولة الجديدة سفنها التجارية عارية من كل حماية عسكرية. وكان يسيطر على مداخل البحر المتوسط في شمال إفريقيا قبائل وممالك عربية وبربرية، وكانوا يتعرضون للسفن المارة أمامهم من غير الدول الإسلامية، ومن هنا أطلق عليهم الغربيون اسم “قراصنة البحر”، وأن كان جيفرسون، ثالث رؤساء أمريكا، قد وصفهم “بكلاب البحر”. ولم يكن أمام أمريكا –وهي لاتملك أية قوة بحرية في ذلك الوقت- سوى أن تحاول إرضاء هؤلاء القراصنة بدفع “أتاوات” أو “رشوة” لهم، لضمان عدم التعرض لسفنهم التجارية. وهكذا بدأت علاقة أمريكا بالشرق الأوسط “بشراء” سكوت قراصنة شمال أفريقيا. وربما بسبب هذه الأحداث أدركت الولايات المتحدة أن “حرية التجارة” وحدها لاتكفي وأنها تحتاج إلى قوة عسكرية لحمايتها. وهكذا فقد كانت هذه الأحداث مبرراً للمطالبة بتدعيم “السلطة المركزية” لحكومة الولايات المتحدة في مواجهة سلطة الولايات. ومع الاعتداءات على السفن الأمريكية في البحر المتوسط طلبت الحكومة المركزية منحها الحق في تكوين الجيوش والأساطيل مما أدى إلى تقوية الحكومة الفدرالية. وقد انعكس كل ذلك على الدستور الفدرالي في 1787.  وبالفعل نجحت الحكومة الأمريكية بعد سنوات في بناء أسطول قادر على محاربة سكان شمال أفريقيا فيما أطلق عليه آنذاك حرب البرابرة  BarbaryWar. وهكذا بدأت علاقة أمريكا بالشرق الأوسط لحماية المصالح التجارية الأمريكية بالمساومة حيناً وبالسلاح حيناً آخر. وهو نمط استمر في علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالمنطقة حتى الآن.

ولكن أمريكا ليست مجرد “تاجر” يبحث عن مصالحه. فأمريكا تعتقد أنها دولة ذات رسالة تدعو إلى “مبادئ” تؤمن بها. وقد ظهر ذلك بشكل واضح في منتصف القرن التاسع عشر فيما عرف بإيديولوجية القدر المكتوب لرسالة أمريكا Manifest Destiny(1840). ويمكن أن نميز في النزعة “المثالية” للرسالة الأمريكية بين اتجاهين غير متطابقين تماماً، يتوافقان أحياناً ويتعارضان أحياناً أخرى. الوجه الأول تغلب عليه مسحة دينية، في حين أن الوجه الآخر ذو توجه علماني بحت. أما الوجه الديني، فهو يرجع إلى أن معظم مواطني أمريكا هم من المسيحيين البروتوتستانت المتدينين والمتأثرين بقصص “العهد القديم” والتي تدور معظمها في الشرق الأوسط في الأراضي المقدسة بفلسطين. ولذلك فإن جزءاً من هذه الدعوة يعكس الارتباط الوجداني مع الأراضي المقدسة. ولكن لهذه النزعة التبشيرية وجهاً آخراً، حيث أن التاريخ الأمريكي يفخر بأن الولايات المتحدة هي أول دولة تدعو إلى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. فهذا جزء أصيل من رسالة أمريكا للعالم. وبالنسبة للمواطن الأمريكي العادي، فإنه لايرى تعارضاً أو “تناقضاً” بين هذين الوجهين. فهذا المواطن –وهو عادة بروتستانتي متدين- يعتقد أنه يؤمن بالدين الصحيح، وأن دينه يدعوه إلى المحبة والإخاء والسلام. ولذلك فإنه بدعوته إلى البروتستانتية وبقيمها فإنه يدعو أيضاً إلى الحرية والديمقراطية وإلى السلام. ولكن هذان الجانبان –في حالة الشرق الأوسط- يظهران كما لو كانا متعارضين. فالدعوة في توجهها الديني تحبذ إنشاء دولة لليهود في أرض فلسطين باعتباره وعداً من الرب، أما الرسالة في جانبها العلماني فإنها تتطلب احترام حقوق الأغلبية من السكان الأصليين (الفلسطينيين) وعدم تعريضهم للتشريد والاضطهاد.

وقد نجحت الحركات اليهودية وخاصة الصهيونية في استلاب واستثمار الجانب الديني في هذه النزعة “التبشيرية” لدى الأمريكيين. فاليهود، ليسو من المسيحيين حقاً ، ولكنهم أبناء عمومتهم، وكتابهم “التناخ” (ويشمل “التوارة” و”الأنبياء” وغيره)، هو “العهد القديم”  في الكتاب المقدس، وعودة اليهود للأراضي المقدسة هي، عندهم، وعد من الله. وقد عبر الطبيب الأمريكي جيمس ترنر –الذي ذهب إلى الأراضي المقدسة في منتصف القرن التاسع عشر للتبشير وتقديم الخدمات التعليمية- عبر هذا المواطن عن شعور الكثيرين قائلاً: إننا سنقف معكم (أي اليهود) لأننا سمعنا أن الرب معكم”.

وإذا كان اليهود قد نجحوا في استثمار الجانب الديني العقائدي للرسالة الأمريكية، فإن العرب قد فشلوا تماماً في استغلال الجانب الآخر العلماني من هذه الرسالة للديمقراطية وحقوق الإنسان. فالدعوة للحرية والاستقلال وحقوق الإنسان. لاتقل رسوخاً في الوجدان الأمريكي. ولعل أبلغ مثال لها ما أعلنه الرئيس ولسن لمبادئه الأربعة عشر قبل نهاية الحرب العالمية الأولى بالدعوة إلى تقرير المصير. ومن هذا المنطلق فقد ساعد الأمريكيون عدداً من الزعماء العرب المطالبين بالاستقلال الوطني، مثل التأكيد على ضرورة عودة الملك محمد الخامس إلى المغرب وحماية الحبيب بورقيبة وضمان سلامته، فضلاً عن تأييد الثورة الجزائرية، بل والاحتفال بحركة الضباط الأحرار في مصر عند قيامها. وكان الخديوي إسماعيل قد استعان بقواد أمريكيين في بناء الجيش المصري وفي فتوحاته الإفريقية، وبعد سحب عرض تمويل السد العالي، ألزمت أمريكا إسرائيل وحلفائها –إنجلترا وفرنسا- بالانسحاب من القناة وسيناء.

وهكذا فإن مانراه على الساحة الآن ليس إلا تكرار وإعادة لمشاهد سبق رؤيتها على المسرح الأمريكي نفسه. فما يعلنه جورج بوش الآن ليس بعيداً عما كتبه جده الأكبر، واسمه أيضاً جورج بوش، وقد ألف كتاباً بعنوان “رؤية السهل” (1844)TheValleyVision، دعا فيه إلى إنشاء دولة يهودية في فلسطين، وذلك قبل ظهور الحركة الصهيونية نفسها. وكان بوش الجد قد أصدر أيضاً كتاباً عن النبي محمد عليه السلام، ولم تكن أحكامه على الدين الإسلامي منصفة دائماً، وذلك على عكس الجنرال باتون الذي قاد القوات الأمريكية –بعد قرن من الزمان- في شمال أفريقيا ثم في أوربا، وقرأ القرآن ووجده “ملهماً ومشوقا”ً.

وحين ضرب الأسطول البريطاني مدينة الإسكندرية تمهيداً لاحتلال مصر في 1882، أعلن القس الأمريكي فيليب شاف من نيويورك “أن هذا انتصار للصليب على الهلال”، في نفس الوقت الذي أدانت فيه صحيفة لوس أنجلوس هذا “العمل المشين”، ورأى فيه القنصل الأمريكي في القاهرة وزميله في الإسكندرية مؤامرة بريطانية استعمارية.

وعندما دخلت أمريكا الحرب العالمية الأولى وأعلنت الحرب على ألمانيا (المسيحية)، فإنها لم تعلن الحرب على تركيا (المسلمة) حليفة ألمانيا في نفس الحرب.

وبعدما قامت دولة إسرائيل في عام 1948، انقسمت الإدارة الأمريكية على نفسها تعبيراً عن الازدواج في رؤية أمريكا لرسالتها للعالم. فوزير الدفاع آنذاك جيمس فورستال ووزير الخارجية جورج مارشال كانا معارضين لهذه الخطوة. وكان رأي فورستال أن مبادئ الديمقراطية تتطلب أن تكون إدارة فلسطين للأغلبية العربية. ولكن ترومان -الذي كان رجل سياسة أكثر منه رجل دولة- أيد إنشاء الدولة اليهودية لاعتبارات انتخابية، وكان شريكه في محل لبيع الملابس قبل أن يصل إلى الرئاسة -إيدي جاكبسون- قد أهاب به أن يساعد شعبه من اليهود، فاستجاب له ترومان، ثم ندم بعد ذلك. وهكذا نرى أن الالتباس في المواقف الأمريكية قديم.

وإذا كانت علاقة أمريكا بالشرق الأوسط تدور حالياً حول النفط وحماية إسرائيل مع انتفاضات بين الحين والآخر للدعوة للحرية والديمقراطية، فإن ذلك لم يمنع من أن يظهر على هذه العلاقة أحياناً بعض الشطحات والفانتازيا. فعندما برزت القوة الاقتصادية لأمريكا في نهاية القرن التاسع عشر، وجد المليونير الأمريكي ?اندربلت أن عظمة أمريكا تؤهلها لكي تقتني، هي الأخرى -كما لندن وباريس وروما- مسلة فرعونية. وطلبت الحكومة الأمريكية من مصر إهدائها مسلة، وكان أن سافرت مسلة كيلوباترة إلى أمريكا في 1880، واستقرت في نيويورك. بل أن تمثال الحرية على مدخل نيويورك بدأ بفكرة لدى المثال بارتولدي بعد عودته من رحلة إلى الأقصر ورؤية آثارها، فاقترح ضرورة إقامة تمثال ضخم من الجرانيت لفلاحة مصرية يقام على مدخل قناة السويس تحت عنوان “مصر منارة آسيا”. وعندما أفلست الخزانة المصرية وعجزت عن تمويل هذا المشروع، عرض المثال الفكرة على الأمريكيين بحيث تبني أمريكا قاعدة التمثال وتقدم فرنسا التمثال هدية لأمريكا. ومن يومها تقف هذه الفلاحة المصرية على مدخل نيويورك منارة للحرية.

أمريكا دولة كبيرة وبالغة التنوع. وقد نجح اليهود في استثمار تطلعات عدد كبير من الأمريكيين إلى الأراضي المقدسة وارتباطهم بها، ولم ينجح أي من العرب حتى الآن في استنهاض تطلع أمريكي آخر لايقل أهمية، اسمه الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. فهل نتعلم؟ الله أعلم!

الاهرام 11 مايو 2008

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *