العلمانية مع القراء

نظراً لأنني سوف أقوم برحلة عمل لعدة مهمات خلال الأسبوعين القادمين مما قد يصعب معه التفكير في موضوعات جديدة لمقالاتي القادمة، فقد رأيت – من باب الكسل العقلي – أن أكتفي في مقال هذا الأسبوع بنشر بعض التعليقات التي وردت لي عن مقالي الأخير عن العلمانية. فمعذرة. وقد أخذت ثلاثة نماذج من التعليقات التي وصلتني؛ أحدها يخالفني في الرأي، والآخر غير واضح ما إذا كان موافقاً أو مخالفاً، والثالث يوافقني الرأي. وكل هذه الرسائل وصلت عن طريق البريد الإلكتروني.

ولنبدأ بالرسالة المعارضة. وهي من السيد علي صلاح بعنوان “ملاحظات على مقالكم بالأهرام الأول من أبريل 2007”. وهذا هو نص الرسالة:

“تحية طيبة وبعد،

شكراً على مقالكم الهام في جريدة الأهرام يوم الأحد 1 أبريل. ولكن لي بعض الملاحظات أود فقط ذكرها لكم.

لا أوافقكم القياس على ما حدث في أوروبا في القرون الوسطى، فالقرون الوسطى كانت قرون جهالة في أوروبا، وما حدث بها من فصل بين الدين والدولة أو ظهور مصطلحات جديدة مثل العلمانية أو أي شيء آخر مما هو مازال الناس يتغنون به حتى الآن هو من قبيل الجهالة، كما أنني لا أتفق معكم في الفصل بين الدين والدولة في الإسلام، فالإسلام دين ودولة والمشكلة الكبرى أننا لا نفهمه، ولكن هذا ليس مبرراً فلا يجب أن نأخذ من فشلنا في فهم الإسلام سبباً لنداءات بالفصل بينه وبين الدولة.

نعم، أتفق معكم في أنه لا يوجد أحد معصوم من الخطأ ولا يوحد أحد وصى على آخر في الإسلام، ولكن يوجد من يسمون بأهل الذكر وهم الفقهاء والعلماء، وقد قال الإسلام فيهم “واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”، وقال أيضاً “العلماء ورثة الأنبياء”، وهذا يعني أن للعلماء والفقهاء وضع خاص في الإسلام، ورأيهم نعم اجتهاد كما ترون ولكنه رأي يجب الأخذ به، وإلا ستصبح الدنيا فوضى، كل منا يمشي ويسلك ما يراه من وجهة نظره، وهذا هو الحادث بالفعل حالياً، وهو ما أدى إلى ما نحن فيه من تخبط وضياع، وفقدان للقدوة والمثل الأعلى. وهذا يصدق على جميع المستويات بما فيها المستوى السياسي مستوى الدولة التي فصلت بالفعل بين الدين والدولة ففقدت السبيل وما نالها من ذلك إلا التخبط تارة تهرول وراء الاشتراكية والشيوعية فتفشل وتارة تهرول وراء الرأسمالية فتضيع، وتنسى الأصل وتنسى الإسلام النظام المتكامل الذي يؤسس الدولة على أساس متين يقدر الجانب الروحي والديني ويلتزم به بقدر ما يقدر الجانب الدنيوي ويسعى إلى النجاح فيه، وكانت الدولة الإسلامية وحضارتها مثال صارخ على ذلك، التي التزمت بالإسلام دين ودولة، وما أن تزعزع هذا الأساس حتى انهارت الدولة ولم تقم لها قائمة حتى الآن.  وشكراً.” نهاية الرسالة.

لست بصدد مناقشة هذا التعليق بالتفصيل، ولكن لا بأس من بعض الملاحظات مادمت قد أوردت نص رسالته. لعل الملاحظة الأساسية هنا هي أن القارئ وهو يعلن عن عدم اتفاقه مع ما جاء في مقالي – وهو أمر مشروع ومطلوب – فإن نقطة أو نقاط الاختلاف لا تبدو واضحة. ولنأخذ اعتراضاته واحدة بعد الأخرى. فأما عن النقطة الأولى، فهو يقول أنه “لا يوافق على القياس بما حدث في أوروبا في القرون الوسطى. وما حدث بها من فصل بين الدين والدولة، وظهور مصطلحات جديدة مثل العلمانية”. ولكن الحقيقة أن أحداً لم يقل أن العلمانية ظهرت في القرون الوسطى، بل كانت المقالة واضحة تماماً في التأكيد على أن العلمانية جاءت كرد فعل لنفوذ الكنيسة في العصور الوسطى، وظهرت في وقت لاحق مع حركة التنوير وذلك في القرن الثامن عشر وما بعده.

وننتقل إلى الاعتراض التالي، فيشير القارئ إلى أنه لا يتفق معي على “الفصل بين الدين والدولة”. ولكن لو أعاد قراءة المقال لما وجد عبارة واحدة تعرف العلمانية بأنها “فصل بين الدولة والدين”. فالمقال يؤكد منذ البداية بأن هذا المفهوم (العلمانية) “يتعلق بقضية الفصل بين الدولة والكنيسة، الأمر الذي ترجم عندنا – تجاوزاً – بأنه الفصل بين الدولة والدين”. فالحديث كله هو عن الفصل بين الدولة والكنيسة وليس الفصل بين الدولة والدين. والعبارة واضحة، “فالعلمانية” كما وردت في المقال هي ضد وجود سلطة دينية مقدسة أو معصومة من الخطأ. فهل يعترض القارئ على ذلك؟ ولذلك يؤكد المقال على أن “أمور السياسة والحكم هي من أمور الدنيا على الأرض وليس لأحد أن يدعى أن له تفويضاً من السماء أو أن سلطته مقدسة تتمتع بالعصمة”.

أما فيما يتعلق بالعلاقة بين العلمانية والأديان فقد أكدت المقالة على أن “العلمانية تحترم كل الأديان والمعتقدات ولا تتدخل في شئونها. كذلك فإنه من العبث إنكاراً أهمية الأديان في حياة الأفراد…” فالعلمانية – كما جاء في المقال – ليست ضد الأديان وإنما هي ضد “قيام سلطة دينية معصومة تستمد سلطتها من خارج البشر”.

وأخيراً يشير القارئ إلى “أهل الذكر”، فماذا جاء في المقال عنهم؟ أكدت المقالة على “أنهم في الإسلام رجال علم واجتهاد لهم أجرهم بقدر علمهم واجتهادهم”. “فمفهوم السلطة الدينية أمر غريب عن الإسلام”. ألا ترى معي أن هناك بعضاً من التناقض في قولك “رأيهم اجتهاد ولكنه رأي يجب الأخذ به”. يا أخي، المجتهد قد يخطئ أو يصيب، فإن أخطأ فله ثواب وإن أصاب فله ثوابان. لا “وجوب” مع احتمال الخطأ. الله أعطانا العقل لكي نميز ونختار “أفلا تعقلون”. والعلماء سند للعقل وليس بديلاً عنه، ولا عصمة لأحد. العلمانية تعلي من قيمة العقل الذي هو أثمن هدية من الخالق للبشر.

وأذكر هذه الملاحظة العامة على التعليق كمثال لما يدور في نقاشنا العام، فكثيراً ما ينسب المعلقون إلى الكاتب أموراً لم ترد على ذهنه ويختلفون معه في أشياء لم يذكرها. الحوار مطلوب واختلاف الآراء أمر ضروري للرقي والتقدم، وبشرط أن تتم الموافقة أو الاعتراض على ما جاء في الموضوع وعلى ما ورد على لسان المتحدث.

هذا عن الرسالة الأولى أما التعليق الذي لا يبدو موافقاً أو معارضاً فقد جاء من السيد ياسر، وهو يبدأ بالعربية قبل أن ينتهي بالإنجليزية. قد بدأت الرسالة على النحو التالي:

“الإسلام قد ترك أمور الدنيا في يد البشر وعلى مسئوليتهم وفي حدود قدراتهم”

وهذه العبارة وردت بنفس الألفاظ في مقالي المشار إليه، ويبدو أن القارئ أراد أن يعلق عليها، فوضعها في البداية باللغة العربية ثم أبدى تعليقه عليها بالإنجليزية، وذلك بالعبارات التالية بعد ترجمتها إلى العربية:

“عزيزي الدكتور حازم،

تعبر الأديان عن المراحل المختلفة في تاريخ وتطور دين الله الواحد. وكنتيجة لذلك فإن الطالب في المدرسة بعد أن تكتمل له القدرة على الفهم، فإنه يتقدم إلى المرحلة التالية في التعليم. وسؤالي لك هو الآتي: “كيف يمكن أن تسترجع حضارتنا السابقة؟ أين التعاليم الروحية للإسلام مثل الأمانة والثقة والكرم والرحمة إلخ… إذا كان الله قد ترك لنا الأمر لنقرر؟”

ومن الواضح أن التعليق يتجاوز موضوع المقال عن العلمانية ليناقش قضية فلسفية أخرى معقدة. ويبدو لي أن القارئ (ياسر) يتساءل كيف نصل وحدنا إلى التعاليم الروحية للإسلام إذا كان “الله قد ترك لنا تقدير الأمور؟” فالدين جاء هداية من الله للبشر. ولكن، هل يمكن أن يتحمل كل فرد المسئولية وحده في معرفة الطريق السليم، أم أنه يحتاج إلى سلطة دينية مقدسة ومعصومة لكي تحدد له المسار؟ هذا ما فهمته من تساؤل السيد (ياسر)، والسؤال بهذا الشكل يطرح قضية حرية الفرد ومسئوليته أمام الله. هل يمكن أن يتحملها وحده أم أنه يحتاج إلى سلطة دينية ترشده وتوجهه.

ورأيي أن الفرد له الحرية لأن الله حباه بالعقل، وبالعقل نستطيع الاختيار. والحرية مسئولية وليست نزوة. ومنذ عدة عقود، كتب الفيلسوف إيريك فروم Erich Frommكتاباً بعنوان “الخوف من الحرية”، لمناقشة قضية تخلي الفرد عن ممارسة حريته وبالتالي عقله، وعلاقة ذلك بظهور الدكتاتوريات. فالفرد وقد تحرر – في أوروبا – من سلطان الكنيسة، وجد نفسه فجأة مسئولاً عن تصرفاته بدون توجيه أو إرشاد من الكنيسة، وأنه عجز في كثير من الأحوال عن تحمل هذه المسئولية الجديدة مما أدى إلى قيام الدكتاتوريات الأوروبية في القرن العشرين من فاشية أو نازية أو شيوعية. فهذا الإنسان الأوروبي كان قد استعذب التخلي عن حريته وعقله وخضع تماماً لسلطة الكنيسة، ولذلك وجد نفسه – بعد تراجع دور الكنيسة – حراً ومسئولاً وحده عن تصرفاته، فاستهول الأمر وهرب من تحمل مسئوليته وذلك بالتنازل لدكتاتور يتصرف باسمه وتحت مظلة أيديولوجية دنيوية – تكاد تصبح ديناً – اسمها الفاشية أو النازية أو الشيوعية. فالحرية مسئولية، وهناك من يخشى من تحمل هذه المسئولية. وسؤال السيد (ياسر) – إذا كنت قد فهمته على النحو الصحيح – هام ولكنه لا يتعلق بالمقال وربما يجد إجابة عنه في مناسبة أخرى.

وأخيراً نأتي إلى الرسالة الأخيرة التي لم تعترض على المقال، وهي بتوقيع “أحلام”، وهي تبدي موافقة على ما جاء في المقال، ولا يتطلب الأمر مني لها أكثر من الشكر والامتنان، ولا بأس من نشر التعليق كما جاء دون تعديل:

“دكتور حازم أريد أن أشكرك (شكر عميق) على مقال اليوم ففيه المختصر المفيد عن العلمانية وشرح مبسط لبعض العقول المريضة التي تدعو بكفر العلمانية بالأديان، فمن خلال هذه الكلمات القليلة استطعت أن توضح ما معنى مقولة الفصل بين الدين والدولة بسهولة ويسر. بالفعل أنا شخصياً استفدت كثيراً من هذا الشرح مع العلم أني قرأت عن العلمانية كثيراً وقد حدث عندي بعض الالتباسات في الأمر. ولكن بمقالك اليوم بالفعل وضح وشرح كثير من الأمور الملتبسة عندي. أفادكم الله دكتور حازم وإلى مزيد من التألق بإذن الله”.

هذه عينة من تعليقات القراء. فمرحباً بهم، وهم جميعاً، سواء من يخالف أو يعترض أو من يوافق، يمثلون المكافأة التي يرنو إليها الكاتب – أي كاتب. فليس أصعب على الكاتب من أن تمر كتاباته دون اهتمام. فأكبر عقاب للكاتب هو التجاهل. فأهلاً بالموافقين والمعارضين معاً. وفقكم الله وشكراً لكم جميعاً.   والله أعلم

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *