العلمانية والحجاب التركي

 

لم يكن في نيتي الاستمرار في الكتابة عن العلمانية بعد ثلاث مقالات في الموضوع. وكنت قد أكدت في مقالي الأخير أن العلمانية لا ترفض فقط مفهوم السلطة الدينية وإنما تدعو أيضاً وبنفس القوة إلى احترام الحريات الدينية للجميع ودون تمييز. وفي هذه الأثناء عرفت تركيا أزمة سياسية كبرى فيما يتعلق بالحجاب. فتركيا – وهي دولة يغلب على معظم سكانها الإسلام وتعلن في نفس الوقت تمسكها بالعلمانية – تواجه حالياً أزمة دستورية بسبب هذه القضية. فرئيس الوزراء وهو من حزب إسلامي (العدالة والتنمية) يرشح وزير خارجيته لمنصب رئيس الجمهورية. ويعترض رئيس الجمهورية الحالي بمقولة أن هذا الترشيح يتعارض مع مبادئ العلمانية لأن زوجة وزير الخارجية محجبة، ثم تؤيد المحكمة الدستورية – بالأغلبية – الاعتراض على هذا الترشيح. ومن هنا يثور التساؤل – وهو أمر طبيعي – ألا يعني ذلك أن هناك تعارضاً بين العلمانية وبين حرية ممارسة الشعائر الدينية؟ وبالفعل أرسل لي أحد القراء – السيد أحمد أبو السعود – تعليقاً على مقالي الأخير عن العلمانية متسائلاً: “إذا كانت العلمانية تؤيد حرية الاعتقاد، فلماذا دولة مثل تركيا ترفض الحجاب وهو شعيرة دينية يؤدها الاعتقاد، ولا ترفض العري؟” هذا هو السؤال، وهو سؤال مشروع تماماً.

 

فهل ما زلت عند رأيي بأن العلمانية لا تعادي الأديان بل هي دعوة إلى الحريات الدينية؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هو تفسير السلوك التركي، أليست تركيا دولة علمانية، وهي مع ذلك لا تحترم حرية ممارسة الشعائر الدينية لدى العديد من المسلمين؟

 

وأبدأ بالقول بأن العلمانية ليست نظرية علمية – كما في الكيمياء أو الفيزياء – بحيث تنطبق في جميع الأماكن والأزمنة بنفس الدقة، وإنما هي مفهوم اجتماعي تاريخي له خصائص عامة، ولكنه يختلف في التطبيق في الكثير من التفصيلات من مكان إلى آخر ومن زمان إلى زمان. فالعلمانية مثل الديمقراطية أو الاشتراكية لكل منهما معالمها الرئيسية ولكنها تختلف في التطبيق من دولة إلى أخرى. فالديمقراطية في الولايات المتحدة ليست مثل الديمقراطية في فرنسا أو في الهند، ومع ذلك فكلها دول ديمقراطية، وبالمثل فإن التطبيق الاشتراكي في روسيا لم يكن متطابقاً مع التطبيق الاشتراكي في الصين أو يوغسلافيا أو كوبا، بل أن الإسلام يختلف في تطبيقاته بحسب طبيعة الشعوب، فالإسلام في مصر ليس كالإسلام في نيجيريا أو في اندونيسيا أو في البوسنة رغم أن كلاً منها دولة إسلامية. وكذلك الحال مع العلمانية هناك اختلافات في التطبيقات نتيجة للظروف التاريخية لكل دولة.

 

سبق أن ذكرت أن للعلمانية جانبين أحدهما سلبي وهو رفض مفهوم السلطة الدينية، والآخر إيجابي وهو حماية الحريات الدينية، وأن هاذين الجانبين يتكاملان ويعضد أحدهما الآخر. ولكن الحقيقة أن هناك أحوالاً يمكن أن يثور شبه تعارض بين الأمرين. فكثيراً ما يكون هاجس الخوف من تسلط السلطة الدينية هو الهاجس الأكبر أمام المسؤولين بحيث يرفضون كل شيء يمكن أن يكون تهديداً بعودة هذه السلطة. وكثيراً ما يصبح هذا الهاجس أقرب إلى الهوس إلى درجة تؤدي إلى التجاوز عن الحريات الدينية وممارسة بعض شعائرها. وهذا ما حدث في فرنسا بالنسبة للحجاب وهو ما يحدث حالياً في تركيا. ولكن هناك دولاً أخرى – مثل الدول الإنجلوسكسونية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية – والتي ترى في العلمانية أولاً وأخيراً مظهراً لحماية حرية الاعتقاد ولذلك لا تبالي كثيراً بما يطلق عليه الرموز الدينية. ولكل من المجموعتين من الدول من الأسباب التاريخية ما يفسر – وإن لم يكن يبرر – مثل هذه الاختلافات في السلوك.

 

فالثورة الفرنسية وهي أساس الدعوة إلى العلمانية في فرنسا لم تكتفي بمجرد رفض مفهوم السلطة الدينية للكنيسة بل أنها استندت إلى جذور فلسفية تأخذ موقفاً معارضاً للأديان بصفة عامة. فهذه الثورة تجد جذورها الفكرية في الفكر السائد في القرن الثامن عشر والذي يقدس العقل والعلم ويتشكك في مواقف الكنيسة ورجال الدين. وفولتير أكبر الفلاسفة الذين مهدوا للثورة – ورغم تصالحه مع الكنيسة قبل وفاته – كان دائم الهجوم على الكنيسة وعلى الكاثوليكية. وهكذا بدأت الثورة بموقف فكري عدائي للأديان. وعندما سيطر روبسبير – أشهر رجال الثورة – على مقاليد الحكم ألغى الكنيسة وأعلن عن ديانة جديدة تؤمن بالله الذي أطلق عليه اسم “الكائن الأعلى” Etre Supreme، وهي ديانة تؤمن بالألوهية دون الأديان. وهكذا فإن للثورة الفرنسية جذوراً معادية للدين ولرجال الدين Anticlerical. وعندما أصدرت الجمهورية الثالثة قانون الفصل بين الدولة والكنيسة في عام 1905، غلب عليه معاداة كل مظاهر ورموز السلطة الدينية وظهورها في الأماكن العامة. ولذلك فإن التراث الفرنسي للعلمانية يركز بشكل أكبر – عند الموازنة والترجيح بين اعتبارات العلمانية – على محاربة كل مظهر للسلطة الدينية أو رموزها أكثر من التركيز على حماية الحريات والعقائد. ومع ذلك فإن هذا الترجيح على محاربة كل الرموز الدينية لم يكن دائماً سهلاً أو دون مقاومة. وعندما واجهت فرنسا أخيراً مشكلة الحجاب الإسلامي جرت على الساحة مجموعة من الملابسات التي ساعدت على غلبة جانب الخوف من بروز الرموز الدينية في الحياة العامة. فعندما ظهرت هذه المشكلة في المدارس الفرنسية وقعت معظم الأوساط في حيرة شديدة وترددت بين ترجيح أحد الاعتبارين على حساب الآخر، وانقسم الرأي العام حول الموضوع. فرفضت بعض المدارس الحجاب وأصرت على منع الطالبات من حضور الدروس مع هذا الحجاب، في حين أن البعض الآخر لم يعترض عليه بل وسمح به. وعندما تدخلت وزارة التعليم كان تدخلها غير حاسم، وبعرض الأمر على مجلس الدولة أيد حرية ممارسة العقائد. وفي هذا الوقت كان العالم يعيش ما بعد أحداث 11 سبتمبر حيث ازداد العداء للوجود الإسلامي بين المهاجرين في فرنسا. وتدخل شيراك وكون لجنة من الحكماء لإبداء الرأي، فرأت التوفيق بين منع الرموز الدينية من ناحية، واقتراح الاعتراف بعيد الأضحى عطلة رسمية للبلاد مجاملة للمسلمين من ناحية أخرى. واختار شيراك منع الرموز الدينية “الظاهرة” – إسلامية وغير إسلامية – كحل سياسي وإرضاء للشعور العام الفرنسي الغالب في هذا الوقت. واحتاج الأمر إلى استصدار قانون خاص من البرلمان لهذا الغرض. مما يعني أن مبادئ العلمانية السائدة في فرنسا لم تكن وحدها كافية للأخذ بهذا الحل. وهكذا نجد أن الموقف الفرنسي المتشدد يجد تفسيره في ظروف الثورة الفرنسية وموقفها العدائي من كل المظاهر الدينية ثم ازداد الأمر تعقيداً مع ازدياد موجه العداء لما أطلق عليه “الإرهاب الإسلامي” في الوقت الحاضر.

 

وعلى العكس، ففي الولايات المتحدة والتي كانت موقع أحداث 11 سبتمبر، فإن أحداً بها لم يثر– كما في إنجلترا – مسألة الحجاب. والسبب في ذلك هو أن العلمانية لم تنشأ في أمريكا أصلاً في شكل معاد للأديان، وإنما جاءت في مجتمع متدين حريص على حماية حرية العقائد لمختلف الطوائف. فالدعوة إلى العلمانية جاءت في أمريكا دعماً للحريات الدينية والممارسات العقائدية ولم يكن رفض السلطة الدينية إلا بسبب ما يمكن أن يؤدي إليه وجود مثل هذه السلطة إلى التمييز في المعاملة بين مختلف الطوائف الدينية. فالعلمانية في أمريكا – كما في إنجلترا – هي دعوة إلى حرية الاعتقاد والحريات الدينية.

 

وماذا عن تركيا؟ الوضع في تركيا يجعلها أقرب إلى محاربة الرموز الدينية منها إلى الدفاع عن الحريات الدينية. لماذا؟ تركيا الحديثة ليست مجرد دولة إسلامية تأخذ بالعلمانية، بل أنها دولة حديثة قامت على أنقاض دولة الخلافة الإسلامية. فالدولة العثمانية لم تكن دولة تركية وإنما كانت إمبراطورية إسلامية متعددة الأجناس والديانات ويمتد نفوذها من الهند إلى وسط أوروبا مروراً بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ولذلك فإن مؤسسي الدولة التركية الحديثة – كمال أتاتورك وأنصاره – أرادوا تأسيس دولة جديدة على أسس مناقضة تماماً للدولة العثمانية وقطع كل علاقة مع الماضي. فهذه الدولة الجديدة هي دولة للشعب التركي وليست خلافة للمسلمين، واللغة التركية يجب أن تنفصل تماماً عن اللغة العربية وبالتالي كان من الضروري هجر حروفها العربية وفرض الحروف اللاتينية عليها، وغطاء الرأس – الطربوش – والذي أدخله السلطان محمود الثاني، يجب أن يستبعد تماماً ويستبدل بالقبعة، رغم أن الطربوش جاء اختراعاً تركياً بتعديل القبعة الأوروبية بإزالة حوافها لتسهيل الصلاة، فأصر أتاتورك على عودة الطربوش إلى أصله غير المعدل (القبعة). وهكذا فإن الدولة التركية الحديثة ولدت في شكل من أشكال العداء للماضي الإسلامي. فهذه دولة قامت على أنقاض الخلافة الإسلامية وتخشى أن تكون عودة الرموز الإسلامية إيذاناً بعودة شبح الماضي. وإذا كانت الدولة العثمانية قد ارتكبت الكثير من الأخطاء بل والخطايا، فلم يكن من بينها التمييز الديني. فقد عرفت الدولة العثمانية – في وقتها – درجة من التسامح الديني لم يكن معروفاً في معظم الدول الأوروبية. ولذلك فإن قضية الحريات الدينية لم تكن أبداً مشكلة في تركيا، وأصبح الهاجس الأكبر الآن هو الخوف من عودة ماضي الخلافة الإسلامية.

 

وبالإضافة على ما تقدم، فإن هناك من أنصار مدرسة المؤامرة – ولست منهم – من يرى أن معظم رجال حزب “الاتحاد والترقي” والذين كانوا وراء إنشاء تركيا الحديثة كانوا من أتباع طائفة “الدونمة”. وهي طائفة من اليهود الإسبان الذين وفدوا إلى تركيا في القرن السابع عشر. وظهر من بينهم “سباتاي زيفي” الذي ادعى أنه المسيح وتبعته جموع وفيرة من اليهود. وعندما ذاع صيته وزاد خطره بدأت السلطات العثمانية في محاكمته، فآثر السلامة وأعلن إسلامه وتسمى باسم “محمد عزيز أفندي”. ويقال أن إسلامه كان ظاهرياً وأنه ظل على يهوديته باطنياً ودعا اتباعه (الدونمة) إلى دخول الإسلام كذلك مع بقائهم على دياناتهم الحقيقة. ويقال أن طلعت باشا رجل “الاتحاد والترقي” ورئيس الوزراء كان من هذه الطائفة وكذا مصطفى كما أتاتورك ومعظم رفاقه. وهكذا ترى هذه النظرية أن العلمانية جاءت في تركيا – في جزء منها – مناهضة للإسلام.

 

وأياً كان الأمر، فإن ما قد يبدو تشدداً أو تطرفاً في فرنسا أو تركيا باسم العلمانية إنما هو نتيجة تاريخ خاص لكل منهما، والمهم ليس هو ما تفعله العلمانية بنا، ولكن ما نفعله نحن بالعلمانية. وعندي أن العلمانية تدعو إلى رفض السلطة الدينية أياً كان مصدرها، وأن هدفها هو حماية الحريات الدينية للجميع دون تمييز. والله أعلم.

الأهرام: 13 مايو 2007

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *