العلمانية والحريات الدينية

 تناولنا في حديثنا السابق عن العلمانية التأكيد على أنها ترفض مفهوم “السلطة الدينية”، باعتبارها سلطة روحية فوق البشر معصومة من الخطاً تفرض سلطانها على الأفراد في أمورهم الدينية. ولكن هذا ليس كل العلمانية. فللعلمانية جانب إيجابي آخر مكمّل وهو أنها تعترف بالحريات الدينية للجميع وبلا تمييز. فللعلمانية وجهان، أحدهما سلبي يرفض مفهوم “السلطة الدينية”، ولكن هناك وجه آخر إيجابي هو الدعوة إلى حرية الاعتقاد أي الاعتراف “بالحريات الدينية”. ولا يستقيم مفهوم العلمانية بأحد هذين الوجهين دون الآخر، حيث أنهما يتكاملان، بل أن رفض مفهوم “السلطة الدينية” إنما هو من أجل حماية “حرية الاعتقاد” للجميع دون تمييز. فالعلمانية في جوهرها هي مظهر من مظاهر النُظم السياسية لاحترام الحقوق الأساسية للأفراد في الحرية والمساواة وفي مقدمتها حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية. ولا يعدو أن يكون رفض مفهوم “السلطة الدينية” إلا بسبب تعارضه مع حرية الاعتقاد. فالسلطة الدينية تعلي من أحد الأديان على حساب الديانات الأخرى بل وتفرض تصوراً وحيداً لما ينبغي أن يكون عليه هذا الدين.

وقد سبق أن تعرضنا في المقال السابق لعلاقة العلمانية بمفهوم السلطة الدينية، وعلينا أن تتناول هنا بقدر من التفصيل الجانب الآخر المكمل والمتعلق بارتباط العلمانية باحترام العقائد والأديان دون تمييز.

ولنبدأ بإزاحة مفهوم خاطئ يرى أن العلمانية تقوم على الفصل بين الدين والدولة، وقد سبق أن أوضحت في مقالي السابق أن هناك فارقاً بين الدعوة إلى الفصل بين الدولة والكنيسة وبين الدعوة إلى الفصل بين الدين والدولة.

ولكن إذا كانت العلمانية لا تدعو إلى الفصل بين الدين والدولة، وإنما فقط إلى رفض مفهوم “السلطة الدينية” المعصومة من الخطاً والتي تحتكر الحديث باسم الدين بتفويض من خارج البشر، فمن أين جاءت هذه الفكرة الشائعة عن الفصل بين الدين والدولة؟

لعل هذا الخطاً جاء من التجربة الأمريكية. فقد سبق أن أشرت إلى أن الولايات المتحدة كانت سباقة إلى اعتناق مفهوم العلمانية، وكان ذلك رد فعل لما عرفه أبناؤها وأباؤهم من قصص الاضطهاد الديني في بلدانهم الأصلية في أوروبا. وقد كانوا جميعاً – أو معظمهم – من المسيحيين الذي عرفوا أو سمعوا عن الاضطهاد الديني في بلدانهم الأصلية، ولذلك حاول واضعو الدستور أن يجنبوا الأمريكيين من محنة الاضطهاد الديني المعروف في أوروبا لمختلف الطوائف المسيحية. ومن هنا جاءت الدعوة إلى العلمانية ورفض سلطة الكنيسة وتدخلها في السياسة. ورغم أن الدستور عند صدوره لم يتضمن نصاً عن العلمانية إلا أن التعديل الأول جاء مؤكداً بأن “الكونجرس لن يصدر قانوناً يفرض (يؤسس) ديناً أو يمنع الممارسة الحرة للعقائد”. ومن الواضح أن هذا النص لا يشير من قريب أو بعيد إلى الفصل بين الدين والدولة، وإنما يقتصر على التأكيد على أن الكونجرس لن يصدر قانوناً يحابي أحد الأديان كما أنه لن يمنع الممارسة الحرة للعقائد. فالدستور يؤكد هنا على مبدأ حرية ممارسة العقائد وأن الدولة – عن طريق الكونجرس – لن تفرض ديناً أي أنها لن تفرض كنيسة رسمية أو سلطة دينية وحيدة أو مميزة. ولذلك فإن الفهم الصحيح لهذا التعديل ليس هو الفصل بين الدين والدولة، وإنما هو استبعاد الكنيسة من التدخل في شؤون الحكم باعتبارها سلطة دينية . وهو الأمر الذي جاء به صراحة القانون الفرنسي في عام 1905. وإذا كان هذا صحيحاً فمن أين أتى الحديث عن الفصل بين الدين والدولة؟ الحقيقة أن هذا الحديث جاء على لسان جيفرسون أحد أشهر الآباء المؤسسين للجمهورية الأمريكية والمحرر الرئيسي لوثيقة الاستقلال الأمريكي، فهو من خوفه من عودة التجربة الأوروبية في تدخل الكنيسة شؤون الحكم، ذهب إلى ضرورة “إقامة حائط غير قابل للنفاذ بين الدين والدولة”، أي ضرورة الفصل بينهما. ومن هنا بدأ الحديث عن الفصل بين الدين والدولة، في حين أن المقصود هو عدم مشاركة الكنيسة في الحكم كسلطة دينية. أما الأديان – وفقاً للمفهوم العلماني – فإنها يجب أن تتمتع بكافة الحريات دون قيود أو تمييز ولكن دون تدخل أيضاً في شؤون الحكم.

ولذلك لم يكن غريباً أن يكون المجتمع الأمريكي الذي يتمسك بالعلمانية هو نفسه من أكثر الشعوب تديناً وممارسة للعقائد الدينية. بل أن التعديل الأول للدستور إنما هو في جوهره للتأكيد على هذا الحق في الممارسة الحرة للعقائد. فهناك تناقض بين مفهوم “السلطة الدينية” ومفهوم “الحرية الدينية”، وأحدهما ينفي الآخر. “فالسلطة الدينية” تباشر – باعتبارها مؤسسة – حقاً إلهياً بفرض تفسير معين للدين ولا يجوز لأحد الاعتراض عليه، فهي تتصرف كسلطة فوق البشر، لا صوت يرتفع أمامها. أما “الحرية الدينية” فهي أحد الحقوق الأساسية للأفراد وهي تقوم على الاختيار الحر للأفراد ليس فقط لدين من الأديان بل أيضاً للتفسير المقبول بالنسبة لهذا الدين. فمع الحرية الدينية يتمتع الفرد بالحرية الكاملة في معتقداته الدينية وقد يتأثر بما تقوله المؤسسات الدينية ولكنه لا يخضع لها، فليس لها عليه سوى التأثير المعنوي والإقناع، والأمر منوط بإرادته في نهاية الأمر. “فالدولة الدينية” هي عدو الحريات الدينية بل هي دولة الاستبداد الديني بالنسبة للأقليات.

وهذا الموقف من العلمانية لحماية حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية دون تمييز إنما هو اعتراف بأهمية العقائد الدينية في حياة البشر. فالأفراد في سلوكهم وفي مواقفهم وآرائهم في مختلف جوانب الحياة إنما ينبعثون من بواعث متعددة: مصلحية (اقتصادية) أو مبدئية (إنسانية) أو عقائدية (دينية أو مذهبية). فما يحرك البشر إنما هو هذه البواعث مجتمعة أو منفردة. ومن هنا فإنه من العبث القول بأن الدين ينفصل عن الدولة أو عن المجتمع. فمن السذاجة الاعتقاد بأن المصلحة (الاقتصاد) بعيدة عن تفسير سلوك الأفراد أو أنهم يتصرفون بعيداً عن المبادئ (القيم الأخلاقية) أو العقائد (الأديان). فالدين، كما الاقتصاد أو الأخلاق، إنما هو جزء من النسيج الاجتماعي لكل المجتمعات، ولذلك فإن فكرة الفصل بين أيهم وبين الدولة أو المجتمع هو فكرة غير واقعية . ولكن الاعتراف بأن الدين لا ينفصل عن الحياة أو عن الدولة لا يعني القبول “بسلطة دينية” تفرض آراءها على الأفراد بمقتضى سلطة روحية فوقية مستمدة من الله ومعصومة من الخطاً. الاعتراف بدور الدين في الدولة – وفي الحياة بصفة عامة – يتطلب الاعتراف بحق الأفراد في اعتقاد ما يرونه صحيحاً ومحققاً لذواتهم نتيجة للتعليم أو التقاليد أو الاختيار الحر. لقد منح الله الإنسان عقلاً يفكر به، وإرادة حره يختار بها، وهو ليس في حاجة إلى وصاية من سلطة دينية روحية لتفرض عليه ما ينبغي عليه أن يؤمن به. حرية الاعتقاد هي إحدى الحريات الأساسية للفرد التي ينبغي احترامها، وهذا ما تدعو إليه العلمانية، فهي تقوم على احترام الحريات الدينية للأفراد دون تمييز. ولذلك فإنه ليس صحيحاً القول بأن العلمانية معارضة للأديان، فالحقيقة أن العلمانية هي الاعتراف للجميع – دون تمييز – بحرية ممارسة عقائدهم دون تمييز بين عقيدة وأخرى.

وإذا كان المجتمع العلماني هو المجتمع الذي يعترف بحرية الاعتقاد للجميع دون تمييز، فهل يعني ذلك أنه لا يجوز للدولة أن تتدخل مطلقاً في أمور الأديان والعقائد؟ أعتقد أن الفيصل هنا هو عدم التمييز. فالحياة الاجتماعية قائمة كلها على وضع القيود والضوابط على ممارسة الحقوق والحريات بقصد حماية حريات الآخرين. ولذلك فإنه لا بأس من أن تتدخل الدولة بوضع بعض الحدود أو الضوابط على الممارسات الدينية – كما هو الحال بالنسبة لممارسة باقي الحريات – إذا ترتب على ذلك إخلال شديد بحقوق أو حريات الآخرين. فإذا كانت عقيدة من العقائد تتضمن الاعتداء على حياة أو إثارة العنف أو الكراهية ضد أصحاب العقائد الأخرى، فإن للدولة التدخل هنا لحماية هذه الحريات الأخرى، وبشرط أن تطبق هذه القيود أو الضوابط على الجميع بدون تمييز بين عقيدة أو أخرى. فالاعتراف بالحريات الدينية يعني امتناع التمييز في معاملة الدولة للأديان. فممارسة الأفراد لعقائدهم لا بد وأن تراعي حقوق وحريات الآخرين. فحرية العقيدة مثل غيرها من الحريات ليست مطلقة، ولكنها وإن خضعت لأنواع من الضوابط فلا بد ألا تتضمن أي تمييز لفئة أو لأخرى.

بقي أن نتساءل إذا كانت العلمانية تعني حرية العقائد، فهل يتعارض معها أن يكون للدولة دين رسمي، كما هو الحال في مصر في كافة دساتيرها منذ عام 1923؟

الحقيقة أن موقف الدستور المصري ليس بدعة، فالنص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام لا يتعارض مع حرية الاعتقاد. فإنجلترا – وهي في مقدمة الدول العلمانية التي تحمي الحريات الدينية – تعرف كنيسة رسمية، ويرأسها الملك أو الملكة. ولكن يجب أن نفهم أن إعلان الدين الرسمي للدولة لا يعدو أن يكون مجازاً يعبر عما يعتنقه الغالبية العظمى من المواطنين وما يعكسه ذلك من تراث روحي وحضاري وتاريخي للمجتمع. فإعلان دين رسمي في الدستور ليس مبرراً للتمييز في المعاملة بين المواطنين في ممارسة حقوقهم. وهذا الإعلان ليس أكثر من إعلان مجازي رمزي. ومن الناحية الدينية البحت فإن الدولة – ككيان معنوي – لا يمكن أن تكون مسيحية أو مسلمة بالمعنى الدقيق للأديان. فوفقاً للعقيدة المسيحية لا يصبح الفرد مسيحياً إلا بعد تعميده، والدولة لا تتعمد، وإن كان أبناؤها يفعلون. كذلك فإن أركان الإسلام من شهادة أو صلاه أو صوم أو زكاة أو حج لا يمكن أن تتحقق للدولة، وإن كان يمكن أن تتحقق لأبنائها. الأديان جاءت هداية للأفراد، والتدين عمل فردي. أما الدولة فهي تنظيم اجتماعي وسياسي للأفراد، وكل منهم سوف يحاسب على أفعاله الفردية. فالتأكيد على أن الدين الرسمي للدولة هو الإسلام لا يعني أن الدولة باعتبارها كياناً معنوياً من شعب أو أرض وسيادة، قد توافر لها أركان الإسلام الخمسة، وإنما يعني أن الغالبية من أبناء شعبها يدينون بهذا الدين وأن التراث الإسلامي يمثل إرثاُ حضارياً وروحياً لا يمكن الاستغناء عنه.

الدعوة إلى العلمانية ليست دعوة ضد الأديان، بل على العكس هي دعوة لحماية واحترام الأديان كافة دون تمييز. العلمانية وهي تدعو إلى حرية الاعتقاد وحرية الأديان تنبذ – كما في الإسلام – مفهوم “السلطة الدينية” ذات العصمة وتحترم جميع الأديان الأخرى. والله أعلم،

الأهرام: 29 أبريل 2007

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *