العمر الثالث

ظهر الإنسان المفكر Homo Sapiens بشكله الحالي منذ ما بين نصف مليون سنة ومليون سنة، على ما يؤكده العلماء وتشهد به الحفريات والاكتشافات العلمية. وفي خلال هذه الفترة لم يطرأ على الإنسان أية تطورات بيولوجية تذكر. فالإنسان المعاصر لا يكاد يختلف بيولوجياً أوفي قدراته الذهنية عن الإنسان الأول، وإن كان قد أصبح أكثر ثقافة ومعرفة وإمكانيات تكنولوجية. وقد تحقق له كل ذلك من خلال تاريخ طويل في البناء الحضاري، وهو ما يمكن أن يطلق عليه “التطور الحضاري”، بجانبيه المادي والقيمي.

فتاريخ البشرية هو تاريخ “التطور الحضاري” للإنسان الذي احتفظ بخصائصه البيولوجية والعقلية وربما النفسية أيضاً دون تغيير يذكر. وإذا كان الإنسان الأول هو ابن الطبيعة الخام فإن الإنسان المعاصر هو ابن الطبيعة والتاريخ معاً.

ولكن هذا التطور التاريخي لم يؤثر فقط على الظروف المادية والفكرية لحياة الإنسان المعاصر، بل انعكس أيضاً على شكل التكوين السكاني نفسه. فالتقدم الحضاري لم يقتصر على تغيير الظروف المعيشية للإنسان بل أدى إلى تغيير جوهري في الوسط السكاني الذي يعيش فيه. فإذا كان الإنسان مدني بالطبع، أي لا حياة له خارج مجتمع من البشر، فإن التقدم الحضاري للبشرية – وخاصة في الفترة الأخيرة – سوف يؤدي إلى تغيير في حجم ومضمون الوحدة – المجتمع – التي يعيش فيها الفرد. فمع تحسّن ظروف الصحة العامة وتقدّم علوم الطب وزيادة وسائل الاتصال تحسنت نسبة المواليد الأحياء وانخفضت نسبة الوفيات وذلك مع ارتفاع معدلات العمر المتوقع. فهناك أعداد أكبر من البشر، وكل منهم يتوقع أن يعيش فترة أطول.

وقد أسهب الكتاب في الحديث عن ظاهرة الزيادة السكانية في العالم بما لا حاجة إلى المزيد فيه.وتفيد المؤشرات الجديدة بأن العالم يقترب من مرحلة الوصول إلى التوازن والاستقرار، وبالتالي فإن ظاهرة تزايد السكان قد تصل إلى حدودها القصوى بعد عقدين أو ثلاثة. أما الظاهرة الأخرى والتي لا تقل أهمية وخطورة، فهي تزايد أعمار البشر. فنحن لا نعيش فقط في وسط أكثر ازدحاماً بل يتجه لكي يصبح أكثر شيخوخة أيضاً.

وتشير بعض المؤشرات والتوقعات للتطورات الديموغرافية لعدد من الدول المتقدمة إلى أن هذه الدول تعرف أمرين، الأول هو تناقص معدل المواليد والثاني تزايد معدل الأعمار مما أدى إلى تزايد نسبة المعمرين بين السكان. وهو ما يلاحظ في اليابان والسويد كما في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها. ونفس الملاحظة تصدق على كثير من الدول النامية وإن كان بدرجة أقل. وربما لن ينتهي القرن الواحد والعشرون قبل أن يصبح معدل الأمل في الحياة عند الميلاد متراوحاً بين 100 – 120 سنة. وهكذا لن يمر وقت طويل قبل أن نجد مجتمعات بأكملها يشغل المعمرون فيها نسبة تتراوح بين الربع والثلث من السكان. وبذلك تعرف هذه المجتمعات ما يطلق عليه “العمر الثالث” لنسبة متزايدة من مواطنيها. فمن بين كل أربعة أفراد سوف يكون أحدهم قد جاوز الستين، ويتوقع له عمراً مديداً قد يمتد إلى عقدين أو ثلاثة عقود أخرى. ولن يقتصر الأمر على استمرار حياتهم بل الأغلب أن يستمر عدد منهم في صحة طيبة نسبياً، والأهم من ذلك أن عدداً لا بأس به منهم سوف يتركز بين يديه مصادر الثروة وبالتالي القوة الشرائية، فماذا يمكن أن يترتب على هذا التغيير في التركيبة السكانية؟

عرف النصف الثاني من القرن العشرين دخول الشباب إلى عالم الاستهلاك. فمع بلوغ الرخاء لأبناء الطبقة المتوسطة في معظم الدول الصناعية بعد الحرب العالمية الثانية زاد إنفاق العائلات على أبنائهم، وأصبح هؤلاء الأبناء سوقاً هائلة للاستهلاك. وهكذا، دخل الشباب – وبقوة – إلى سوق الاستهلاك؛ في الملابس، والأدوات الرياضية، وأجهزة الموسيقى، ومنتجات الفيديو والأفلام. والآن، فإن العالم يبدو وقد وضع قدميه على عتبة جديدة من التطور مع قدوم زائر جديد إلى الأسواق وهو جحافل المعمرين الذين يمكن أن يمثلوا نسبة لا بأس بها – ومتزايدة – من السكان وبالتالي من أسواق الاستهلاك.

ولكن دخول كبار السن إلى عالم الاستهلاك كقوة شرائية هامة لن يحول دون ظهور العديد من المشاكل النفسية والاجتماعية الجديدة. فالتعايش مع عدد متزايد من كبار السن ظاهرة حديثة في حياة البشر، ولم تتوفر تجربة إنسانية كافية للتعامل معهم، كما أنهم – أنفسهم – كثيراً ما لا يكونوا مؤهلين للتكيف مع هذا الوضع الجديد.

يذكر العديد من المؤرخين والأدباء أن حياة الطبقات العاملة والفقيرة – وهم الغالبية – كانت حتى القرن التاسع عشر حياة بالغة القسوة، ولم يكن غريباً أن يصادف الفتى أو الفتاة أول صدمة في حياته في سن الخامسة أو السادسة عشرة عندما يموت رب الأسرة. فغالباً ما كان يتوفى رب الأسرة في نهاية الأربعينات أو بداية الخمسينات من عمره ولم يكن، بالتالي، غريباً أن تترمل الزوجات في منتصف الثلاثينات. أما الآن – وبوجه خاص في مستقبل غير بعيد – فإن وفاة رب العائلة لن تكون – عادة – قبل بلوغه نهاية السبعينات من العمر وربما بعد ذلك بعقد أو عقدين وربما أكثر. ومعنى ذلك أن الوراثة وانتقال الثروات لن يتم قبل بلوغ الورثة سن الخمسين وأحياناً الستين أو حتى السبعين. وهكذا نلحظ اتجاهاً – في الدول الغنية – لتركز الثروات في أيدي المعمرين، وخاصة الأرامل. وإذا كانت الدول المتقدمة تعرف ظاهرة الأثرياء من كبار السن، فإن دول العالم الثالث تعاني من مشكلة عكسية، فزيادة الأعمار لم يصاحبها بالضرورة ارتفاع في مستوى معيشتهم بل أنهم على العكس يعانون من تآكل في مدخراتهم مما أدى إلى ظهور طبقة من كبار السن غير القادرين – وغير المطلوبين للعمل – والذين لا تكاد تكفيهم معاشاتهم القليلة.

ومع تزايد أعداد المعمرين في مجتمعات الغد، فغالباً ما سوف يصاحب ذلك تأثير كبير على الأوضاع الاقتصادية. ففي الدول المتقدمة، وحيث يتزايد عدد المعمرين الموسرين، فإن ذلك لابد أن يؤذن بدخول طبقة جديدة إلى أسواق الاستهلاك لمواجهة الزيادة في احتياجاتهم من منتجعات للمعيشة أو رحلات سياحية أو خدمات علاجية. فكما دخل الشباب إلى سوق الاستهلاك في القرن العشرين، فإن الشيوخ مرشحون لمثل ذلك في القرن الحادي والعشرين. كذلك من الطبيعي أن تواجه نُظم التأمين والمعاشات صعوبات جديدة مع زيادة أعداد أصحاب المعاشات والمحالين على التقاعد وامتداد حياتهم لفترات غير قصيرة. وقد لا يقتصر الأمر على أزمات نظم التأمين والمعاشات بل قد يصاحب ذلك انقلاباً كاملاً في أنماط الحياة الاجتماعية. فتطورات الحياة المعاصرة سوف تؤدي إلى انكماش مستمر في حياة الفرد العملية. فمع زيادة فترات التعليم والتدريب، فإن الفرد كثيراً ما لا يبدأ حياته العملية قبل نهاية العشرينات من عمره في الوقت الذي قد يمتد به العمر بعد التقاعد إلى سن الثمانينات وربما لما يجاوز ذلك. وبذلك فقد نصل إلى زمن لا تزيد فيه فترة مشاركة الفرد في النشاط الإنتاجي – وبالتالي في دفع أقساط المعاش أو التأمين – لأكثر من الثلث، ويقضي ثلثي عمره بين طفولة وتقاعد.

كذلك لا يخفى أن هذه الأوضاع الجديدة سوف يكون لها تأثيرات عميقة على أوضاع الفرد النفسية. فقد أمضى الإنسان الشطر الأعظم من تاريخه البشري وهو يخصص الجزء الأكبر من حياته – بعد تجاوز مرحلة الطفولة – للعمل من أجل العيش. وبذلك فقد كان “العمل” بالنسبة له مرادفاً لمعنى الحياة. أما الآن، فقد يكفي أن يعمل الإنسان نصف أو حتى ثلث حياته، ويعيش باقي عمره متقاعداً دون عمل ودون حاجة إليه. فهل يمكن أن يكون للحياة معنى دون عمل؟

سؤال صعب، ليس له إجابة واحدة أو واضحة. فيمكن القول بأننا ننتقل إلى مرحلة أرقى في تاريخ البشرية. فالإنسان لم يعد بحاجة إلى العمل المستمر – طول الحياة – لكي يعيش، بل ربما أصبح قادراً على صرف اهتمامه لأمور أخرى مثل ممارسة الهوايات أو القيام بأعمال البر والخير بصفة عامة. هل هذا صحيح؟ وهل ممكن؟

بعد أن عاش الإنسان قرابة المليون سنة وهو يعمل لكي يعيش، فقد لا يكون من السهل عليه التحول فجأة للاهتمام بالآخرين والعمل من أجلهم. بل ليس من المستبعد أن يجد أن الحياة نفسها قد أصبحت – دون عمل – بلا معنى ولا تستحق الاستمرار.

وقد عبّر الأديب الفرنسي رومان جاري Romain Gary عن هذه المأساة في روايته “تذاكر السفر غير صالحة بعد هذه النقطة”، حيث تناول أزمة “خريف العمر”. ورومان جاري هو أحد المهاجرين الروس الذين وفدوا إلى فرنسا في بداية القرن العشرين. وأمضى حياة زاخرة ومثيرة، فهو كاتب وأديب، وكان يكتب أحياناً باسمه وأحياناً باسم مستعار – إميل أجار – كما عمل في السلك الدبلوماسي، وشارك في نشاط المقاومة الفرنسية واستحق أوسمة للشرف، وحصل على أعلى الجوائز الأدبية عن بعض رواياته. وفي هذه الرواية التي يبدو أنه يتحدث فيها عن نفسه ومشكلته مع “العمر الثالث”، فإنه يصف ظروف رجل ناضج – وناجح – في نهاية الخمسينات من العمر، وقد بدأ يشعر بأعراض الشيخوخة وأنه لم يعد لديه الكثير لكي يقدمه. وتسيطر عليه فكرة واحدة هي “لابد من الانسحاب من المسرح بأناقة” قبل أن يرجمنا الجمهور بالطوب. وتستحوذ عليه الفكرة، “يجب الانسحاب في الوقت المناسب”، وترن العبارة في أذنه، وتنتهي الرواية بانتحار البطل. وليس المهم نهاية الرواية، فالأكثر أهمية هو أن الكاتب نفسه وفي سن السادسة والستين أطلق رصاصة في حلقه، ومات منتحراً، تماماً كما جاء في روايته. وليس بعيداً عن ذلك انتحار هيمنجواي في ظروف مماثلة.

زيادة الأعمار وظهور العمر الثالث أمر جديد يثير قضايا لم تعرفها البشرية من قبل. وهو يطرح تساؤلات عديدة على الشيوخ أنفسهم، كما يفرض أوضاعاً جديدة وغير معروفة على المجتمعات البشرية.

“الشيوخ” قادمون، وبأعداد غفيرة ومتزايدة، وأحياناً مع أموال كثيرة. فانتبهوا.   والله أعلم

الأهرام: 2006/6/25

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *