الفوائض النفطية والتكامل الاقتصادي العربي

تعيش دول الخليج العربي حالياً أزهى فترات الانتعاش الاقتصادي. لقد جاوز سعر برميل النفط مائة دولار، ويبدو أن هذا السعر يمثل الحد الأدنى، وهو مرشح، على الأغلب، للارتفاع في المستقبل. وقد ترتب على ذلك أن عرفت دول الخليج معدلات مرتفعة للنمو خلال السنوات الأخيرة، وزادت مداخيلها، كما تراكمت فوائضها النفطية. ويقدر أن يجاوز حجم الناتج الإجمالي هذا العام لدول مجلس التعاون الخليجي 800 مليار دولار ، ويتوقع أن يجاوز التريلون دولار خلال فترة وجيزة. هذا وقد بلغت معدلات الدخل الفردي في بعض الإمارات مايجاوز خمسين ألف دولار للفرد في السنة، كما جاوز الناتج الإجمالي للسعودية أكثر من ثلاثة أضعاف الناتج الإجمالي في مصر، وفاق حجم اقتصاد دولة الإمارات حجم الناتج الإجمالي المصري.

وكانت دول الخليج قد عرفت في السبعينات من القرن الماضي أول فوره نفطية حين ارتفع سعر برميل النفط إلى أكثر من 11 دولار في نهاية 1973 بعد أن كان في حدود 3.5 دولارات في بداية نفس السنة، وارتفعت بالتالي إيرادات دول الخليج، وحققت فوائض مالية كبيرة، ثم مالبث أن عرفت هذه الأسعار طفرة أخرى في 1979 بعد ثورة الخميني في إيران، حيث وصل ثمن البرميل إلى حوالي 26 دولار. وقد عرفت الدول الخليجية في هذه الفترة توسعاً في الاستثمارات في البنية الأساسية في المرافق المحلية من طرق ومستشفيات وموانئ وشبكات كهرباء واتصالات، كما أنشئ العديد من المؤسسات المالية العملاقة للاستثمار المالي من الخارج. وفي هذه الأثناء وقعت حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران ووقفت معظم دول الخليج مع العراق بتقديم مساعدات مالية كبيرة منظورة وغير منظورة. وبعد غير قليل بدأت أسعار النفط في التدهور بدءاً من عام 1986 واستمرت الأسعار المنخفضة حتى نهاية عقد التسعينات، حيث انخفض سعر البرميل في ذلك الوقت إلى أقل من عشرة دولارات، في بعض الأحيان. وفي بداية التسعينات أقدم صدام حسين على غزو الكويت، وقامت حرب الخليج لتحرير الكويت، وتحملت معظم دول الخليج أعباء مالية باهضة من خلال هذه الفترة، ويقال أن هذه الأعباء جاوزت المائة مليار دولار. وبذلك عرفت معظم الدول الخليجية لأول مرة عجوزات في موازناتها، واضطر العديد منها إلى تصفية الكثير من أرصدتها المالية في الخارج بل ولجأ البعض منها إلى الاقتراض من الخارج. وهكذا عرفت دول الخليج خلال الربع الأخير من القرن الماضي دورة كاملة من سنوات سمان من الانتعاش والأنفاق الكبير وأحياناً الإسراف، استمر منذ منتصف السبعينات وحتى منصف الثمانينات، تبعتها سنوات حجاف من نقص الإيرادات وتآكل الفوائض وذلك  حتى نهاية القرن.

والآن ومنذ حوالي أربعة أعوام تغيرت الأحوال، وارتفعت أسعار النفط من جديد وزاد الطلب العالمي على النفط، وخاصةً بعد دخول دول العالم الثالث الأكثر نجاحاً مثل الهند والصين كمستهلك كبير للنفط. وبدأت الفوائض المالية لدول الخليج في التزايد بشكل كبير. وبدأت الدول النفطية عصراً ذهبياً جديداً وهي متسلحة بخبرة الماضي والرغبة في عدم تكرار أخطاء التجربة السابقة. بل وحاولت بعض هذه الإمارات – مثل دبي –  في تقديم نموذج مختلف للنمو لايعتمد على موارد النفط الذاتية بقدر مايحاول أن يجذب رؤوس الأموال من الخارج. فدبي التي تتمتع بموارد متواضعة من النفط لايمثل فيها أكثر من 6 من المائة من حجم دخلها، قد اعتمدت بشكل رئيس على الخدمات في التجارة والخدمات ومع جذب استثمارات عملاقة من الخارج تستثمر في مشروعات  للسياحة والعقارات واسواق المال. ورغم نجاح دبي في تخفيف الاعتماد على إنتاج النفط المحلي، فان ماتعرفه هذه الأمارة من نجاح مذهل إنما هو نجاح نسبي لان الجزء الأكبر من الأموال الوافدة إليها ترجع إلى الأموال النفطية المتراكمة في دول الخليج  المجاورة أو حتى في إيران.

كذلك بدأت الاستثمارات الخليجية في العودة للاستثمار بقوة في معظم الدول العربية في مشروعات عملاقة للعقارات والسياحة سواء في مصر أو المغرب أو سوريا أو الأردن بل وفي اليمن أيضاً. وفي نفس الوقت فان صناديق الاستثمار الخليجية أصبحت لاعباً رئيسياً في الأسواق المالية العالمية.

ومع هذا النجاح والازدهار، فمازال الهاجس الرئيسي لدول الخليج، وماذا بعد النفط؟ هل يؤمن هذا النموذج للتنمية عناصر الاستقرار والدوام لهذه الدول بعد نضوب النفط ؟ سؤال هام وخطير. والحقيقة أن النفط ليس معرضاً للنفاد أو النضوب غداً أو بعد غد، فمعظم دول الخليج تتمتع باحتياطات نفطية تسمح لها بالاستمرار في هذا الإنتاج لخمسين عاماً مقبلة أو ربما أكثر. ولكن ذلك لايحول دون ضرورة طرح السؤال، ولا بد من رؤية لما بعد النفط، و الأعداد لها منذ الآن. فالخطر وأن لم يكن عاجلاً فهو بالغ الخطورة مع ذلك.

تعاني دول الخليج من قيدين شديدين، أحدهما متعلق بالطبيعة النافدة للنفط – مصدر الرزق الأساس بها – ومن اعتماد مبالغ فيه على العمالة المستوردة. فالنجاح الاقتصادي – أي نجاح – يتطلب توافر عنصرين رئيسين، وهما رأس المال والعمل، وكلا الأمرين يشوبه – في حال دول الخليج – عوار شديد. فرأس المال مرتبط بتوافر النفط وهو عنصر مؤقت معرض للنفاد بعد نضوب النفط، وأما العمالة فمعظمها مستوردة من الخارج، وهي بعد مرتبطة أيضاً بتوافر الرخاء من الإيرادات النفطية . ويقدر عدد الأجانب بحوالي ربع عدد السكان في المملكة العربية السعودية وأكثر من 70 في المائة في بقية الإمارات الخليجية، وقد يصل إلى أكثر من 85 في المائة في دولة الإمارات.

وإزاء هذه الأوضاع لم يكن غريباً أن يكون الهدف المعلن في كل دول الخليج خلال ربع القرن الماضي هو ضرورة تنويع مصادر الدخل والثروة وتخفيف الاعتماد على النفط. وبدأت هذه الدول بالفعل في البحث عن مصادر جديدة للثروة يمكن أن تكون بديلاً عن النفط. وربما كانت الكويت سباقة في هذا المضمار عندما بدأت بإنشاء إدارات وشركات للاستثمار في الخارج،وتبعتها دول الخليج  الأخرى. وبذلك أصبح الاستثمار المالي الخارجي أهم بديل للنفط في معظم الدول الخليجية. وقد أصبحت هذه الاستثمارات أوما أصبح يطلق عليها – الصناديق ” السيادية”، من أهم مصادر التمويل الاستثماري في العالم. ويجاوز حجم هذه الصناديق العربية  التريليون دولار. والسؤال الرئيسي هنا هو هل هذه الاستثمارات المالية في الخارج بديل حقيقي للنفط يصلح لما بعد النفط؟

رغم أن العالم تغلب عليه حالياً مذاهب الحرية الاقتصادية واحترام حقوق الملكية وحرية انتقال الأموال، فأن الصناديق السيادية للاستثمار – خاصة الصناديق العربية – أصبحت تثير جدلاً غير قليل في معظم أوساط الدول الكبرى. فلم يقتصر الأمر على رفض الإدارة الأمريكية لاستثمارات هيئة موانئ دبي في إدارة الموانئ الأمريكية، بل بدأت الأوساط المالية الدولية تبدي تخوفها من هذه الصناديق بمقولة أنها تتضمن أهدافاً سياسية. ولم يكن تصرف الحكومة الأمريكية ً في مواجهة موانئ دبي تصرفاً استثنائيا،ً فقد سبق للحكومة البريطانية – في ظل تاتشر- أن أرغمت الحكومة الكويتية على تخفيض استثماراتها في شركة برتش بتروليم بمقدار النصف، وذلك قبل مايزيد على عقدين من الزمان. وهكذا ظهر اتجاه عالمي، خاصة من الدول الكبرى والمؤسسات المالية الدولية، لوضع  قواعد وقيود على استثمارات هذه الصناديق تخوفاً من تأثيرها السياسي على اقتصاديات الدول المتقدمة. وأعلن ساركوزي وبيرلوسكوني معارضتها لاستثمارات الصناديق السيادية في أوروبا . والملاحظ أن هذه الانتقادات مازالت تصدر بأصوات خافته ولكن بإصرار، ربما لأنها جاءت في وقت تحتاج فيه معظم المؤسسات المالية إلى دعم مالي من المستثمرين العرب، الأمر الذي حدث بالفعل. ويقال أنه خلال الأزمة المالية العالمية للبنوك والمؤسسات المالية الناجمة عن أزمة الديون العقارية في أمريكا، كان دور هذه الصناديق واضحاً في أنقاذ العديد من كبار هذه المؤسسات مثل مجموعة سيتي جروب أو ميري لنش في أمريكا أو UBS. وهكذا تظل الحقيقة هي أن الاموال العربية ليست مرحباً بها في معظم الدول المتقدمة إلا اضطراراً. ويتساءل المرء – إذا كانت هذه الانتقادات والقيود المطلوب فرضها على تلك الاستثمارات ترتفع في ظل  الأزمة المالية القائمة ومع حاجة الدول الصناعية إلى أموال الخليج ونفطهم، فضلا عن الحذر الشديد لسياسات الاستثمار المالي لدول الخليج، فماذا يمكن أن يكون عليه الموقف بعد نفاد النفط؟ ومن سيحمي هذه الاستثمارات المالية العربية آنذاك؟ وماذا ينبؤنا التاريخ؟ هل استطاعت دولة أو دول في الماضي، أن تعيش فقط على عائد استثماراتها المالية إذا لم تسندها قوة اقتصادية إن لم تكن قوة عسكرية؟

حقا، لقد تمتعت إنجلترا باستثمارات مالية خارجية هائلة قبل الحرب العالمية الثانية، وهو ماعرفته الولايات المتحدة بعد ذلك. ولكن علينا أن نتذكر أن وراء كل من هاتين الدولتين قوة اقتصادية وعسكرية هائلة. وحتى المدن الإيطالية التي ازدهرت في العصور الوسطى كمراكز للتجارة الدولية مثل البندقية أو جنوة، فأنها أيضاً كانت قوة بحرية يعتد بها في البحر المتوسط. فلا يوجد مثال واحد أو تجربة لدولة استطاعت أن تعتمد فقط على إيراداتها من الاستثمار الخارجي. وربما المثال الوحيد لدولة تتمتع باستثمارات مالية خارجية هائلة دون قوة عسكرية أو اقتصادية، هو الفاتيكان، ولكن لهذه الدول الصغيرة مع ذلك، سلطة روحية لا يستهان بها. فهل تستطيع دول الخليج الاعتماد فقط على استثمارات مالية في الخارج بعد زوال النفط؟

وهنا يمكن يثار التساؤل عما إذا كان الاستثمار في الدول العربية  وبناء اقتصاد عربي قوي يمكن أن يكون  الضمانة الحقيقية لأموال النفط في المستقبل؟ فهل يمكن أن تصبح قوة الاقتصاد العربي هي الضمان للاستثمارات المالية العربية الخارجية؟

 ولكن لكل ذلك شروط ومواصفات مما يتطلب تعديلات كثيرة في الأوضاع السياسية والاقتصادية والقانونية للدول العربية. فهل تنجح دول الخليج النفطية في أحياء الدعوة إلى تكامل الاقتصاد العربي وبما يؤدي إلى تنمية هذا الاقتصاد مع ضمان لحقوق المستثمرين من الدول النفطية ؟ وهل يمكن أن يصبح الاقتصاد العربي عمقاً إستراتيجياً للاستثمارات المالية الخارجية للدول النفطية في عصر مابعد النفط؟ وهل تستطيع الدول الخليجية بما تملكه من قوة مالية في الوقت الحاضر أن تأخذ زمام المبادرة في تشكيل اقتصاد عربي متكامل على أسس سليمة؟ أسئلة صعبة، والإجابة عليها أصعب.

الاهرام 26 أبريل 2008  

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *