“!الفوضى الخلاقة”.. بالمصرى

لا يملك من يتابع المشهد المصرى الآن ونحن نقترب من المرحلة الأخيرة للمرحلة الإنتقالية – لا يملك إلا الشعور بالحيرة والإرتباك. وقد إنتشر خلال السنوات الأخيرة تعبير “الفوضى الخلاقة” حين إستخدمته كوندا ليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية فى عهد بوش بصدد القلق السياسى الذى يسود منطقة الشرق الأوسط. والحقيقة أن أصل هذا التعبير يرجع إلى الإقتصادى النمساوى/ الأمريكى شومبيتر حين أشار إلى أن التقدم الإقتصادى ينطوى على نوع من “الهدم البناء” Creative Destruction  – والذى إصطلح عليه “بالفوضى الخلاقة” . وكان رأى شومبيتر أن التقدم إذ يتحقق ـ عادة ـ بإستخدام أساليب إنتاجية حديثة لتحل محل أدوات الإنتاج التقليدية، فإنه يؤدى بذلك إلى الإستغناء عن العديد من الحرفيين وأصحاب المهن القديمة لصالح العمال الذين يعملون على الآلات والأجهزة الحديثة. فالتقدم يؤدى إلى هدم القديم، ولكنه “هدم بناء”، لأن الأدوات القديمة ليست فى كفاءة اللآلات الحديثة. وهكذا فهناك دائماً صراع بين “القديم” و “الجديد”.

 ونظراً لأن الثورة ـ أى ثورة ـ هى تعبير عن هجوم كاسح “للجديد” فى مواجهة “القديم”، لذلك تعرف الثورات دائماً مثل هذا الصراع بين الجديد والقديم، أو بين ما يعرف بإسم “الثورة” و “الثورة المضادة” . وتزداد الأمور صعوبة ليس فقط نتيجة للمواجهة بين الجديد والقديم، وإنما لأنه ـ فى كثير من الأحوال ـ نجد أن “الجديد” لا يعرف ماذا يريد؟ بقدر ما يعرف ماذا لا يريد. هناك بعض الإتفاق على التوجهات العامة ـ التى قل أن يختلف الناس عليها ـ  مثل العدالة والحرية، ولكن الخلاف يظهر دائماً فى التفاصيل. وكثيراً ما يقال أن الشيطان فى التفاصيل. فإذا كانت الحرية والعدالة والإزدهار هى المطالب العامة، فإن السبل المؤدية لها تختلف بين فريق وآخر.

وتواجه الثورة المصرية ـ مثل غيرها من الثورات ـ مثل هذا التناقض بين “القديم” و” الجديد”، ولكن الأكثر خطورة هو إختلاف المفاهيم بين أبناء الثورة أنفسهم حول السبل لتحقيق هذه الأهداف الكبرى. ويكفى أن ننظر إلى تطور الأحداث خلال إنتخابات الرئاسة، لكى نتيقن بأننا أزاء أوضاع بالغة الإرتباك والغموض. والسؤال المطروح هل ما نراه هو مجرد إرتباك وتخبط وتبديد للوقت والموارد، أم أنه فى الحقيقة أقرب إلى “الهدم البناء”، وأنه بذلك يمهد الطريق لإصلاحات قادمة؟

          بدأت الإنتخابات الرئاسية مع عودة ظهور قضية “الدستور أولاً”، وهى القضية التى بدأت فى الأيام الأولى للثورة، حين إتجه عدد كبير من المفكرين ـ آنذاك ـ إلى تحبيذ البدء بإعداد الدستور أولاً ثم تجرى إنتخابات البرلمان والرئاسة لاحقاً. فليس من المقبول أن نبدأ مباراة رياضية فى لعبة لم تحدد قواعدها بعد. فالدستور هو الذى يحدد أهم معالم النظام السياسى وقواعد اللعبة السياسية الجديدة.

          وقد عادت  هذه المشكلة من جديد عند النظر فى كيفية تشكيل اللجنة التأسسية لوضع الدستور، على ما هو معروف. وإنتهى الأمر بحكم القضاء بوقف تنفيذ التشكيل الذى قام به مجلسا الشعب والشورى. ثم جاء قرار حزب الحرية والعدالة بالترشيح لمنصب رئاسة الجمهورية، بعد الإعلان فى أكثر من مرة بأن الحزب لن يتقدم بمرشح لهذا المنصب، مما فتح الباب أمام ترشح عمر سليمان وبداية ظهور عودة أقطاب النظام السابق. وهكذا فتح باب الترشيح للرئاسة مجالاً جديداً للخلاف، وخاصة فيما يتعلق “بالعزل السياسى”. ورغم أن مفهوم “العزل السياسى” قد عرفته معظم الثورات، إلا أن توقيت وأسلوب تنفيذ هذا المبدأ جعله أشبه بقرار فردى موجه لأشخاص معينين بدلاً من أن يكون مفهوماً عاماً لحماية الثورة. فإقتصر العزل من كبار الموظفين على منصبى نائب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء.فإذا كان منصب نائب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء فى العهد السابق يمثلان خطراً لعودة رموز العهد القديم، فهل كان منصب الوزير أقل شأناً؟ وماذا عن دور وزير الداخلية مع مبارك مثلاً؟ هل هذا المنصب أقل إرتباطاً بالعهد السابق؟ وماذا عن رئاسة الوزارة، والتى تولاها ـ بالفعل ـ منذ قيام الثورة إثنان من وزراء ورؤساء وزارات مبارك! ولذلك فقد جاء هذا القانون ـ نظراً لتوقيته وحده ـ محلاً لجدل كبير. وكان موقف اللجنة العليا للإنتخابات أقرب إلى العلاج السياسى منه إلى الحكم القضائى.

 وفى هذا الجو الملتبس ظهر على رأس المرشحين للرئاسة أربعة من الإسلاميين ـ أصبحوا بعد إستبعاد الشيخ أبو إسماعيل ـ ثلاثة هم الدكتور أبو الفتوح والدكتور العوا والدكتور مرسى. وهذا يمثل تطوراً جوهرياً فى الحياة السياسية المصرية، بتقدم أصحاب الفكر السياسى الإسلامى لتولى مسئولية إدارة الحكم بعد عقود طويلة من الإستبعاد من الحياة السياسية وإخضاعهم لعمليات تنكيل وإضطهاد وإقصاء.ورغم هذا الزخم السياسى الإسلامى، فإن الناخب والمواطن المصرى لازال حائراً حول هؤلاء المرشحين. حقاً، يعرف المواطن أن هؤلاء المرشحين يختلفون عن المرشحين المدنين مثل عمرو موسى أو حمدين صباحى أو أبو العز الحريرى أو خالد على. فالمرشحون الإسلاميون ذوو خلفية أو مرجعية إسلامية. ولكن ما هو الفارق بين المرجعية الإسلامية لأبو الفتوح مثلاً عن المرجعية الإسلامية للعوا أو مرسى؟ وهل يختلفون كلية عن حازم أبو إسماعيل مثلاً؟ أم أن الفروق بينهم هى إختلافات شخصية فى المزاج والأولويات؟

 وهكذا ينطوى المشهد السياسى القائم على إرتباك كبير أشبه فى كثير من الأحيان بما يطلق عليه الفوضى السياسية. وهنا يحق التساؤل هل هى مجرد “فوضى” فقط، أم أنها “فوضى خلاقة”، قد يترتب عليها الكثير من الخير رغم ما نتحمله ـ الآن ـ من ثمن مرتفع إزاءها.إننى من المقتنعين بأن ما يحدث فى مصر حالياً هو ـ فى الأمد الطويل ـ أمر صحى وخير لمصر، وإن كان ذلك بتكلفة مرتفعة فى المدة القصيرة. وأستطيع أن أضع أصبعى على عدد من المكاسب السياسية ـ فى المدة الطويلة ـ لما نعانيه الآن. ولنعدد بعض هذه المكاسب.

وأول هذه المكاسب هو إستعادة الشعب المصرى لحقه فى تقرير مصيره وأخذه الأمور بيديه. فنزول الجماهير إلى الشارع والميدان للمطالبة بما تعتقده ـ هذه الجماهير ـ أنها حقها المشروع، هو تطور بالغ الأهمية والخطورة على مستقبل الحياة السياسية فى مصر. وقد جاءت مشاركة الجماهير فى الإنتخابات البرلمانية وخاصة لإختيار أعضاء مجلس الشعب ظاهرة ملفتة بعد عقود طويلة من السلبية والإنسحاب من الحياة السياسية. والآن لقد إستعاد الشعب دوره فى الإعلان عن رغباته وتطلعاته، فلن يستطيع حاكم ـ فى المستقبل ـ أن يتجاهل هذه الحقيقة الجديدة. وليس معنى ذلك أن المظاهرات والإعتصامات كانت فى جميع الأحوال مبررة أو مفيدة، فقد كانت هناك تجاوزات وإنحرافات. ولكن الخطوة الأولى قد تحققت. ومع التجربة والنضج السياسى، فمن المتوقع أن يكون التعبير عن المطالب الشعبية أكثر إنضباطاً ووضوحاً فى المستقبل. والخطوة الأولى هى دائماً الأكثر أهمية رغم أنها قد لا تكون الأكثر حكمة.

هذا عن المكسب الأول فى عودة الوعى للشعب، أما المكسب الثانى ـ فى نظري ـ فهو لا يقل أهمية أو خطورة. وهذا يتعلق بنهاية الحكم العسكرى فى مصر وعودة الجيش إلى مكانه الطبيعى فى حماية الحدود والدفاع عن المصالح الإستراتيجية العليا للبلاد. ويرجع هذا الأمر إلى أن التجربة الحالية قد أظهرت لكل من المواطنين فى عمومهم كما للجيش أيضاً، أن مهمة الحكم ليست لرجال الجيش، وأن إستغراقهم فى العمل السياسى اليومى هو محرقة للجيش نفسه كما أنه خسارة للبلاد. وأنا شخصياً ليست من المقتنعين بنظرية المؤامرة أو أن المجلس العسكرى يدبر مؤامرة لإغراق البلاد فى الفوضى للبقاء فى السلطة. ولكنى، وبالمقابل، لا أشك لحظة فى أن إدارة المجلس العسكرى لأمور البلاد السياسية خلال العام المنصرم قد شابها الكثير من الأخطاء. ولكنها أخطاء ترجع إلى “سوء الإدارة” و”سوء الحظ” ولا ترجع إلى “سوء النية”. وقد إضطر المجلس إلى عقد توافقات وقتية تبين أن لها آثاراً ضارة بعيدة المدى. وأعتقد أيضاً أن المسئولين فى المجلس العسكرى هم أكثر من تضرروا من السياسات المنفذة خلال العام الماضى. فهناك فارق كبير بين العمل السياسى وبين أعمال القوات المسلحة. فالسياسة هى ميدان ” التجربة والخطأ” وتعدد الرؤى السياسية بين الأحزاب، ومن أخطأ يخسر الجولة ويترك مكانه لفريق سياسى آخر كان يعمل على إسقاطه. وهكذا فالسياسة هى محاولات نجاح وفشل وتبادل فى المواقع بين السياسيين. أما الجيش والقوات المسلحة فليس لديها ترف “التجربة والخطأ”، فشعارها “النصر أو الشهادة”، وأى خطأ ترتكبه الجيش يفقده الثقه فى نفسه كما يفقده ثقة الجماهير فيه. ومن هنا من الضرورى أن يبتعد الجيش عن أعمال السياسة اليومية التى هى بطبيعتها مجال “للتجربة والخطأ”، ليقتصر على المجال الأكثر تحديداً ووضوحاً وهو حماية أم البلاد والدفاع عن مصالحه الإستراتيجية العليا فى الأمن والإستقرار. وبذلك فإن هناك تناقضاً كاملاً بين عمل العسكرى وعمل السياسى. فالعسكرى لا يدخل معركة إلا ليكسبها، أما السياسى فإنه يراهن على رؤية سياسية معينة وقد ينجح أو يخسر. ولذلك قل أن ينجح العسكرى فى الميدان السياسى إلا على حساب كفاءته العسكرية.ولعلنا ما نزال نذكر كيف إن نجاح عبد الناصر السياسى كان فى نفس الوقت أحد أهم أسباب فشله العسكرى، مما أدى إلى كارثة 67 المشئومة. ومن هنا فإننى أعتقد أن تجربة المجلس العسكرى خلال الفترة الإنتقالية وما شابها من صعوبات هى أفضل تأمين لعودة الجيش إلى دوره الطبيعى. وأعتقد، وأرجو ألا أكون مخطئأً، أن يكون المجلس نفسه قد إكتشف أن تصدى العسكرية للحياة السياسية خسارة للجيش نفسه بقدر ما هى خسارة للبلد. وفى نفس الوقت فإن وجود الجيش كخط دفاع أخير لحماية أمن البلاد هو المكسب الحقيقى. وقد أثبت الجيش المصرى ذلك عملياً خلال الفترة الأخيرة، فقد كان موقف الجيش المعارض للتوريث هو الضمانة الرئيسية لنجاح الثورة، كما أن مساندته فى الأزمة الأخيرة لوقف تصدير الغاز للشركة الإسرائيلية ما كانت تتم لولا وقوف الجيش من ورائها.

وأما المكسب الثالث للثورة فهو وضع “الإسلام السياسى” موضع الإختيار وتأهيله للنضج السياسى. فلا أحد ينكر أن مصر فى مجموعها تقوم على شعب متدين، وأن الإيمان بالإسلام عميق فى النفوس، وهو مصدر إطمئنان كما هو أمل للتطلع للمستقبل. وقد كانت مواقف رجال الدين والأزهر فى مصر الحديثة منذ الحملة الفرنسية واضحاً، حيث إختلطت الدعوة الدينية للإنتفاضة بالدعوة إلى الوطنية وإلى الحرية والعدالة. ومنذ بدايات القرن العشرين بدأت جماعة “الإخوان المسلمين” فى التنظيم من أجل الإصلاح السياسى، ولكنها خضعت طوال ما يقرب من تسعة عقود للإضطهاد والإقصاء والتعذيب. وقد إستطاعت هذه الجماعة فى ضوء هذه الأوضاع أن تطور إستراتيجية ناجحة للبقاء والإستمرار رغم كل جهود المحاصرة والمحاربة، كما إستخدمتها حكومات متعددة كفزاعة للتخويف والترويع. وفى هذا الجو غير الطبيعى نجحت الجماعة فى البقاء وأحياناً فى الإزدهار مستخدمة كل أنواع الأسلحة المتاحة من المناورة إلى الإرهاب أحياناً والصفقات والتفاهمات الجزئية قبل الإنقلاب والمواجهة مع مختلف الحكومات، بدءاً من التعامل مع الإنجليز إلى القصر إلى الوفد ثم مع ثورة يوليو إلى السادات فى أيامه الأولى، وأخيراً مع المجلس العسكرى نفسه. وقد إكتسبت الجماعة خلال هذه التجربة الطويلة قدرة هائلة على المناورة والبقاء والتعايش، إن لم يكن الإزدهار فى ظل ظروف مناوئة. ويبدو أننا وصلنا إلى الفصل الأخير. فها هى الجماعة وغيرها من الإتجاهات الإسلامية تقترب من الحكم، وتحتاج بالضرورة إلى إستراتيجية جديدة. فلم تعد إستراتيجية الحرص على البقاء فى ظل ظروف مناوئة كافية، والمطلوب الآن هو إستراتيجية جديدة لتحمل مسئولية الحكم مواجهة قضايا العصرفى السياسة والإقتصاد والعلاقات الدولية ومختلف نواحى الحياة الحديثة. وهذا إختبار كبير، فإما أن تنجح فيه وتقدم تصورات عملية تنهض بالأمة، وإما أن تفشل. لقد جاءت لحظة الحقيقة والإختبار الفعلى. وهذا كسب كبير للأمة سواء نجحت التيارات الإسلامية فى دعواها أو فشلت. ولست أشك فى أن نتائج هذه التجربة ستكون بالضرورة ظهور نوع من “الإسلام السياسى” المعتدل والواقعى والمتفائل. وهو كسب غير قليل.

وأخيراً، فأعتقد أن تجربة هذه الفترة قد أظهرت، بما لا محل للشك فيه، أن وجود قضاء مستقل ومحايد يطبق القانون بحزم وأمانة أمر لا مناهى منه. فالمجالس المنتخبة تخضع ـ فى كثير من الأحوال ـ للضغوط الشعبية وأحياناً المطالبات الشعبوية. والقانون هو الضمانة النهائية للمستقبل. ويحتاج القانون إلى قضاء مستقل وواع. وقد أوضحت الأحداث الأخيرة خطورة دور القضاء المستقل.

وهكذا يتضح أن الفوضى العارمة التى نعيشها ليست بلا فائدة أو بلا عائد، وإنما هى الثمن الحقيقى لكى نتخلص من العديد من أمراضنا الموروثة. فنحن إزاء حالة من “الفوضى” حقاً، ولكنها قد تكون أيضاً “فوضى خلاقة”. فقد يخرج من رحمها عودة البلاد إلى شعبها وإستعادة المواطن لحقه فى الإعتراض والإحتجاج. كذلك بينت هذه الأحداث حدود الحكم العسكرى سواء للمواطنين أو للمؤسسة العسكرية على السواء. فالجيش هو السند الأخير لحماية أمن البلاد وإستقرارها ومصالحها الإستراتيجية العليا. أما تدخل الجيش فى السياسة اليومية فهو عبء على الجيش وعلى البلاد فى نفس الوقت. ومن ناحية ثالثة أخرجت الثورة “الإسلام السياسى” إلى مجال التجربة والإختبار، وهو المعيار الحقيقى والوحيد للنضج والمسئولية. وأخيراً إستقر الإقتناع بأن وجود دولة القانون مع قضاء مستقل ومحايد هو خط الدفاع الأخير لحماية الحريات.

وهذه كلها مكاسب هامة تجعل من الثورة، رغم إخفاقاتها الوقتية والمتعددة كسباً تاريخياً هاماً للشعب المصرى. ولكن ينبغى أن نتذكر إننا وبرغم هذه المكاسب الهامة والكبيرة، فإننا نواجه أيضاً مشكلات “عاجلة” وخاصة فى مجالات إستعادة الأمن والإستقرار وعودة الحياة الإقتصادية الطبيعية، ودون ذلك فقد تكون الخسارة أكبر مما نتوقع. والله أعلم.

الأهرام 7 مايو 2012

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *