القضاء آخر الحصون

تناولت الصحف في الأسابيع الأخيرة عدة أحداث متعلقة بالقضاء المصري. فمن ناحية أجريت انتخابات في نادي القضاة كما ناقش مجلس الشعب من ناحية أخرى مشروع قانون جديدة لرفع الرسوم القضائية. وقد أثار الحدثان جدلاً كبيراً في مختلف الأوساط. فانتخابات نادي القضاة تمت في ظل انقسام بين ما عرف بقائمة “الحكومة” في مواجهة قوائم أخرى “معارضة” أو “مستقلة”. وقيل، وهنا موطن الخطر، أن هذه الانتخابات قد تمت في ظل أنواع عديدة من الضغط والإغراء معاً مما جعلها أشبه بانتخابات سياسية. كذلك أثار موضوع الرسوم القضائية العديد من التساؤلات عن الهدف من هذا الاقتراح، ومدى تأثيره على حق المواطن العادي في الالتجاء إلى القضاء لضمان حقوقه دون أعباء مالية مرهقة. وحرمان المواطن ـ عمليا ـ من حق التقاضي هو إنكار للمواطنة نفسها. فحقوق المواطن في كافة المجالات السياسية والمالية والعائلية تظل حبراً على ورق ما لم يتاح للمواطن الفرصة للالتجاء إلى حكم القضاء لحماية لحقوقه مع القدرة على تنفيذ هذه الأحكام. فجوهر دور الدولة ومبررها هو حماية حقوق الأفراد وحرياتهم بالدفاع عن أرض الوطن وحماية الاستقرار والأمن وضمان العدالة.  ودون ذلك فإن الدولة تصبح صرحاً للقهر والتسلط.

وليس الغرض من هذا المقال مناقشة انتخابات نادي القضاة أو الرسوم القضائية في ذاتهما حيث تنقصني المعلومات عن تفاصيل كل منهما. ولكن ما يدفعني إلى الكتابة هو تعدد محاولات جذب ـ أو حتى توريط ـ القضاء إلى حلبة السياسة واستخدامه لتأييد توجهات دون أخرى مما يخرج القضاء عن دوره التقليدي في الترفع والسمو عن التجاذبات السياسية أو المذهبية. القضاء ليس خصماً أو حليفاً لطرف دون آخر. فالقضاء فوق الجميع، أو هكذا ينبغي أن يكون. وليس هذا مجرد شعار يرفع، وإنما هو عقيدة يجب أن ترسخ في الأذهان وبما يضمن ترفع القضاء عن صغائر الأمور. فالقضاء هو في جوهره ثقة؛ الثقة في نزاهة القاضي وفي حياده وفي علمه. فإذا انهارت هذه الثقة انهار أساس وجود القضاء.

وليس هذا بغريب فسلطة الفصل في المنازعات هي سلطة شبه إلهية. وكانت الجماعات البدائية تلجأ إلى استلهام إرادة الآلهة من إشارات أو إيماءات للفصل في المنازعات، وكان القضاة عادةً من الكهنة والسحرة وقراء الغيب الذين رفع عنهم الحجاب. فالقضاء بين الناس كان يتطلب ـ في نظر الجماعات القديمة ـ استلهام قوى من خارج الطبيعة من آلهة أو أرواح أو غير ذلك. وكان الحكام من ملوك أو أمراء يوهمون أنفسهم ـ كما رعاياهم ـ بأن سلطتهم مستمدة من الآلهة. ففرعون هو إله الشمس أو هو ابن الإله. واستمر هذا التقليد في معظم المجتمعات. وكان خليفة المسلمين يدعي أنه “ظل الله في الأرض”، وبالمثل اعتنقت معظم الأسر المالكة في أوربا هذا الفكر حتى قيام الثورة الفرنسية. وكانت أهم وظائف الملك هي الفصل في المنازعات، فالملك هو القاضي الأعظم وهو الحكم الأخير. ولعل أشهر روايات الملك / القاضي ما عرف عن الملك سليمان من عدالة في الأحكام.

وكانت الدولة الإسلامية، وخاصة في مراحل ازدهارها، حريصة على احترام “القاضي” الذي لم يكن عليه من رقيب بعد الله سوى ضميره. فالقاضي في دولة الإسلام كانت له مكانة وهيبة. وكان القاضي الإسلامي يطبق الشريعة الإسلامية ولا يعبأ بما يصدره الخليفة أو الوالي من أوامر والتي كان يشرف على تنفيذها موظف آخر هو المحتسب أو والي الحسبة. وقد بلغت حساسية بعض العلماء أن رفض العديد منهم هذا المنصب خشية الاضطرار إلى الخضوع إلى بعض الضغوط الخارجية. ومن أشهر الأمثلة رفض الإمام أبو حنيفة منصب القضاء، والذي قبله تلميذه أبو يوسف، وكان أقل منه تشدداً. وقد وقف بعض القضاة في وجه السلطة عندما وجدوا مخالفة للشرع، كما حدث مع أحد قضاة مصر (العز بن عبد السلام) في عصر المماليك عندما أفتى حينذاك بأن السلطان (الملك الصالح نجم الدين) باعتباره مملوكاً فهو عبد ومن ثم فلا ولاية له على أحرار المسلمين، وبالتالي فلا سلطة له على الناس ما لم يتم بيعه في الأسواق وعتقه بعد ذلك. وقاوم السلطان وحاول عزل القاضي ونفيه حتى ثارت الجماهير مساندة للقاضي، واضطر السلطان للإذعان وقبل عودة القاضي ونفذ طلباته، وتم بيع السلطان في الأسواق ثم عتقه.

ولكل ذلك فإن للقضاء رهبة وهيبة وتاريخ طويل من التقاليد. وما زالت معظم الدول تحيط القضاء بشيء من المراسم والطقوس بما يسترجع ذكريات التاريخ. فالقضاة يرتدون زياً خاصاً يكاد يقترب من أزياء القساوسة أو المشايخ ورجال الدين تذكيراً بالعلاقة بين سلطة القضاء والآلهة، وهم يحكمون باسم الله والعدالة. وفي بعض الدول يضعون على رؤوسهم شعراً مستعاراً لإضفاء مزيد من مظاهر الوقار والمهابة والحكمة. وترتفع منصة القاضي عن قاعة المحكمة تأكيداً على أن الحكم يصدر من أعلى.

وليست كل هذه المظاهر مجرد ذكريات من الماضي أو حنين إلى التقاليد، وإنما هي تعبير عن رغبة المجتمع والدولة على التأكيد أن “القانون فوق الجميع”، وأن القضاة هم حراس هذا القانون. ومن هنا يتمتع القضاة ـ في معظم دول العالم ـ بعديد من المزايا مثل عدم القابلية للعزل والاستقلال ومزايا مالية معقولة. والغرض من كل هذا ليس تحقيق مصالح القضاة بقدر ما هو رفع قيمة العدالة وتعميق الثقة في القائمين بها بترفعهم عن الصغائر، وإبعادهم عن الحاجة. فالقاضي في نظر العامة هو شخص متجرد من كل ضغوط الحياة، وقد وهب نفسه لكلمة الحق وتطبيق العدالة والتي لا تميز بين قوي وضعيف أو بين غني وفقير. فتمثال إله العدالة سيدة مغمضة العينين تحمل ميزاناً للحكم بالعدل والقسطاس. فالقاضي ليس موظفاً حكومياً يتلقى التعليمات أو فرداً عادياً يباشر مهمته، وإنما هو “صوت العدالة”، وهو الوحيد، بعد الله، الذي نتقبل حكمه بلا مناقشة. فرأي القاضي ليس مجرد اجتهاد وإنما هو نطق بحكم القانون.

ولم يقتصر الأمر على توفير المزايا والضمانات للقضاة لتأكيد استقلالهم ونزاهتهم وحيدتهم، بل أن معظم الدساتير تقرر بأن القضاء “سلطة” مستقلة على قدم المساواة مع السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية. وهي السلطة المنوط بها ـ وحدها ـ مسئولية تطبيق القانون عند الفصل في المنازعات، وليس لأحد ـ أياً كان ـ أن يتدخل في أمورها. وهو تقليد ثابت ومستقر في معظم الدول الحديثة.

ولكل ذلك فإن المحافظة على استقلال القضاء وكرامتهم ليس أمراً متعلقاً بالقضاة أنفسهم بل هو حماية لجوهر “دولة القانون”، حيث يطمئن فيها المواطن إلى أن حقه في التقاضي مكفول بلا قيود وعوائق، وأن قاضيه نزيه ومحايد وعالم، وأن ما يصدر من أحكام سوف ينفذ بدعم من سلطات الدولة التنفيذية.

وما يثار حالياً  من أحداث متناثرة حول القضاء لا يبعث على الاطمئنان. ولن أشير إلى ما نسمع عنه من ازدياد حالات الانحراف على نحو لم يكن معروفاً في مصر من قبل. وهو أمر خطير لا يمكن السكوت عنه. ولكن ما يهمني الإشارة إليه هو ما يتعرض له استقلال القضاء حالياً. ورغم أن الحكومة هي صاحبة المصلحة الأولى في استقلال القضاء، فيبدو أنه لاعتبارات عابرة وقصيرة النظر، تتجه بعض الجهات إلى محاولة التأثير على القضاة دون أن تدري أنها بذلك تهدد الأسس التي قامت عليها الدولة. وما يتعرض له القضاة حالياً ليس ضغوطاً بالمعنى الصريح بقدر ما هي إغراءات وعادةً ما تكون إغراءات مادية، لتليين صلابة القضاة.

يحصل القاضي على مرتبة، ولكن هناك حوافز ومكافآت أخرى يتضاءل إلى جانبها “المرتب” الأساسي. وهذا غير لائق بالنسبة لعمل القاضي. فنظام الحوافز بدأ في الإنتاج الصناعي وحيث يمكن قياس إنتاج العامل كمياً، أما القضاء، فإن طبيعة عمله لا تصلح لمثل ذلك. وإذا كان توزيع المكافآت والحوافز في أيدي السلطة التنفيذية وممثليها في الوزارة فإن استقلال القاضي لن يكون كاملاً. ينبغي أن يحصل القاضي على مرتبة وأن يكون هذا المرتب مجزياً دون إضافات تترتب عليها إغراءات جديدة.

كذلك يباشر القاضي عمله القضائي مقابل مرتبه فيطلب للإعارة أو الانتداب في إحدى الوزارات أو الهيئات العامة للقيام بعمل قانوني ولكن بمكافأة كبيرة تميزه عن زملائه، رغم أنه يعمل في نفس الدولة، وربما نفس نوع العمل القانوني. هذا نوع من الإغراء ليس فقط فيمن يختار للإعارة أو الندب في عمل في أجهزة الحكومة الأخرى وإنما أيضاً بالنسبة لمن يتطلع لهذا “الأمل” من الآخرين.

وأخيراً، فقط استغلت الدولة الضعف الإنساني لدى جميع الآباء بأن فتحت باب التعيين في السلك القضائي لأبناء المستشارين بصرف النظر عن درجات تخرجهم من الجامعات. وهو استثناء غير مقبول خاصةً من رجال العدالة. وكانت الدولة قد أقلعت عن هذا الاستثناء منذ أكثر من خمسة عقود،  حيث كان التعيين في كافة وظائف القضاء وفقاً للجدارة العلمية فقط كما تظهر في درجات الشهادات الجامعية. وها نحن نسمع بعودة هذا الاستثناء من جديد ليعود بنا إلى عهد الامتيازات. ليس من المقبول أن نغرس ثقافة “التوريث” في قضائنا، كما أنها غير مقبولة في أي مجال آخر.

القضاء هو آخر الحصون. فلا يجوز العبث به لأغراض سياسية زائلة. اهتزاز الثقة في القضاء هو انهيار لآخر خطوط الدفاع للمجتمع المدني السليم والدولة المحترمة. والله أعلم.

المصري اليوم: 17/03/2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *