اللهم احمني من أصدقائي

متابعة لمقالي السابق عن تكاليف تحقيق البرامج الانتخابية، أتناول اليوم نفس الموضوع من زاوية مختلفة. ولا شك أن الاقتصاد والسياسة هما أهم مقومات أي مجتمع، ويمكن أن يضاف إليهما القيم الاجتماعية (دينية وأخلاقية). وسوف أقتصر في هذا المقال على مناقشة بعض جوانب الاختلاف بين نظرة “الاقتصادي” و”السياسي”. وأثّر ذلك على شكل البرامج السياسية للمرشحين.

وأما أن “الاقتصاد” عنصر هام في حياة البشر، فذلك يرجع إلى أن هذا العلم يهتم بأمور معاش الناس من إنتاج لمختلف السلع والخدمات أو من حيث توزيع الدخول والثروات فيما بينهم وكيفية تنظيم علاقات الإنتاج. ولذلك فإن الاقتصاد يعمل على توفير حاجات الناس وأسلوب ذلك بما يترتب عليه من اختيار نظم للإنتاج والتوزيع متضمناً أمور ملكية الموارد الاقتصادية وكيفية التصرف فيها وعلاقات الإنتاج وما ينجم عنها من أسعار للبضائع والخدمات أو دخول للمساهمين في العملية الإنتاجية فضلاً عما يتطلبه ذلك من وضع السياسات العامة في مختلف الجوانب المالية والاقتصادية.

وأما أن “السياسية” عنصر لا يقل أهمية عن الاقتصاد، فهو يرجع إلى أن جميع مظاهر العلاقات الاجتماعية – سواء في الاقتصاد أو غيره – لا يمكن أن تستقر وتعمل بكفاءة ما لم توجد قواعد للعبة يحترمها الجميع ويعاقب المخالف لها. فالأفراد في أي مجتمع لا ينضبطون في علاقاتهم بعضهم ببعض ولا تحترم حقوقهم وحرياتهم ما لم توجد قواعد عامة معروفة للسلوك، تفرض على الجميع وتحترم من جانبهم، ويوقع الجزاء على من يخرج عليها أو يخالفها. ودون ذلك تعم الفوضى، وتضيع الحقوق، ويتسيد القوي ويهان الضعيف. وهو ما عبّر عنه الفيلسوف الإنجليزي هوبز في القرن السابع عشر بالقول بأن المجتمعات قبل ظهور السلطة السياسية كانت تعيش في حالة “حرب الجميع ضد الجميع”. ومن هنا أهمية “السلطة” التي تفرض النظام وتضع القواعد وتضمن احترام الجميع لها. فبدون “السلطة” لا وجود للمجتمع وإنما هي الفوضى. والسياسة هي علم “السلطة”.

وهكذا يتضح أن الاقتصاد والسياسة – ومعهما الأخلاق بالمعنى الواسع – هما أهم مقومات المجتمع”. “فالاقتصاد” يهتم بمعاش الناس وتطوير قدراتهم الإنتاجية، و”السياسة” تضمن وجود

المجتمع وتماسكه وبالتالي قدرته على الإنتاج والتقدم، فلا “اقتصاد” بدون “سياسة” كما أن العكس صحيح أيضاً.

ومع ذلك فإن نظرة “الاقتصادي” للأمور تختلف عن نظرة “السياسي” لها. “فالاقتصادي” مهموم بقضية الإنتاج، والإنتاج لا يتم إلا باستخدام الموارد استخداماً رشيداً. ولكن الموارد “نادرة” وتتزاحم حولها الاستخدامات المتعددة، ومن هنا لابد من “الاختيار” والتضحية ببعض الاستخدامات في سبيل ما هو أهم. وهو ما يؤدي إلى ظهور مفهوم “التكلفة”. فإنتاج شيء باستخدام الموارد المتوافرة يعني التضحية بشيء آخر كان يمكن إنتاجه بنفس الموارد، وهذه هي فكرة “التكلفة”، أو ما جرى الاصطلاح على تسميتها “بتكلفة الفرصة البديلة” opportunity cost. فقد نشأ علم الاقتصاد بسبب ندرة الموارد. ومن يتحدث عن الندرة إنما يتحدث عن “التكلفة”. وهكذا يدور تفكير الاقتصادي دائماً على أساس المقارنة بين العائد والتكلفة. والاختيار يتوقف على المقارنة بين مختلف العوائد والتكاليف، فلاقتصاد لا يعرف هدايا أو هبات، ولكل شيء ثمن.

ولكن “السياسي” مشغول بقضية أخرى، فعينه دائماً على “السلطة”، وهو يرى أن المجتمع لا ينصلح حاله ما لم توجد سلطة قوية ومستقرة، ودون ذلك فإن أمور المجتمع تهتز وينفرط عقده ولا تقوم له قائمة. والحديث عن “السلطة” هو حديث أوامر تصدر وقواعد تصاغ من ناحية، ويتم الانصياع والخضوع لها من الجميع من ناحية أخرى. فالسلطة هي علاقة بين حاكم ومحكومين، بين من يصدر الأوامر ومن ينصاع لها. و”مشروعية” السلطة تستند إلى شعور الحاكم والمحكومين معاً، بأن لصاحب “السلطة” الحق في إصدار الأوامر والقوانين من ناحية، وفي شعور المحكومين بأن عليهم واجب الطاعة لما يصدر لهم من أوامر أو يشرع لهم من قواعد وقوانين من ناحية أخرى. فمشروعية السلطة تعني الخضوع “طواعية” لأوامر وتكليفات السلطة. أما إذا سقطت هذه المشروعية، فإن الخضوع لأوامر السلطات لا يتحقق إلا بالقهر المادي من قوى عسكرية أو بوليسية أو نتيجة الخوف من هذه القوى المادية. وفي هذه الحالة تصبح السلطة “فعلية” وليست “مشروعة” حيث تستند إلى القوة المادية أو الخوف وليس إلى القبول التلقائي لأفراد المجتمع. ومن هنا فإن “السياسي” يسعى لكسب رضاء المواطنين لكي يصل إلى السلطة “المشروعة”، وهو لا ينجح في ذلك إلا إذا وعدهم بنتائج ملموسة وأهداف محددة. وهكذا يظهر الاختلاف بين نظرة السياسي والاقتصادي، “فالسياسي” مشغول بالدرجة الأولى بكسب قلوب وعقول المواطنين توسلاً للوصول إلى السلطة، في حين أن “الاقتصادي” عينه دائماً على التكلفة، فليس الأمر مجرد أهداف تتحقق، وإنما المهم هو ما يترتب عليها من تكلفة، وهل لديه الموارد الكافية لتحقيق هذه الأهداف، وهل هي الأفضل لاستخدام الموارد المتاحة؟

ورغم هذه التفرقة بين نظرة كل من “الاقتصادي” و”السياسي” للأمور، فإن الواقع يفرض على كل منهما أن يراعي وجهة النظر الأخرى. “فالاقتصادي” لا يفكر فقط في عالم من التكاليف والموارد وإنما عليه أن يراعي أيضاً علاقات القوى السياسية القائمة وما هو ممكن وما هو غير ممكن في إطار علاقات القوى. وبالمثل فإن “السياسي” لا ينشغل فقط بممارسة السلطة وإصدار الأوامر والتوجيهات، وإنما عليه أن يحسب تكلفة كل قرار وما إذا كان من الممكن تحقيقه في ضوء ما يتوافر له من موارد. وبذلك فإن الواقع العملي لا يعرف هذا التمييز الحاد بين “نظرة الاقتصادي” و”نظرة السياسي”. ومعظم رجال السياسة أو الاقتصاد يراعون، في نفس الوقت، الجوانب الاقتصادية وما هو كفء، والجوانب السياسية وما هو ممكن ومطلوب. ومع ذلك تظل هناك في الخلفية العامة اختلافات بين “الرؤية الاقتصادية” والتي تغلب جانب المقارنة بين التكاليف والعوائد وبين “الرؤية السياسية” والتي تغلب جانب استقرار السلطة ودوامها عن طريق كسب قلوب المواطنين وتأييدهم.

وبعد هذه المقدمات النظرية، فإن الجماهير في مصر سوف تذهب بعد أيام إلى صناديق الانتخاب لانتخاب رئيس جديد للجمهورية وذلك بعد أن استعرض المرشحون برامجهم الانتخابية التي غلب عليها الطابع السياسي في أهداف يراد تحقيقها. فهذا يعد بحل مشكلة التعليم، وذاك سوف يضيف إلى حجم الأرض الزراعية أو يضاعف عدد المشروعات الصناعية، وثالث سوف يمنح إعانات للبطالة أو يزيد من المرتبات والمعاشات ورابع سوف يحل مشكلة الإسكان الشعبي، بل وبعضهم يعد ببناء عاصمة جديدة، وتتعدد الوعود وتتنوع. وهكذا يجد الناخب نفسه أمام قوائم متعددة لوجبات من أطباق فاخرة ومتنوعة؛ في التعليم، وفي الزراعة، وفي الإسكان، وفي الصناعة، وفي فرص العمل… والقائمة طويلة. ولكن أحداً لم يقدم فاتورة الحسابات أو على الأقل لم تظهر فكرة التكاليف ومن يتحملها بشكل واضح. هل هناك مزيد من الضرائب، وعلى من تفرض؟ هل سيترتب على مزيد من التخصصية ارتفاع ثمن خدمات كانت تقدم مجاناً أو بتكلفة رخيصة مع القطاع العام؟ هل هناك احتمالات لمزيد من التضخم وارتفاع الأسعار؟ هل هناك حاجة إلى مزيد من الاقتراض من الخارج؟ هل يتم توفير الموارد لهذه الجهود عن طريق تخفيضات في أوجه الإنفاق الأخرى، وكيف؟ وما هي وجوه الترشيد في الإنفاق؟ هل تتم محاسبة الفساد وفتح الملفات؟ ومن المستفيد ومن المضار من هذه الإجراءات أو تلك؟

الحقيقة الأولى أن الإصلاح في الاقتصاد كما في السياسة ليس مجاناً وإنما له تكلفة دائماً. وهذه التكلفة لابد وأن يتحملها أحد. ولكن الحقيقة الأخرى هي أن هذه التكلفة لا توزع دائماً على الجميع بشكل متساو أو عادل. فالأوضاع القائمة لا يمكن أن تستمر ما لم يكن هناك مستفيدون منها. وهكذا يتضح أن الإصلاح هو في الحقيقة صراع مصالح، هناك مصالح تفيد من الأوضاع القائمة، في حين أن قطاعات أخرى – قد تكون الغالبية – تضار منها أشد الضرر. والإصلاح يعني محاربة المصالح المستفيدة من الأوضاع القائمة والضارة بمصالح الغالبية. وهذا يمثل تكلفة، فأصحاب هذه المصالح المهددة لن يسكتوا على الأضرار بمصالحهم وإنما سوف يقامون كل إصلاح. ففي كل جانب من جوانب الإصلاح هناك مصالح تعارض ذلك وتحارب من أجل إبقاء الأوضاع على ما هي عليه. ومحاربة هذه العناصر يعني تكلفة ينبغي الاستعداد لتحملها. فالفساد مثلاً ضار بالنسبة بالاقتصاد في مجموعه وعبء على الغالبية العظمى من أفراد الشعب، ولكنه من ناحية أخرى منجم ذهب للأقلية المستفيدة منه، وهي لا تقبل – بسهولة – التنازل عن هذه البقرة الحلوب، وهي تخشى أكثر من فتح الملفات القديمة. وبالمثل فإن الروتين والبيروقراطية هما أيضاً أعداء المبادرة الفردية واقتصاد السوق بصفة عامة، ولكنهما أيضاً مملكة الموظفين ومجال الاستمتاع بسلطاتهم وربما أيضاً بمزايا أخرى. وقل مثل ذلك بالنسبة للعديد من مواطن الضعف والقصور فيما يعانيه الاقتصاد المصري. هناك دائماً مصالح وفئات وراء هذه الأوضاع القائمة، وبعضها مصالح كبيرة وغير مستعدة للتنازل عنها بسهولة ويسر، فهي تكلفة بالنسبة إليهم.

وإلى جانب التكاليف الراجعة إلى المصالح الخاصة المنتفعة من استمرار الأوضاع، هناك تكاليف أخرى – لا تقل أهمية – راجعة إلى فقر الموارد العام في مصر. فالحديث عن البطالة أو ارتفاع الأسعار أو سوء الخدمات العامة، كل هذا يرجع – في الأساس – إلى فقر المجتمع والنقص الشديد في الموارد. وليس الأمر راجعاً فقط لانخفاض معدلات الدخل الفردي وإنما يرجع بوجه خاص لانخفاض معدل الادخار المحلي. فمعدل الادخار المحلي يتراوح في مصر بين 14%-16% من الناتج الإجمالي، الأمر الذي ينعكس على معدلات الاستثمار. ولا تستطيع دولة أن تحقق معدلات نمو معقولة ما لم تخصص للاستثمار 25% على الأقل من الناتج الإجمالي (علماً بأن معظم دول جنوب شرق آسيا تدخر وتستثمر بشكل دائم ما لا يقل عن 30% وغالباً أكثر). ومع هذه المعدلات المنخفضة للادخار في مصر سيظل الاستثمار المحلي مقيداً وبالتالي معدلات النمو متواضعة. ولعله من المناسب أن نشير هنا إلى أن الميزانية العامة للدولة وهي تعرف عجزاً جاوز 3% من الناتج القومي (ويبدو أن العجز الحكومي قد ارتفع عن ذلك أخيراً)، أي أن مساهمة الحكومة في الاقتصاد القومي هي نوع من الادخار السلبي وبما يخفض معدل نمو الاقتصاد بما لا يقل عن واحد في المائة سنوياً (بافتراض معامل رأس المال 1:3). وكان الأولى أن يبدأ الإصلاح بإعادة ترتيب البيت الداخلي للحكومة وعلاج خلل الميزانية.

ولكل ذلك فإننا كنا نحتاج إلى برامج تفصيلية للمرشحين لا تكتفي بالتبشير بالوعود بل تعلن أيضاً عن فاتورة الحساب ومن يتحملها. فلا يكفي أن تتضمن البرامج السياسية الأهداف التي يراد تحقيقها، وإنما لابد وأن يصاحب ذلك بيان تكاليف هذه الأهداف  ومن سوف يتحمل أعبائها. المطعم الجيد لا يعلن فقط عن أهم الأطباق التي يقدمها، ولكنه لابد وأن يشير أيضاً إلى أسعارها، فتجربة البشرية قد أوضحت أنه لا توجد وجبات مجانية.   والله أعلم

الله أعلم:

اللهم احمني من أصدقائي…

دكتور حازم الببلاوي

عنوان هذه المقالة هو جزء من مقولة مشهورة، أما الجزء الباقي من هذه المقولة فهو “أما أعدائي فأنا كفيل بهم”. والحقيقة أننا كثيراً ما نصادف المشاكل في الحياة من الأصدقاء والمعاونين والتي يصعب معالجتها، أما الخصوم والأعداء فيمكن التنبه لأعمالهم ومحاصرتها وإحباط آثارها. أما أن يأتيك الخطر ممن هم حولك ومعك، فهذا ما قد يعرضك لأضرار وخسائر كثيرة. وهي تأتي – غالباً – دون أن تكون مستعداً لها فتربكك. فضلاً عن أنها وقد صدرت من أصدقائك ومعاونيك فإنها تعتبر شاهداً عليك.. أو ليس هؤلاء هم أقرب الناس إليك، وأعرفهم بك؟ وهكذا يصبحون حجة دامغة، فهم من قبيل “شهد شاهد من أهلها”.

ليس في نيتي أن أتناول هذا الموضوع في رمته أو من مختلف جوانبه، وإنما سوف أقتصر على صورة واحدة. وهي ما يعانيه المسؤولون من أضرار نتيجة رياء وتزلف المنافقين لهم، بالإساءة، من حيث لا يدرون، عن صورة هؤلاء المسؤولين الذين كثيراً ما يفاجئون ببعض الصور من النفاق الرخيص. فالمنافقون لا يعدمون الطرق والأساليب للتعبير عن ولائهم – عادة الكاذب – للمسؤول في كل مناسبة، ولو تترتب على ذلك شعور بالاستياء أو الاشمئزاز لدى العامة. والكثير من مظاهر هذا النفاق تعرض المسئول نفسه للقيل والقال وأحياناً إلى السخرية، رغم أن ما يقال أو ينشر قد يتم دون علم منه. فرصيد المسئول السياسي الأول هو ثقة المجتمع فيه ومصداقيته أمام الجميع وهي أمور تتحقق تلقائياً بالممارسة ونتيجة للمواقف والقرارات، وليس بإعلانات التأييد والتهنئة بالمناسبات، أو دون مناسبة، والتي يبدو فيها الاصطناع والافتعال. وعادة ما يكون شعور عامة الناس في مثل هذه الأمور شعوراً صادقاً يميز بين رد الفعل الطبيعي الصادق والمخلص وبين ذلك المتزلف والمنافق. والمشكلة في النفاق أنه بعد أن يصل إلى حد معين قد يوهم الجمهور بأن المسئول نفسه هو الذي يستعذب هذه الأشكال من الرياء والزيف أو يشجع عليها، رغم أنه قد يكون في الحقيقة بريئاً من ذلك. فهذا أمر إن صدق بعض الحالات، فإن الغالب من الأمر هو أن قدرات المنافقين تجاوز بكثير رغبات المسئولين. فالعديد من المسئولين لا يحبون مثل هذه الصور من النفاق بل ويفاجئون بها وكثيراً ما يعترضون عليها. ولكن هيهات، فإصرار المنافقين أقوى بكثير من مقاومة المسئولين. وهنا يقع الضرر، إذ يتصور عامة الناس أن المسئولين راضون عن هذه النماذج محبون لها، في حين أنهم كثيراً ما يكونون كارهين لها. وقد كثرت مظاهر النفاق بأشكال لا تخلو من الفجاجة.

وليس معنى ما تقدم أن النفاق مرض خاص بنا، رغم أن له جذور عميقة في تاريخنا البعيد والقريب، فالحقيقة أنه ظاهرة عامة نجدها في كل المجتمعات، المتقدم منها والمتخلف، الفقير والغني، نجدها في مكاتب العمل كما في الحياة السياسية، في الشركات كما في الحكومة.

وبشكل عام فإننا – أقصد جموع الناس العاديين – ننظر إلى النفاق باعتباره نقيصة أخلاقية تعتمد على الكذب بقصد تحقيق مصلحة خاصة من صاحب المركز أو الجاه. فهي صفقة تباع فيها “الحقيقة” بثمن بخس للحصول على منفعة من رضاء من هذا الكبير أو ذاك العظيم. ولكن الوجه الآخر للحقيقة هو أن النفاق – أو على الأقل أنواع منه – قد يبدو مقبولاً أو حتى مطلوباً في بعض المواقف. فقدر من النفاق الاجتماعي أمر مطلوب لتسيير أمور الحياة ومجاوزة العثرات الصغيرة في العلاقات الاجتماعية. ومن هنا فإن بعض النفاق هو نوع من التحضر والذوق الاجتماعي. فأنت لا تذهب إلى دعوة عشاء أو غذاء عند صديق لكي تبلغه في نهاية المأدبة، بأن الطعام كان سيئاً للغاية، حتى لو كان، في الحقيقة، كذلك. فهذه إهانة لربة المنزل، وهي رذيلة اجتماعية يحسن تجاوزها بقليل من الحصافة بالحديث عن مهارة الزوجة في إعداد الطعام، مع التصميم على عدم معاودة التجربة بعد ذلك. كذلك عندما تقابل رئيس أو زميل سابق في العمل بعد تجربة مريرة في العمل معه أو عندما تقابل جاراً مشاكساً، فغالباً ما تؤكد لهم أنها مناسبة سعيدة وفرصة جميلة، رغم أنك تدرك تماماً أنها قطعاً ليست فرصة وفي جميع الأحوال ليست جميلة أو سعيدة. وهذا مقبول وأحياناً مطلوب ولا غبار عليه. وبالمثل فإنه في الحوار العلمي أو المناقشات العامة، فإن استقراء التقاليد المستقرة يفيدنا بأن الغالب من الناقدين أو المحاورين يبدأ نقدهم وحوارهم بالتأكيد على “استمتاعهم بقراءة أو الاستماع إلى ما قاله الطرف الآخر”، وغالباً ما يتبع ذلك القول بأنه “مع الاحترام والتقدير لآراء المؤلف أو المحاضر”، فإن هناك بعض الملاحظات. وغالباً ما تأتي هذه الملاحظات مؤكدة أنه لا استمتاع قد تحقق أو احترام وتقدير قد وقر في نفس المتحدث. وهذا أيضاً نوع من النفاق المطلوب لأداء الحوار.

فهذه وغيرها صور من النفاق المسموح به إن لم يكن من النفاق المطلوب أو المندوب إليه. فهو ليس ابتذالاً أو استرخاصاً بل إنه ينطوي على قدر من التحضر إن لم يكن من الذوق والرقي والتأدب.

كل هذا لا غبار عليه ولا تعافه المجتمعات وحتى بالنسبة لكبار القوم من أصحاب النفوذ أو الجاه فلا بأس من قليل من الكلمات الرقيقة، طالما ظل في حدود معقولة، فالغالب أن يتساهل الناس في قبول قدر معقول من هذه المجاملات ولو على حساب الحقيقة.

وأما ما يسبب استياء الناس فهو المبالغة في تضخيم ذات المسؤولين بغير حاجة أو دون مناسبة. ومن الأمثلة التي أثارت الكثير من التعليقات ما تعلق بترشيح المسؤولين لجوائز الدولة العلمية. فهذه الجوائز قد تقررت لتشجيع العلماء والباحثين والاعتراف بجهودهم، وهم يستحقونها. فللعلماء دور هام في تقدم الأمم، ولكن دور المسؤولين، وخاصة رجال الحكم، لا يقل أهمية في حياة الشعوب، وهم يستحقون مكانتهم بما يتخذونه من قرارات سياسية وليس لإنجازاتهم العلمية. وما تتطلبه القرارات السياسية الحكيمة من مهارات وخبرات أمور لا تتوافر بالضرورة لدى العالم أو الباحث. فكثير من العلماء المبرزين كانت أفكارهم السياسية ساذجة إن لم تكن خاطئة. وبالمثل فإن العديد من كبار السياسيين وصانعي التاريخ كانت قدراتهم على البحث العلمي أو الاكتشاف والاختراع محدودة إن لم تكن منعدمة. فلم يعرف عن الاسكندر الأكبر اكتشافات علمية أو نظريات فلسفية، كما لم يترك نيوتن آراء سديدة في السياسة أو الاجتماع وكانت أفكاره عن الدين والسحر محل نظر كبير. فلا عاب ذلك من قيمة الاسكندر ولا قلل هذا من قدر نيوتن. فللعالم ميدانه كما أن للسياسي مجاله، ولكل منهما تقدير واحترام ولا مجال للخلط بينهما. ومن هنا كان استقبال الناس لهذه العادة السيئة في الخلط بين السياسة والعلم متراوحاً بين التجاهل والاشمئزاز. ولحسن الحظ فقد أثير هذا الموضوع صراحة على صفحات الجرائد بمناسبة اعتذار أحد المسؤولين عن عدم قبول الترشيح لإحدى الجوائز العلمية، الأمر الذي شجع الكثيرين على إثارة الموضوع وطرحه على الرأي العام. وقد أوضح هذا النقاش مدى استهجان الرأي العام لهذا النوع من النفاق. فللعلماء احترامهم وتقديرهم، كما أن لرجال الحكم من المقام والوقار بما لا حاجة لهم إلى استزادة. وكل هذا لا يبرر أن يصبح رجال الحكم، فجأة، من العلماء والفلاسفة والمفكرين أيضاً. هذه مهن أخرى لها رجالها، كما الفن أو الرياضة. فهل من الطبيعي أن يصبح المسؤول هو أيضاً المغني الأول أو لاعب الكرة الأفضل، مادام قد أصبح بمجرد تبوئه المنصب السياسي العالم والفيلسوف الأجدر بالجوائز العلمية؟

وكنت قد اعتقدت – سذاجة – أن ذلك النقاش العام قد وأد فكرة ترشيح المسؤولين للجوائز، ولو إلى حين. ولكن هيهات. فنقرأ في جريدة الأهرام بتاريخ 5 مايو 2004 خبراً بعنوان “تأييد ترشيح سوزان مبارك لجائزة نوبل للسلام لجهودها في تحقيق التنمية”. والسؤال هل مثل هذا الترشيح في مصلحة السيدة الفاضلة حرم رئيس الجمهورية أم أنه يصب في خانة النفاق والرياء، وأنه في أغلب الأحوال سوف يضر بصورة السيدة حرم الرئيس ويجرها إلى ميدان، نعرف مقدماً، أنه لن يعود عليها بأية ميزة. فالجائزة الكبرى للسيدة الفاضلة حرم الرئيس هي ما استقر في قلوب وعقول الملايين من أبناء مصر من تقدير واحترام لما تقوم به، وليست فيما تقرره لجنة تحكيم في أوسلو لمنح الجائزة لهذا وذاك، فما تقوم به يكفيها فخراً. وهي ليست بحاجة إلى جوائز ولجان تحكيم وإبداء الرأي فيما إذا كانت تستحق الجائزة أم لا. فلماذا نسيء إلى هذه السيدة الفاضلة بهدف النفاق والرياء؟ نعرف أن جائزة نوبل للسلام لها شروط وتحوطها حسابات وموازين تحول دون أن تحصل عليها سيدة مصرية خاصة في ميدان السلام في الوقت الذي تمر فيه قضايا الشرق الأوسط بأصعب الظروف. فعندما تقرر منح جائزة نوبل للسلام للمرحوم الرئيس السادات، اقتضت الحسابات السياسية أن تمنح لبيجن أيضاً، وعندما حصل عليها عرفات منحت أيضاً لرابين وبيريز. فلماذا نعرض أحد رموز مصر لمثل هذه المواقف “البايخة”، أم هي الرغبة في النفاق والرياء بأي ثمن.

وإذا كانت بعض مظاهر النفاق المبالغ فيها تثير في النفوس شعور الاستياء وإن لم يكن الاشمئزاز، فإنها لا تخلو أيضاً من بعض المزايا أو الطرائف. فهي تساعد على فهم ترمومتر الحياة السياسية وأحياناً الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. فالوزراء هم –عادة – المخاطبون بمثل هذه اللمحات النفاقية، ولكن المحافظين يحتلون أيضاً مكانة لا بأس بها. ويظهر ذلك بوجه خاص في التعازي للوفيات. فأقارب الوزير وكذا حرمه يتمتعون باهتمام كبير من حيث المواساة في الوفيات، وكذلك أقارب المحافظين. ولكن رؤساء البنوك ليسوا أقل حظاً في تعاطف الجمهور في حالات وفاة الأقارب والأصهار. والمشاركة في الأتراح أكبر منها في الأفراح. فالأولى لا تتطلب بطاقة دعوة في حين تنحصر الدعوات في الثانية على أهل العزة والتقدير. فالمشاركة في الأحزان متاحة للجميع، الأمر الذي يريح المجتمع المصري الذي يميل بطبيعته إلى الحزن. ومع ذلك فيلاحظ أن المشاركة الوجدانية في أحزان الوزراء والمحافظين تأتي عادة من زملائهم الوزراء ومن كبار الموظفين، في حين أن المشاركة الوجدانية في أحزان رؤساء البنوك تأتي غالباً من رجال الأعمال. ورغم أن هؤلاء وأولئك هم من أصحاب القلوب الرقيقة والنفوس المرهفة، إلا أن مشاركتهم في مواساة أي نجم صاعد في عالم السياسة أو الاقتصاد لا يعادلها في سرعة الاستجابة سوى سرعة التجاهل والنسيان الذي يلقاه عند ترك منصبه أو وظيفته. ومن هنا فإن هذه الأمثلة وهي تعبر عن مظاهر النفاق فهي أيضاً مقياس اجتماعي لمعرفة من هم أهل الحظوة في المجتمع.

إننا نتساهل كثيراً مع العديد من مظاهر النفاق والرياء، بل ونتقبل بعضها أيضاً… ولكن رفقاً بنا وبالمسئولين، كفى مبالغات، فإن للصبر حدود.   والله أعلم.

أرسلت إلى الأهرم في  مايو 2004 ولم يتم نشرها.

 الاهرام: 4.9.2005                                                                           

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *