اللوبي الإسرائيلي في أمريكا

نقرأ كثيراً عن اللوبي الإسرائيلي في أمريكا ومدى نفوذه على السياسة الأمريكية. وقد صدر منذ فترة وجيزة كتاب حديث في الموضوع لأستاذين جامعيين، أحدهما جون ميرشمير من جامعة شيكاغو، والثاني ستفين والت من جامعة هارفارد.

والكتاب صدر وسط جدل كبير واجه المؤلفين منذ بداية تعرضهما للموضوع، مما جعلهما يقدمان عرضاً يكاد يكون فريداً عن هذا اللوبي وعناصره وأسلوبه في العمل وأهدافه وقدرته على التأثير في مراكز صنع القرار أو في الرأي العام. ونظراً لأن المؤلفين قد تعرضا – قبل صدور الكتاب- لكثير من الهجوم والنقد، فقد حرصا على تقديم عرض مدعم بالبيانات والمصادر الموثقة تستند في كثير من الأحوال إلى هيئات أو مؤسسات يهودية أو إسرائيلية أو إلى كتّاب إسرائيليين. ولا يقتصر الأمر على تقديم وجهة نظر الباحثين بقوة وبدقة شديدة بل تميز الكتاب أيضاً بالحرص الشديد في عدم الوقوع في مبالغات أو اتهامات لا يمكن الدفاع عنها. فالكاتبان يعرفان أنهما يخوضان في حقل مليء بالألغام، وأية هفوة أو سقطة قد تكلفهما الكثير في مستقبلهما السياسي والأكاديمي.

 ولذلك فقد حرص الكاتبان على التأكيد منذ البداية على أنهما وهما يناقشان نفوذ هذا اللوبي الكبير، فإنهما يؤكدان أن ما يقوم به اللوبي الإسرائيلي إنما هو عمل مشروع يتفق مع القوانين والتقاليد الأمريكية في الحياة السياسية، ولا يكاد يختلف عما تقوم مجموعات المصالح المختلفة. كذلك فإن هذا اللوبي لا يعمل بشكل سري أو في الخفاء ، وإنما تتم جميع أعماله في العلن وفقاً للقواعد المعترف بها في المجتمع الأمريكي، وأخيراً لا يشكك الكاتبان في ولاء أو في وطنية العاملين به، فهم أمريكيون يعملون لما يعتقدون أنه لصالح الولايات المتحدة. وهذا الحرص الشديد من جانب المؤلفين في عدم التورط في اتهامات جزافية قد أعطى الكتاب من ناحية أخرى مصداقية كبيرة. فالمؤلفان يقفان على أرض صلبة، متأكدان مما يقولانه، وعلى استعداد للدفاع عن آرائهم في مواجهة خصم يعرفون أنه عنيد وعنيف وقوي ولا يتورع عن سحق معارضيه بقسوة وبلا رحمة.

أما هدف الكتاب فهو الاعتراف بأن اللوبي بتأييده غير المشروط لكل ما تفعله أو تطلبه إسرائيل يضر في الواقع بالمصالح الأمريكية العليا فضلاً عن أنه في كثير من الأحوال لا يعمل في مصلحة إسرائيل نفسها. والمؤلفان يران – مع ذلك – ضرورة الدفاع عن وجود إسرائيل، أما التأييد المطلق لكل ما تفعله إسرائيل فأمر مختلف.

أما السبب في إصدار الكتاب بهذه الصورة إنما يرجع إلى ما تعرض له المؤلفان من ضغوط أثناء إعداد هذه الدراسة. فقد بدأت العملية عندما كلفت مجلة اطلانطس الشهرية Atlantic Monthly  في 2002 المؤلفين بإعداد دراسة عن اللوبي الإسرائيلي وتأثيره على السياسة الخارجية الأمريكية. وفي 2005 وبعد سنتين من الإعداد والتحضير لهذه الدراسة أرسلت النسخة النهائية منها إلى المجلة لنشرها بعد إدخال كافة الملاحظات التي أبداها المحرر في الاعتبار. وبعد ذلك بأسابيع تلقى المؤلفان رداً من المجلة بأنها غير مستعدة لنشر الدراسة، وأنه ليست هناك أية جدوى من إجراء أية تعديلات أخرى عليها لأن الدراسة لن تنشر في جميع الأحوال. وبعد ذلك جاء عرض آخر لنشر الدراسة في مجلة لندن لعرض الكتب London Review of Books، ونشرت الدراسة في هذه المجلة في مارس 2005. وبمجرد نشر المقالة انهالت على المؤلفين اللعنات من كافة النواحي باعتبارهما معادين للسامية، وظهرت مقالات تعرض بالدراسة وأصحابها في الجيروزليم بوست، والنيويورك صن، والوول سترتب جورنال، والواشنطن بوست، كما خصصت مجلة نيوريببلك أربعة مقالات للهجوم والتعريض بالدراسة. وقد أدى هذا الهجوم الساحق بالمؤلفين -رغبة في الدفاع عن أنفسهم- إلى إصدار الكتاب الجديد.

والكتاب عبارة عن موسوعة عن اللوبي الإسرائيلي في أمريكا؛ من هي الهيئات التي تعمل في هذا المجال، وما هي أساليب عملها وكيف تنسق فيما بينها، وما هي الأهداف التي تتوخاها، ومن هم أهم الشخصيات وراءها، وما هي وسائل الضغط على السلطة التشريعية من خلال تمويل الحملات الانتخابية، ومدى انتشار أنصارهم في مراكز القرار، وحجم السيطرة على أهم الصحف، والضغط المتزايد على الجامعات ومراكز البحوث.

ويبدأ الكتاب بالتأكيد على أن القيمة الإستراتيجية لإسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة قد تراجعت كثيراً بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي، وأنها أصبحت منذ ذلك الحين عبئا على الولايات المتحدة. وبعد ذلك انتقل الكتاب إلى مناقشة الحجج الأخرى التي تقدم لبيان أهمية إسرائيل للولايات المتحدة، مثل القيم المشتركة، أو الديمقراطية، أو محاربة الإرهاب، أو التعويض عما أصاب الشعب الإسرائيلي من ظلم واضطهاد (الهولوكوست)، أو حتى باعتبار أن إنشاء هذه الدولة هو تعبير عن  إرادة الله، وغير ذلك مما يقدم من حجج في سبيل تبييض ساحة إسرائيل. وتناول الكتاب تفنيد هذه الحجج مبيناً حدود كل من هذه الاعتبارات وعدم صحة الكثير منها. وفي كل هذا يعرض الكتاب لكل حجة بالتفصيل ويتناولنها بالتحليل لبيان إما فسادها أو الحدود التي ترد عليها. وبعد ذلك انتقل الكتاب إلى الإشارة إلى الهيئات والعناصر التي يتكون منها هذا اللوبي، مبيناً أن العنصر اليهودي يغلب عليها دون أن يكون قاصراً عليهم حيث يضم هذا اللوبي عدداً لابأس به من المؤسسات الدينية البروتستانية وخاصة ما يطلق عليه اتجاه المسيحية الصهيونية. ويركز الكتاب هذا بوجه خاص على الدور الخطير الذي تقوم به منظمة “أيباك”، للدفاع عن مصالح إسرائيل. كذلك يستعرض الكتاب الأساليب المستخدمة للتأثير على مصدر القرار أو على تشكيل الرأي العام في الصحافة وغيرها من وسائل الإعلام.

وليس الغرض من هذا المقال استعراض كل ما جاء في هذا الكتاب، وإنما توجيه النظر إلى أهمية استخلاص الدروس لإعادة النظر في استراتيجية إدارة الصراع العربي الإسرائيلي. فنحن نتحدث عن اللوبي الإسرائيلي وخطورته منذ عدة عقود من الزمان، ولكننا فيما يبدو لم نستخلص أية دروس في كيفية التعامل مباشرة مع هذا الخصم. وأورد فيما تبقى من مكان في هذا المقال للإشارة إلى بعض الملاحظات الهامة.

الملاحظة الأولى – وهي ليست جديدة- هي أننا في تعاملنا لهذا النزاع لا نواجه إسرائيل وحدها وإنما نواجه بالدرجة الأولى اللوبي الإسرائيلي في أمريكا، وهناك توزيع للأدوار بينهما. ويبدو أن الخصم الأكثر خطورة هو هذا اللوبي، فهو مصدر قوة إسرائيل. وأهم ما ينبغي أن نعترف به في هذا الصدد هو أن أكبر نصر حققته إسرائيل في نزاعها مع العرب لم يكن انتصاراتها على الساحة العربية. الانتصار الأكبر لإسرائيل هو زرع ثم نجاح اللوبي الإسرائيلي في السيطرة على مراكز القرار في الولايات المتحدة وعلى تشكيل الرأي العام الأمريكي، وما عدا ذلك من انتصارات إسرائيلية لا يعدو أن يكون نتائج لهذا النصر الكبير على الساحة الأمريكية.

والأمر الثاني هو أن هناك توزيعاً كاملاً للأدوار بين إسرائيل وبين هذا اللوبي الإسرائيلي، فحكومة إسرائيل تتخذ القرارات، ولكن اللوبي يوفر لها الدعم الكامل من تمويل وتسليح ودعم دولي وأمريكي. فالقرار يبدو إسرائيليا، أما مسئولية التنفيذ فهي أمريكية من خلال هذا اللوبي وغالباً رغم أنف الإدارة الأمريكية.

أما الأمر الثالث والأخير فهو خطأ الخلط بين إسرائيل وبين أمريكا. حقاً أن اللوبي الإسرائيلي قد نجح في السيطرة على السياسة الأمريكية، ولكن أمريكا ليست إسرائيل، والحقيقة هي أن أمريكا هي غنيمة نجحت إسرائيل في اقتناصها، ولكنها تظل مع ذلك ساحة مفتوحة أما الجميع. ورغم  أن إسرائيل استطاعت – خلال فترة تاريخية معينة- أن تسيطر عليها، فليس من العقل أن تتخلى عن هذه الساحة الثمينة لها بل علينا أن نصارعها على نفس الساحة، ولا ننسى أن نجاح اللوبي الإسرائيلي لم يبدأ فعلاً وبقوة إلا بعد حرب 1967.

والآن ماذا نفعل؟ حتى الآن تتم المواجهة بين العرب وإسرائيل من خلال التعاطي والحوار مع إسرائيل أو حتى مع الإدارة الأمريكية دون أي اتصال مباشر مع اللوبي الإسرائيلي؟ رغم اللوبي الإسرائيلي هو القوة الرئيسية في الصراع وليست إسرائيل، وإن كانت هي المستفيدة. أليس من الضروري أن نحاور هذا اللوبي؟ ونضغط عليه لكي يحدد رؤيته، ماذا يريد بالضبط؟

لقد نجحت حكومة إسرائيل في تحجيم وحصر دور اللوبي الإسرائيلي في التأييد والدعم فقط دون القرار، فالقرار هو للحكومة الإسرائيلية، أما التكاليف والأعباء فيتحملها اللوبي دون مناقشة. لماذا لانقلب الموائد وندعو اللوبي الإسرائيلي في أمريكا لكي يشارك في تحديد الرؤية لموقع إسرائيل في الشرق الأوسط؟

إن اللوبي الإسرائيلي يتحمل كل مسئولية القرارات الإسرائيلية دون أن يشارك في اتخاذ هذه القرارات، لماذا لانلزم هذا اللوبي بالمشاركة في اتخاذ القرار وتحمل المسئولية وليس فقط الاقتصار على الدعم والتأييد. لماذا لانجعل اللوبي الإسرائيلي طرفاً مباشراً في المواجهة وتتم المفاوضات معه لتحديد ماذا يريدون بالضبط؟ هل المقصود هو دعم إسرائيل إلى درجة القضاء على الفلسطينيين مادياً أو تهجيرهم أم ماذا؟

واليوم يبدو أن اللوبي الإسرائيلي في أمريكا وليس الحكومة الإسرائيلية هو العنصر الرئيسي في المعادلة، ولكن هذا اللوبي لا يأخذ مبادرة، أنه يسلم بكل ما تقول به الحكومة الإسرائيلية. الصراع الحقيقي الآن هو مع اللوبي الإسرائيلي في أمريكا، فلنواجه الأمر صراحة حتى يعلن اللوبي رؤيته الحقيقية لما يريده من فلسطين. لماذا لانبدأ حواراً معهم. فلماذا لا نطالب اللوبي الإسرائيلي في أمريكا بتحمل المسئولية. أما حوارنا مع إسرائيل فلا فائدة منه لأنها تدرك أن وراءها حماية مطلقة وبلا حدود. وعلى العكس فاللوبي الإسرائيلي في أمريكا لا يتحمل مسئولية أمام شعبه في أمريكا أو أمام العرب أو أمام العالم، أنه مدافع فقط عن إسرائيل. لنواجه الحقائق كما هي، اللوبي الإسرائيلي هو قوة إسرائيل، واللوبي هو قوة بلا عقل وبلا مسؤولية، لأنه تخلى عنهما لحكومة إسرائيل. لنتحدث معه ونرغمه على اتخاذ موقف واضح إزاء هذا الصراع الذي استمر طويلاً. أما الحديث مع الحكومة الإسرائيلية أو حتى الحكومة الأمريكية فهو حديث لا جدوى من ورائه طالما أن القوة الحقيقية متخفية، ولا أحد ينزع عنها النقاب.

 والله أعلم.

الأهرام 2 مارس 2008

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *