المخاطر في الاقتصاد

تناولنا في حديثنا السابق عن “الأصول المالية” الإشارة إلى أن قيمة هذه الأصول في الأسواق تتوقف على نظرة المتعاملين للمستقبل. فهذه الأصول هي، في نهاية الأمر، وعد مالي في المستقبل، وبالتالي فإن تقلب أسعارها هو تعبير عن رؤية مخاطر المستقبل.

ولكن علاقة الاقتصاد بالمستقبل لا تنحصر في الأصول المالية. فالنشاط الاقتصادي في أغلبه هو تعامل مع المستقبل. فأنت تزرع اليوم لكي تحصد غداً أو بعد غد، وهكذا فإن معظم أوجه النشاط الاقتصادي هو عمل الآن بغرض تحقيق النتائج في المستقبل القريب أو البعيد. وهناك غالباً فترة زمنية ـ قد تطول أو تقتصر ـ بين الجهد الاقتصادي وبين الثمرة المتوقعة، وخلال هذه الفترة قد تقع أحداث غر متوقعة. فالاقتصاد في جوهره هو تعامل مع المستقبل أي تعامل مع المجهول، ولكنه ليس مجهولاً بالكامل. فالشمس تشرق كل صباح كما تغرب في نهاية النهار، والمطر والعواصف تأتي في مواسم محددة ـ قد تتقدم أو تتأخر قليلاً ـ ولكنها تأخذ بشكل عام نمطاً معروفاً ومستقراً. فإذا كان المستقبل غير معروف بالكامل فإنه أيضاً غير مجهول بالتمام. وهذه الحالة بين عدم الجهل المطلق وعدم المعرفة الكاملة، وهي ما يطلق بالاحتمال، هي ما يعطي المستقبل جاذبيته وجدواه. وهكذا فالحديث عن المستقبل هو حديث عن المخاطر.

لعز المستقبل:

أثار المستقبل ـ بهذا الشكل ـ فضول الإنسان واهتمامه منذ الأزل. وهو بالنسبة لنا كل ما يهم. فالماضي انتهى وزال وتنحصر أهميته في الحنين وربما التعلم من دروسه، أما الحاضر فلحظة فارقة بين ماضٍ انقضى وبين مستقبل يبدو في الأفق دون أن يمكن الإمساك بتلابيبه. ويظل المستقبل هو أكثر ما يهم الإنسان فهو الأكثر إثارة لأننا نملك تغييره وتشكيله، أو هكذا نأمل. أما الماضي بل والحاضر غالباً، فلا نكاد نملك شيئاً إزائهما. فالإنسان يعيش من أجل المستقبل.

وقد انشغل الإنسان منذ ظهوره بمحاولة استشفاف هذا المستقبل وكشف أسراره، ومن تحقق له ـ من البشر ـ هذه المعرفة فقد ارتفع عن مستوى البشر ليصبح في مطاف الآلهة أو قريباً منهم. ولذلك لم يكن غريباً أن تأخذ معرفة المستقبل أو الغيب منحى دينياً، فقراءة المستقبل عند المجتمعات البدائية بها نفحة إلهية تتاح للأنبياء والكهنة ورجال الدين. بل أن اصطلاح “الأنبياء” جاء عند اليهود استناداً إلى قدرتهم على “التنبؤ” بالمستقبل والغيب.

وإذا كان الحديث عن المستقبل هو حديث عن المخاطر، فإن مصدر هذه المخاطر قد تغير مع تقدم البشرية. ففي المراحل الأولى للبشرية وحيث كان الإنسان خاضعاً تماماً للطبيعة يعيش على ما يلتقطه من ثمار أو ما يقتنصه من صيد، فقد كانت الطبيعة هي المصدر الرئيسي للمخاطر، من زلازل أو براكين أو عواصف أو برد قارص أو قحط شديد، وهكذا. ربما تأتي بعض المخاطر من جانب الأفراد أنفسهم كما لو أغارت قبيلة على جيرانها، ولكن الغالب في هذه المجتمعات هو أن تأتي الكوارث من الطبيعة أكثر منها من فعل الإنسان.

رغم أن البشرية حققت تقدماً حضارياً هائلاً مع اكتشاف الزراعة قبل حوالي عشرة آلاف سنة وبحيث لم يعد الإنسان عبداً كاملاً لأهواء الطبيعة ونزواتها مع استقرار الجماعات، فقد ظلت المجتمعات الزراعية ومعها الإنتاج الحرفي مجتمعات راكدة إلى حد بعيد. فهي قليلة التغيير والمفاجآت.

ومع تقدم البشرية وخاصة منذ الثورة الصناعية وما سبقها ولحق بها من ثورة علمية وتكنولوجية، زادت معارف الإنسان عن الطبيعة وأسرارها، وقلت مفاجآت الطبيعة ـ وإن لم تزل كلياً ـ وتحرر الإنسان إلى حد بعيد من هذه المخاطر الطبيعية، ليكتشف أنه أوقع نفسه في محظور أكثر نعومة وأشد إيلاماً في نفس الوقت، وهي المخاطر البشرية وبوجه خاص مخاطر النشاط الاقتصادي نفسه في صدد موضوعنا.

التغيير سمة العصر:

جاءت الثورة الصناعية وقبلها اقتصاد السوق فقلبا الأوضاع رأساً على عقب. فالاختراعات الصناعية تقدم كل يوم سلعة جديدة لم تكن معروفة، والمهن تتغير، لتختفي بعضها بالكامل لكي يظهر مكانها مهن جديدة لم تكن معروفة، وأساليب الإنتاج لا تبقى على حالها، كما أن عادات الاستهلاك تتغير.

وهكذا أصبح “التغيير” هو سنة الحياة. أذواق المستهلك تتغير كل يوم. ولكن المستهلكين لا يغيرون أذواقهم تحكماً، وإنما لأن الفن الإنتاجي يتقدم ويقدم جديداً كل يوم، لسلع أكثر أناقة أو أسهل في الاستخدام أو أقل تكلفة أو خطورة أو حتى لفتح آفاق لم تكن معروفة من قبل. التغيير والسرعة هما أهم ما يميز العصر.

وهكذا جاءت الثورة الصناعية ومن قبلها اقتصاد السوق لتختفي معهما العلاقات الشخصية والمعرفة الوثيقة بين من ينتج ومن يستهلك، ليصبح التعامل مع “السوق”. وفي كل هذا أنت لا تتعامل مع أفراد من لحم ودم وإنما مع كيان مجرد اسمه “السوق”. السوق ليس مستهلكاً بعينه وإنما هو متوسط إحصائي، إنه جميع المستهلكين. ثم ماذا عن المنافسين؟ إنهم أيضاً في الميدان، ولكل منهم برامجه ومشروعاته المستقبلية.

الأصول المالية والمخاطر:

لم يعد اقتصاد السوق محصوراً في أسواق إنتاج السلع والخدمات والتي تتعرض للتغير المستمر في أذواق المستهلكين والتغيير المقابل في التكنولوجيا وفنون الإنتاج، بل أن اقتصاد السوق قد أفرز سوقاً أخرى للأصول المالية، وهي سوق لا تتبادل فيها السلع وإنما هي سوق للمطالبات أو الحقوق على الموارد الاقتصادية. وكما سبق أن أشرنا في مقال سابق، فإن الأصول المالية تدخل السوق لتبقى فيه. فشراء هذه الأصول يتم من أجل إعادة البيع في المستقبل. ومن هنا فإن التعامل هنا هو تعامل مع المستقبل، أي تعامل في الائتمان. فالائتمان هو مبادلة “آجل بعاجل”. ومن هنا أصبح اهتمام هذه الأسواق المالية بالمستقبل وبالتالي مخاطره.

وقد طورت الأسواق المالية لهذا الغرض أدوات للتعرف على مخاطر المستقبل، وتندرج هذه الأدوات تحت مدرستين الأولى هي المعروفة “بنظرية التحليل الفني“، والثانية ويطلق عليها “مدرسة تحليل الأساسيات“. وتقوم فكرة “التحليل الفني” على الاعتماد على قراءة البيانات المالية وحدها لاستشفاف مستقبل الأسعار دون حاجة إلى الغوص في أساسيات الاقتصاد. فالتحليل الفني يعتمد على مبدأ أن “السوق تأخذ في الاعتبار كل شيء”، فيكفي استخلاص الاتجاهات العامة من خلال البيانات المنشورة في الأسواق. أما أنصار “تحليل الأساسيات” فيرون أن أسعار السوق ليست سوى حصيلة للعوامل الاقتصادية الحقيقية وراءها، ولذلك فإن محاولة التنبؤ بتطور أسعارها يتطلب الغوص في هذه “الأسباب” العميقة من عوامل للطلب والعرض.

وأياً ما كان الخلاف بين مدرسة “التحليل الفني” وأنصار “تحليل الأساسيات”، فمن المتفق عليه أن التحليل الفني يصلح فقط لتفسير تغيرات الأسعار في المدة القصيرة. وفي إطار الظروف العادية، أما بالنسبة لاتجاهات التطور في المدة الطويلة أو في الظروف الاستثنائية ـ كحالة الأزمة المالية الحالية ـ فإن التحليل الفني لا يفيد ولابد من العودة إلى “الأساسيات”.

وفي العصر الحديث أصبحت تقلبات الأسواق المالية أكثر خطورة على النشاط الاقتصادي بالنظر إلى أنها لا تقتصر على صناعة أو قطاع بعينه، وإنما تؤثر على مستوى النشاط الاقتصادي في إجماله. وفي ظل عولمة الاقتصاد المعاصر، أصبحت مخاطر الأسواق المالية عالمية لا تتقيد بحدود دولة، فما يحدث في دولة.

المخاطر والاستهلاك:

الجديد هو أن “الائتمان” لم يعد قاصراً على  أسواق الأصول المالية، بل أصبح الاستهلاك بدوره خاضعاً للائتمان. فالبيع بالتقسيط يمثل جزءاً لا يستهان به من مبيعات السلع المعمرة، وهو بالتالي جزء من اقتصاد الائتمان وبالتالي يتضمن تعاملاً مع المخاطر. فالبنوك والمؤسسات قد تتوسع في منح التسهيلات الائتمانية للاستهلاك، ولكنها قد تتشدد وتضيق فيها. وهكذا لم يعد التعامل مع المخاطر ـ كما الماضي ـ قاصراً على قرارات الاستثمار وحيث ينحصر التعامل أساساً بين رجال الأعمال، بل أصبح هذا الائتمان، وبالتالي التعامل مع المخاطر، جزءاً من سياسات تسويق السلع والخدمات الاستهلاكية.

الحكومات أيضاً مصدر للمخاطر:

ولكن الأسواق، وسواء كانت أسواقاً للسلع أو الأصول المالية، فإنها لا تعمل وحدها في عزلة، فهناك حكومات تتدخل بسياسات مالية ونقدية بدرجات متفاوتة من النجاح والفشل لضبط استقرار النشاط الاقتصادي بسياسات تعويضية لمنع الإسراف والاندفاع في النشاط الاقتصادي في حالات التفاؤل أو لحفز هذا النشاط  وتنشيطه في حالات التشاؤم المبالغ فيه. وهذه السياسات تتغير، وبالتالي فإن توقعات المستقبل تتعدل مع  احتمالات تغيير سياسات الحكومات وبرامجها.

الأزمة المالية العالمية خلل في النظام:

وهكذا يتضح أن المخاطر أصبحت جزءاً أصيلاً من طبيعة الاقتصاد المعاصر، ولم تعد ـ كما في الماضي ـ عنصراً خارجياً من نزوات الطبيعة إلا فيما ندر. فالنشاط الاقتصادي بطبيعته ينطوي على مخاطر بقدر ارتباط النشاط الاقتصادي بالمستقبل. ومع ذلك فإن الأزمة المالية المعاصرة بأبعادها الهائلة ليست مجرد مخاطر طبيعية للنشاط الاقتصادي المعاصر، وإنما هي تعبير عن فشل كامل نتيجة لخلل وربما انحراف في سلوك العديد من المؤسسات المالية فضلاًَ عن إهمال في دور الحكومات في الرقابة والإشراف. فالمخاطر الاقتصادية هي كالجريمة حيث لا يخلو أي مجتمع منها، ولكن عندما تزداد معدلات الجريمة فلا بد أن هناك خللاً يحتاج إلى إصلاح. وكذا الأمر مع الأزمة المالية العالمية الحالية فهي ليست مجرد تعبير عن المخاطر العادية للنشاط الاقتصادي المعاصر، الأمر أكثر خطورة.  والله أعلم

الشروق 12/03/2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *