المسؤولية التاريخية للجيش

في حديث هام للأستاذ محمد حسنين هيكل نشر في هذه الجريدة بتاريخ 6 فبراير 2011 أكد على أحد أهم الحقائق على الساحة المصرية الآن، وهو الدور المحوري الذي يلعبه الجيش المصري في هذه اللحظة المصيرية.

ففي مواجهة أخطر أزمة سياسية تتعرض لها البلاد منذ أكثر من نصف قرن، فإن القوة الوحيدة المتماسكة هي الجيش المصري، الذي يسيطر فعلياً على البلاد. فالجيش موجود في الشارع، وهو يتحمل مسئولية حماية الأمن والاستقرار، كما أنه يتمتع ـ ربما وحده ـ بدرجة عالية من ثقة الشعب، كما يلقى تأييداً من المجتمع الدولي. وعلى حين استمر الجيش على تماسكه وتمتعه بثقة الناس واحترامهم، فإن سلطة الشرطة وأجهزة الأمن الداخلي قد فقدت الكثير من توازنها في الشارع سواء نتيجة للاستخدام المفرط للقوة في مواجهة الجماهير أو بتخليها عن دورها وانسحابها شبه الكامل من مواقعها مما عرض الأمن والاستقرار لكثير من الاضطراب. وفي مواجهة تلك المؤسسة الوحيدة (الجيش) التي يتوافر لها القوة المادية مع دعم معنوي كبير من ثقة الشعب، فإن باقي مؤسسات الدولة وعناصرها في حالة قلق واضطراب. فالملايين من أبناء الشعب يتظاهرون في شوارع العديد من المدن المصرية للمطالبة بإسقاط النظام ورحيل الرئيس. ومن ناحيته يعترف الرئيس ونائبه بمشروعية المطالب الجماهيرية، ويتعهد بعدم الترشيح لفترة قادمة وقبول تعديل الدستور كما يشكل حكومة جديدة ويعين نائباً له. ويتضح من كل ما تقدم أن الجيش ـ في الظرف القائم ـ هو المؤسسة الوحيدة على أرض الواقع التي تملك القوة المادية والمعنوية لحماية سلامة الوطن. فالجيش هو الآن ـ من الناحية الفعلية ـ اللاعب الرئيسي على الساحة، وهو يستمد مشروعيته من الواقع القائم فضلاً عن الرصيد المعنوي لثقة الشعب في قواته المسلحة. وهكذا ولد واقع جديد يجعل من الجيش المسئول تاريخياً عن مسار التطور في هذه اللحظة، وعلى الجيش أن يتحمل هذه المسئولية ويتصرف على أساسها.

أما النظام الدستوري القائم فقد سقط ـ فعلياً ـ نتيجة للتطورات على أرض الواقع. لقد انتهى النظام عملاً، والمطلوب هو وضع إطار قانوني جديد للنظام القادم. فنحن بصدد نظام انتهى وآخر يتخلق، أحدهما في انتظار الانتهاء من مراسم الوفاة والآخر يستعد لميلاد جديد.

وهكذا فقد بدأت فعلاً مرحلة الانتقال. وفي هذه اللحظة فإن المسئولية الكبرى تقع على عاتق الجيش وذلك بالبدء في عملية الانتقال السلمي إلى النظام الجديد المأمول.

ونقطة البدء هي ضرورة تشكيل حكومة جديدة تتمتع بثقة الشارع. فالحكومة الحالية هي استمرار واستنساخ للحكومات السابقة والتي قامت الثورة الشعبية في مواجهتها. فأعضاء هذه الحكومة هم من أعضاء الحزب الوطني، الذي بدأ يتفسخ، أو من المرتبطين به أو المحسوبين عليه. وهذه الحكومة هي استمرار للنظام القديم، وهي ترى أن كل إصلاح مطلوب هو تنازل عن مكتسبات قديمة لاتتم إلا بالمساومة، في حين أن المطلوب هو حكومة مقتنعة “بالتغيير”، وترى فيه هدفاً وليس تنازلاً.

وفي أول حديث لرئيس الحكومة عن الأوضاع أظهر تبسيطاً أو تسطيحاً مذهلاً للأحداث الجارية. فهو يرى أن مطالب الجماهير قد “تحققت” أو على الأقل أن أغلبها قد “تتحقق”، رغم أن الدستور القديم مازال قائماً، والرئيس الحالي في موقعه، وقانون الطوارئ على حاله، والقيود على الأحزاب السياسية دون تغيير. وبلغ به التبسيط للأمور بأنه لايمانع من أن تستمر المظاهرات في “ميدان التحرير”، “كهايدبارك” في لندن. وهي نفس النغمة التي عبر بها الرئيس مبارك، في مناسبة سابقة، عن احتجاجات المعارضة بقوله “خليهم يتسلوا”. فهل هذه حكومة تقدر حجم ما يحدث على أرض مصر والذي اهتزت من ورائه دول العالم، لكي يختصرها رئيس الحكومة بأنها “هايدبارك”؟ ألايدرك ما وراءها من مطالبات؟ وكل هذا بعد تضحية مئات من الشهداء وآلاف من المصابين! هل هذا معقول؟

الواقع القائم هو أن الجيش هو السلطة الفعلية على الأرض، وعليه أن يتحمل المسئولية التاريخية دون خوف أو تردد. حقاً، لم يتخلق النظام الجديد بعد، ولكن الأكيد هو أن “النظام القديم” هو فعل ماضي، ونحن الآن في مرحلة المخاض لميلاد “نظام جديد”. وعلى الجيش أن يتخذ الإجراءات اللازمة لكي يتحقق ذلك بأكبر قدر من المصداقية والتوافق الجماهيري مع تقليل الخسائر المحتملة. هناك خسائر في الأرواح والممتلكات كما يخسر الاقتصاد يومياً خسائر باهظة. والمطلوب هو بداية التحرك ويبدأ هذا بتشكيل حكومة جديدة تتمتع بالقبول الشعبي، وأن تحاط بكافة الضمانات لتحقيق احترام حكم القانون وحقوق الأفراد من هيئة قضائية مستقلة، وذلك تمهيداً للانتقال السلمي إلى “نظام جديد” في مستقبل غير بعيد. ولاتستطيع القوات المسلحة أن تتهرب من مسئوليتها التاريخية فهذا قدرها، وهو ما ينتظره الشعب المصري الأصيل.

وليس معنى ذلك أن الشعب يريد حكماً عسكرياً، بل الصحيح أنه يطمح إلى حكم مدني يتمتع فيه الجميع بنفس الحقوق والواجبات، مع تداول للسلطة ورقابة شعبية. ولكنها لحظة استثنائية تتطلب تدخلاً للقوات المسلحة باعتبارها السلطة الفعلية على الأرض بعد أن فقدت السلطة السياسية ثقتها في نفسها وثقة الشعب فيها. والله أعلم

المصرى اليوم 9 فبراير 2012

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *