المضاربات المالية وصناديق التحوط

 

لخص ابن خلدون جوهر التجارة، في عبارته المشهورة “اشتر رخيصاً وبع غالياً”، فهكذا يتحقق الربح الذي هو هدف التاجر.وجاء ماركس بعد أربعة قرون للقول بأن “الرأسمالي يبحث عن الربح، ولا شيء غير الربح. فالربح هو إله الرأسمالي، وهو بالنسبة له موسى والأنبياء”. ولا ننسى أن ماركس قد ولد في عائلة يهودية، ولذلك لم يكن غريباً أن تأتي تشبيهاته من العهد القديم.

 

وإذا كان هذا صحيحاً ـ بدرجة كبيرة ـ بالنسبة لمعظم المتعاملين في اقتصاد السوق، فإن الأمر يكون أظهر في حالة المضاربات، وخاصة المضاربات المالية. فالمنتج في الزراعة أو في الصناعة أو الخدمات، يسعى هو الآخر لتحقيق الربح، ولكنه على خلاف المضارب قد تكون له أهداف أُخرى. فمن يعمل في مهنة معينة غالباً ما يرتبط بهذه المهنة ارتباطاً مهنياً وعاطفياً. فهو يحب الزراعة ويرتبط بالأرض، أو هو يعمل في صناعة معينة يعرف أسرارها وقوانينها وغالباً ما يشعر بالولاء نحو هذه الصناعة ويرغب في تطويرها. وينطوي كثير من المهن على أداء نوع من الخدمة العامة للمجتمع، وبما يعطي صاحبها شعوراً بالرضاء إلى جانب ما يحققه من دخل نقدي. أما المضارب فإن مهنته هي الكسب من فروق الأسعار في المكان أو الزمان، باقتناص الفرص بالشراء رخيصاً في مكان أو وقت ما، من أجل إعادة البيع في مكان أو وقت آخر وتحقيق الربح النقدي. فولاء المضارب الوحيد هو للربح.

 

ولذلك فإن المضارب قد يعمل اليوم في شراء وبيع الأراضي والعقارات، وغداً في تجارة العملة، كما قد يجد ضالته في السوق السوداء أو حتى في التهريب. وفي كل هذه الحالات يجد المضارب فرصته حين تقوم فروق في الأسعار، بسبب بعد المسافة، أو لنقص في المعلومات، أو لوجود قيود وعقبات ادارية أو غير ذلك من الأسباب. وجاء انتعاش وتطور الأسواق المالية في العصر الحديث لتقدم للمضارب أفضل المجالات لانتهاز الفرص. فالأصول المالية لا تقتصر على قطاع أو قطاعات محددة بل تعم جميع القطاعات، ومع العولمة فإنها امتدت لتشمل كافة أجزاء المعمورة.

 

والأصل أن تؤدي المضاربة وظيفة اقتصادية هامة ومفيدة، وهي توحيد الأسعار وتقريبها. كذلك فإن المضاربين باستعدادهم لتحمل المخاطر يوفرون وسيلة لحماية الكثيرين من المنتجين ورجال الصناعة الذين لا يرغبون في تحمل هذه المخاطر، وهم بذلك يساعدوهم على حسن الإدارة بتركيزهم على النشاط الإنتاجي دون التفاف لتقلبات الأسواق المالية. ومع ذلك، تظل هذه الوظيفة الهامة للمضاربة مجدية فقط في الحدود التي لا تخل بالدور الرئيسي للأسواق المالية في توفير التمويل بأحسن الشروط، وذلك بالوساطة بين جمهور المدخرين وجمهور المستثمرين. أما أن تصبح المضاربة هي جوهر نشاط الأسواق المالية فهذا انحراف خطير، يهدد دور الأسواق المالية نفسه. ومع كثرة ما عرفته الأسواق المالية من زيادة في أحجام تداولاتها ومن تقلبات في الأسعار فقد أتيح المجال لنوع جديد من المؤسسات التي تتخصص في الإفادة من فروق الأسعار في الأسواق المالية، وهي ما يعرف بصناديق التحوط ” Hedge Funds”. ولم يقتصر دور هذه المؤسسات على اقتناص الفرص القائمة بل أصبحت هي أحد أسباب اشتغال الأزمات والإفادة منها.

 

ولعل بداية فكرة صناديق التحوط قد قامت مع الأمريكي ألفريد ويلسن جونز حين بدأ أول صندوق للتحوط في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي. وقد استخدم جونز في سياسته للاستثمار في الأوراق المالية وسيلتين ماليتين لوضع استرتيجية لتعظيم فرص الربح بشكل كبير مع الأخذ بضمانات للحيلولة دون تزايد الخسائر عندما تسوء الأوضاع المالية. وهاتان الوسيلتان هما على التوالي ما يعرف “بالرافعة المالية” Leverage “والبيع الآجل” Short Selling. والمقصود بالرافعة هو أن الصندوق لا يقتصر على توظيف أمواله بل يقترض من السوق للإضافة إلى ما لديه من موارد مالية وذلك للاستثمار في الأوراق المالية. وهذا من شأنه أن يزيد الأرباح بشكل كبير في حال ارتفاع أسعار الأوراق المالية، وإن كان يزيد أيضاً الخسائر إذا انخفضت هذه الأسعار. ولذلك استخدم جونز الوسيلة الثانية للتخفيف من مخاطر انخفاض الأسعار وهي “البيع الآجل”، بمعنى أنك تبيع أوراق مالية ليست لديك بحيث يتم تسليمها للمشتري في المستقبل وذلك بأسعار اليوم وليس بأسعار يوم التسليم. وباستخدام هاتين الوسيلتين، أمكن لهذه الصناديق أن تحقق أرباحاً مذهلة.فكانت استراتيجية جونز تقوم على توزيع استثماراته المالية بالجمع بين الاقتراض والبيع الآجل وذلك بالاستثمار في نوعين من الأوراق المالية؛ الجزء الأول هي الأوراق التي يعتقد أن لديها فرصة في الارتفاع فيشتريها شراء فورياً، أما الجزء الثاني فيخصصه للبيع الآجل للأوراق المالية التي يعتقد أن أسعارها مرشحة للانخفاض. وهكذا كان يحصن نفسه أمام ارتفاع الأسعار أو انخفاضها. فإذا ارتفعت الأسعار فإنه سوف يفيد مما في حوزته من أوراق اشتراها بأسعار رخيصة (الجزء الأول من استثماراته)، وإذا انخفضت الأسعار فإنه يحقق مكاسب من مبيعاته الآجلة والتي باعها بأسعار مرتفعة (الجزء الثاني من استثماراته). وبطبيعة الأحوال فإن العملية ليست ميكانيكية بل تحتاج إلى حسن اختيار الأوراق المالية المرشحة للارتفاع فيتم شراؤها، وتلك المرشحة للانخفاض فيتم بيعها بيعاً آجلاً. وقد حقق جونز مكاسب هائلة وأصبح رائداً لمفهوم صناديق التحوط والتي توسعت منذ السبعينات من القرن الماضي.

 

ومن أشهر الصناديق التي تكونت بعد ذلك صندوق الأمريكي / المجري الأصل جورج سوروس. وشخصية سوروس تعطي صورة مجسمة لصناديق التحوط التي تجمع بين الفراسة والمغامرة، وبين المعرفة والحظ. وكان سوروس قد درس في مدرسة لندن للاقتصاد وتأثر بأفكار كارل بوبر والذي كتب عن فلسفة العلوم. وكان أهم ما تلقاه عن بوبر هو “أن الإنسان غير قادر على معرفة الحقيقة الكاملة، ولكنه يسعى، عن طريق التجربة والخطأ، إلى الاقتراب منها دون أن يبلغها تماماً. فهناك دائماً إلى جانب المعرفة جانب آخر مظلم من الجهل”. ولذلك جاء أول كتاب لسوروس بعد أن حقق مكاسباً ضخمة من المضاربة بعنوان “خيمياء التمويل”. ولفظ “خيمياء” Alchemy يعبر عن “الكيمياء القديمة” والتي تجمع بين العلم من ناحية والمعتقدات والأساطير الشائعة مثل “حجر الفلاسفة” من ناحية أُخرى، وقد انغمس المشتغلون بتلك المهنة، آنذاك، في محاولات لتحويل النحاس إلى ذهب. واختيار سوروس لهذا العنوان يؤكد نظرته في أن التعامل مع الأوضاع المالية يعتمد على خليط من المعرفة والحدس والحظ، إن لم يكن السحر أو ما يشبه السحر.

 

ولعل أهم عمليتين قام بهما صندوق سوروس هما المضاربة ضد الإسترليني في 1992 ثم ضد العملة التايلاندية في 1997. فبعد أن تم توحيد ألمانيا في نهاية 1990، عرفت ألمانيا موجة من التضخم الناجمة عن زيادة الإنفاق لمواجهة احتياجات إدماج ألمانيا الشرقية في الدولة الجديدة الموحدة. ومع ما هو معروف عن حرص البوندزبانك (البنك المركزي الألماني) على حماية قيمة المارك ـ بعد تجارب مريرة من التضخم في العشرينات ـ فقد قام البنك برفع أسعار الفائدة على المارك، لجذب العملات الأجنبية من ناحية، وتهدئةء النشاط الاقتصادي من ناحية أُخرى. وكانت أسوأ الأوضاع الأوربية هي في انجلترا وإيطاليا، والذين لم يكن أمامهم سوى رفع أسعار الفائدة أو تخفيض عملاتهم تجاه المارك. ونظراً لأن معظم عملات الدول الأُوروبية الأخرى كانت مرتبطة بالمارك الألماني في ظل نظام للصرف الأُوروبي الذي يضع حدوداً لتقلبات عملاتها تجاه المارك، فقد كان من الصعب تحقيق ذلك دون الخروج على اتفاقية أسعار الصرف الأوربية، وبالمقابل فإن رفع أسعار الفائدة على عملاتها المحلية كان يهدد النشاط الاقتصادي بها، خاصة وأن معظم هذه الدول كانت تعاني نوعاً من الركود الاقتصادي. وهنا راهن سوروس على أن انجلترا سوف تضطر إلى تخفيض عملتها. وبالفعل واجهت انجلترا ضغطاً شديداً على الاسترليني، فاقترضت من السوق الأوروبية ما يعادل 15 بليون دولار لحماية عملتها مع إبقاء أسعار الفائدة منخفضة. وأدرك سوروس أن فرص نجاح هذه العملية قليلة، فضارب بقسوة ضد الجنيه الإسترليني. فكان يقترض الإسترليني من الأسواق ويتقدم لبنك إنجلترا لتحويل هذا الاسترليني إلى ماركات ألمانية وفقاً للسعر السائد. ووظف في هذه العملية حوالي 15 بليون دولار. وأخيراً اضطرت انجلترا في نهاية 1992 إلى تخفيض عملتها بعد أن خسرت في عمليات المضاربة حوالي 3.8 بليون دولار، حقق فيها سوروس وحده أرباحاً خيالية تعادل بليون دولار. ثم قام بعملية مماثلة مع تايلاند 1997 عندما أدرك أن تايلاند قد زادت مديونياتها الخارجية واعتمدت على زيادة أسعار الفائدة المحلية لجذب العملات الأجنبية مع إصرارها على استمرار ربط عملتها بالدولار. ولما كانت تايلاند غير قادرة على زيادة رفع أسعار الفائدة، فقد كان محتماً عليها أن تضطر، هي الأخرى، إلى تخفيض قيمة عملتها. وهنا أيضاً ضارب سوروس ضد العملة التايلاندية، ووظف حوالي البليون دولار في هذا الشأن، واضطرت تايلاند بعد ذلك إلى تخفيض عملتها، وحقق سوروس أرباحاً قدرها 750 مليون دولار. وفي الحالتين نجد أن سوروس لم يكتف بالإفادة من توقعات انخفاض أسعار العملة وإنما افتعل ذلك وزاد الأمر إشتعالاً بالمضاربة ضد العملات بمبالغ طائلة.

 

 

المضاربة قد تكون مفيدة لتقريب الفروق في الأسعار أو لتوفير وسيلة لنقل مخاطر التقلبات المالية التي لا ترغب المشروعات الإنتاجية في تحملها. ولكن أن تتحول الأسواق المالية إلى مضاربة وتتخلى عن وظيفتها الرئيسية في الوساطة بين جمهور المدخرين وبين المستثمرين، فهذا خطر كبيير على الاقتصاد وتشويه كامل للأسواق المالية. وقد اعترف سوروس نفسه بذلك ـ والذي يحب أن يضفي على نفسه طابعاً فلسفياً ـ عندما صرح بعد أزمة تايلاند بأن “العدو الأول للمجتمع المفتوح ليس الشيوعية وإنما الرأسماليون”. ولاحظ أن سوروس قد استخدم تعبير “المجتمع المفتوح”، الذي هو عنوان أحد أهم مؤلفات كارل بوبر أستاذه في جامعة لندن، واستخدم نفس التعبير عنواناً لمؤسسته الخيرية والتي تنفق مئات الملايين سنوياً على أعمال البر. (أين أغنياؤنا)

 

لا بأس من المضاربة في الأسواق المالية كنشاط مكمل لدور السوق المالية في الوساطة وتوفير الأموال لأغراض الاستثمار. أما أن تصبح هذه الأسواق مجالاً للمضاربة فقط، فهذا فشل “لاقتصاد السوق” ليصبح “اقتصاد الكازينو”. لا بأس في أي مجتمع من وجود عدد محدود من رجال المطافئ، أما أن يتحول المجتمع كله إلى رجال مطافئ، فلن تكون له من نتيجة سوى كثرة الحرائق لكي ينشغل بها رجال المطافئ. والله أعلم.

 

الأهرام: 12 ديسمبر 2010

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *