المفارقات الاقتصادية

هل نحن بحاجة إلى الاقتصاديين؟ أليس الاقتصاد كله هو ترديد لمقولات عامة ومعروفة الأمر الذي لا يحتاج إلى أكثر من سلامة التقدير وحسن الاختيار. أليست القاعدة الرئيسية في الاقتصاد هي أن تحاول أن تشتري بأرخص الأسعار وأن تبيع غالياً. ألم يقل ابن خلدون هذه القاعدة منذ أقل قليلاً من ألف عام، ولاشك أن أرسطو قد وصل إلى نفس النتيجة قبل ذلك بما يزيد قليلاً على ألف عام أخرى، فهل يحتاج الأمر إلى متخصصين لكي نعرف أن المفروض أن نتجنب التبذير وأن نعيش في حدود مواردنا، “على قد لحافك مد رجليك”. أليس هذا بالضبط ما تعرفه كل ربات البيوت بل وحتى الصغار دون حاجة إلى نصائح الاقتصاديين. فهل نحتاج فعلاً إلى هذا العلم؟

ينبغي الاعتراف بأن هذا التساؤل قد شغل العديد من المفكرين والعلماء. ويقال أنه عندما سئل أنشتين لماذا اخترت دراسة الفيزياء بدلاً من الفلسفة أو الاقتصاد مثلاً؟ أجاب بالقول أن الفلسفة تبدو صعبة ومعقدة جداً، أما الاقتصاد فهو سهل وواضح تماماً وبالتالي لا يحتاج إلى جهد. وقيل أيضاً أن أحد علماء الطبيعة تحدى الاقتصاديين أن يقدموا له مقولة واحدة يقول بها الاقتصاديون ولا تكون ظاهرة للعيان ومعروفة للخاصة والعامة. ويبدو أن أحد الاقتصاديين الحاضرين قد قبل التحدي، وذكر له، كمثال لمقولة اقتصادية لا تبدو واضحة للوهلة الأولى، نظرية التكاليف أو المزايا النسبية. وليس هنا مجال شرح هذه النظرية بالتفصيل، فكتب مبادئ الاقتصاد تتكفل بذلك. ويكفي أن نشير هنا إلى أن هذه النظرية تؤكد، على خلاف ظاهر الأمور، أن من مصلحة أي دولة حتى وإن كانت متقدمة وأكثر كفاءة في الإنتاج عن غيرها من الدول أن تستورد بعض السلع من دول أخرى ربما أقل تقدماً وكفاءة، وأن هذا التبادل من شأنه أن يساعد على زيادة الثراء في كل من الدول المصدرة والمستوردة على السواء. فلا يكفي أن تكون الدولة قادرة على إنتاج السلع، وربما بكفاءة وإنتاجية أعلى من الدول الأخرى حتى تستغني عن الاستيراد. فالعبرة ليست بالتميز المطلق في إنتاج السلعة، وإنما بالتكاليف أو المزايا النسبية. فقد تكون الدولة أكثر كفاءة عشرة مرات في إنتاج سلعة الحديد مثلاً بالمقارنـة بدولة أخرى، ولكنها تتمتع بميزة نسبية في إنتاج سلعة أخرى، مثل الطائرات، وبما يجعل أن إنتاجيتها في هذا الميدان أكثر من عشرين ضعفاً مقارنة بالدولة الثانية. فهنا نجد أن مصلحة هذه الدولة هو أن تتخصص في إنتاج الطائرات وأن تستورد الحديد من الدولة الأخرى. وهذا هو المبدأ الرئيسي في نظرية التجارة الدولية كما وضع أسسها الاقتصادي الإنجليزي ريكاردو. وهو في الحقيقة قاعدة عامة تجاوز العلاقات الاقتصادية الدولية بحيث نشاهد تطبيقاتها في حياتنا اليومية. فالأصل أن الإنسان لا يقوم بالعمل فيما هو قادر عليه وإنما يتخصص فقط فيما يجيده. فانظر مثلاً إلى سيدة طبيبة، فهي قد تجيد الطهي بل ربما تتميز فيه بدرجة تتفوق فيه على خادمتها أو الطاهي، ولكنها بالقطع تعرف في الأمور الطبية عشرات إن لم يكن مئات المرات أكثر من الخادمة أو الطاهي. ففي مثل هذه الحالة يمكن القول بأن ربة البيت أكثر كفاءة من الخادمة أو الطاهي في كل من ممارسة الطب أو القيام بأعمال الطهي، ولكنها تتمتع بميزة نسبية في الطب. ومن ثمّ فمن المنطقي أن تتخصص في ممارسة الطب وتترك أعمال الطهي للخادمة أو الطاهي. وهذا هو المفهوم الأساسي الذي قام على أساسه مبدأ التخصص والمبادلة. فرغم أن المجتمع – أو الفرد – قد يستطيع أن يقوم بأعمال متنوعة، إلا أن من مصلحته أن يتخصص فيما يجيده أكثر. وكان آدم سميث قد أشار أيضاً إلى أهمية تقسيم العمل مما يزيد الكفاءة. وقد أدركت الشركات الصناعية الكبرى أهمية التخصص وتقسيم العمل، ودفعت به إلى أقصى الحدود. فهي لا تقتصر على التخصص في إنتاج سلعة واحدة، بل إنها تذهب إلى التخلص من إنتاج المكونات النمطية وتعتمد على الموردين من الخارج outsourcing للحصول عليها. وهكذا نجد إن معظم شركات الطيران والسيارات وغيرها من الصناعات الإلكترونية المتقدمة تستند إلى شبكة واسعة من الصناعات المغذية. وتركز جهودها على الأجزاء الأكثر تعقيداً وتطوراً تكنولوجياً وتترك العمليات التقليدية للشركات الصغيرة. وهكذا فالعبرة ليست بما يمكن إنتاجه، ولكن بما يحسن إنتاجه.

والحقيقة أن مثال التكاليف أو المزايا النسبية ليس المثال الوحيد الذي يبين أن التحليل الاقتصادي قد يؤدي إلى نتائج مختلفة عما قد يبدو ظاهراً للوهلة الأولى. ومن هنا عدد من المفارقات الاقتصادية. فقد نتخذ إجراءات بغرض إحداث نتيجة معينة، فإذا بنا ننتهي إلى عكس ما قصدناه. ويمكن إعطاء أمثلة متعددة لهذه المفارقات من الواقع المصري، وبعض هذه الأمثلة معروف ومشهور، وبعضها أقل شهرة. ولنبدأ بالأكثر شهرة.

عندما قامت الثورة وأرادت أن تخفف الأعباء على أبناء الطبقة المتوسطة، فإنها عمدت إلى تخفيض الإيجارات السكنية مع استمرار تثبيت الإيجارات بل وتأبيدها. فماذا كانت النتيجة؟ امتنع الأفراد عن بناء المساكن، ولم تستطع الدولة مواكبة الحاجات المتزايدة للإسكان مما أدى إلى قيام أزمة إسكان رهيبة، وبزوغ ظاهرة “خلو الرجل”، والتحايل على القوانين لهدم المساكن القديمة، واحتفاظ المستأجرين القدامى وأولادهم بل وأحفادهم بنفس المساكن القديمة. وكثيراً ما تظل هذه المساكن مغلقة طوال العام، وفي نفس الوقت أهمل الملاك الصيانة، مما أهدر مصادر الثروة القومية بعدم الاستخدام أو بنقص عمرها الافتراضي. واختفت ظاهرة إيجار المساكن ولم يعد هناك سوى التمليك وهو ما لا يناسب إلا الأغنياء. فهل هذا هو ما قصده القانون عند صدوره؟ كلا، بل إن أبناء الطبقة المتوسطة – وهم المقصودون بالحماية – كانوا الضحية الأولى لأزمة المساكن، لأن أبنائهم لم يعودوا قادرين على توفير المبالغ المطلوبة لخلو الرجل في الشقق الجديدة فضلاً عن أن أسعار هذه الشقق للتملك تفوق طاقاتهم. ومن هنا اضطر المشرع إلى التدخل وتعديل القانون بإباحة تعديل الإيجارات، وإن اقتصر هذا التعديل على العقارات الجديدة دون. وقد ساعد هذا التعديل على عودة النشاط في بناء المساكن الجديدة القديمة وعودة نظام الإيجار للحياة. ولكن إذا تذكرنا أن العمارات القديمة – التي لم يشملها التعديل – توجد عادة في أهم وأفضل إحياء المدن، فإنه ليس من الغريب أن يصبح وسط البلد في معظم مدن مصر هو الأكثر قبحاً، لأنه ليست هناك مصلحة لأحد في صيانة أو رعاية المباني القديمة. هذا مثال لقوانين صدرت لأهداف نبيلة إهداراً للمنطق الاقتصادي، فماذا كانت النتيجة؟ إهدار للموارد، وتفويت للغرض الأصلي.

مثال آخر. هذا بلد إسلامي وبالتالي يحرص على صيانة القيم والتقاليد الإسلامية. وعندما يتعلق الأمر بالمشروبات الروحية تظهر مشكلة. فالإسلام يدعو إلى اجتناب الخمر. ولكن هناك غير مسلمين لا يحرم دينهم تناولها، والإسلام يدعو إلى احترام العقائد الأخرى. ثم هناك أيضاً السياحة وهي تأتي عادة من دول لا يرى أهلها في تناول المشروبات الروحية خروجاً عن الآداب العامة. فماذا تفعل السلطات العامة أمام هذه المشكلة؟ لقد اختارت الدولة حلاً وسطاً لا يمنع ولا يشجع، وإنما يقيد الاستهلاك بقيود شديدة. كيف؟ تفرض رسوم جمركية مرتفعة – ثلاثة آلاف في المائة – على استيراد المشروبات الروحية، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها بشكل كبير، وبذلك تتخذ الدولة موفقاً أخلاقياً بمحاولة الحد من استهلاك هذه المشروبات الروحية. فهل تحقق ذلك؟ كلا. كيف؟

مصر لا تستورد كل احتياجاتها من المشروبات الروحية، فهناك إنتاج محلي لهذه المشروبات. ففي مصر شركة أو شركتين لإنتاج هذه المشروبات. فماذا تعني هذه الحماية الجمركية المبالغ فيها في هذه الحالة؟ الحماية الجمركية هي أحد أهم وسائل تشجيع الصناعات المحلية. ولذلك فإن الدولة عندما وضعت هذه الرسوم الجمركية المرتفعة لم تمنع من استهلاك المشروبات الروحية بل أنها وفرت الحماية للشركات المحلية وبالتالي ساعدتها على تحقيق أرباح عالية مع التوسع في الإنتاج. وبالفعل فإنه بعد أن تمّ تخصيص شركات القطاع العام العاملة في هذا المجال وبيعها للقطاع الخاص، حققت الشركات المشترية معدلات عالية من الأرباح اعتبرتها الأوساط المالية العالمية أعلى معدلات للأرباح في العالم. ولم يعد غريباً أن يعاد بيع هذه الشركات بمبالغ طائلة لشركات عالمية. فشركات القطاع العام في مجال المشروبات الروحية والتي بيعت للقطاع الخاص المصري بعشرات الملايين من الجنيهات المصرية، أعيد بيعها للشركات الأجنبية بمئات الملايين من الدولارات الأمريكية. فالدولة من حيث تريد تقييد استهلاك هذه المواد، فإنها قد ساعدت على نمو وتوسع الصناعة المحلية في هذه المجالات وبشكل احتكاري في ظل حماية هائلة برسوم جمركية بالغة الارتفاع. وليس هذا فحسب، بل إن ارتفاع أسعار المشروبات الروحية المستوردة، ووجود طلب مرتفع عليها خصوصاً من قبل السياح، قد ساعد على قيام تجارة رائجة للتهريب، وبعضها يستخدم البعثات الدبلوماسية، فضلا عن مختلف الأساليب المعروفة للتهريب. وبذلك فإن الأجراء الحكومي لتقييد استهلاك المشروبات الروحية لأسباب أخلاقية قد أدى، في العمل، إلى التوسع في الصناعات المحلية لهذه المشروبات وتحقيق أرباح احتكارية هائلة للشركات المحلية العاملة في هذا المجال، فضلاً عن زيادة التهريب وبالتالي انتشار الفساد. وهي كلها مظاهر غير أخلاقية لإجراء كان القصد منه أخلاقياً في الدرجة الأولى.

وهناك أيضاً مثال مجانية التعليم، والتي أدت في العمل إلى أن أصبح التعليم مع الدروس الخصوصية أعلى تكلفة من معظم دول العالم. فحيثما أرادت الدولة تخفيف عبء التعليم على عموم الناس، فقد جعلته في الواقع بالغ التكلفة، وبما جعل العامة يتحسرون على تلك الأيام الخوالي عندما كانت المدارس الحكومية “بمصروفات”. وبمناسبة التعليم فإن التدريب لا يقل أهمية. وكانت المدرسة الحقيقية لتدريب الحرفيين هي الصبيان الذين يعملون لدى الأسطوات من أصحاب الحرف. وجاءت أعباء التأمينات الاجتماعية وقيود وزارة العمل لتزيد تكلفة هذا التدريب الأهلي المجاني. ربما كان المطلوب هو منح الحرفيين حوافز على تدريب الصبيان بدلاً من زيادة الأعباء عليهم.

وتتعدد الأمثلة لقرارات تتخذ بحسن نية ولأهداف نبيلة، فإذا بها في العمل تؤدي إلى عكس المقصود. قليل من التفكير الاقتصادي قد يفيد.   والله أعلم

الأهرام:  20 اغسطس 2006

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *