الملكية الشعبية للأصول العامة ـ هل هي مفيدة؟

أعلن وزير الاستثمار عن برنامج جديد لتحسين إدارة الأصول العامة يتم بمقتضاه توزيع نسبة من أسهم شركات القطاع العام ـ 86 شركة ـ على المواطنين البالغين 21 سنة أو أكثر وذلك بالمجان. وبذلك يتملك حوالي 41 مليون مواطن مصري نسبة تدور حول 30% من أسهم هذه الشركات وأن الدولة ستظل مالكة لأسهم تتراوح نسبتها بين الثلث والثلثين من هذه الشركات. كذلك أعلن الوزير “وقف برنامج الخصخصة رسمياً وذلك حتى يتم تحديد مصير القانون الخاص بإدارة أصول القطاع العام”.

ورغم ما نشر عن تصريح الوزير “بوقف برنامج الخصخصة حالياً”، فقد فهم البعض أن هذه الدعوة الجديدة تجئ في إطار التسويق لمزيد من الخصخصة بإعطائها مسحة شعبية وجماهيرية، بالترويج بأن الخصخصة لاتتم فقط لمصلحة رجال الأعمال بل أن فيها نصيباً للمواطن المصري.

وإذا لم يكن الاقتراح ترويجاً لمزيد من الخصخصة، فإنه يطرح العديد من التساؤلات حول الصعوبات التنفيذية له وتكلفتها، فضلاً عن الجدوى الاقتصادية للمشروع المقترح.

ونبدأ بالتذكير بأن فكرة توزيع ملكية القطاع العام على المواطنين مجاناً ليست فكرة جديدة، وقد طرحت في بداية التسعينات بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وبداية تحول دول شرق ووسط أوربا إلى اقتصاد السوق، فلجأت بعض الدول (تشيكوسلوفاكيا ـ أقل من 15 مليون نسمة) إلى هذا الأسلوب لخصخصة بعض مشروعات القطاع العام، بتوزيع بطاقات Vouchers على المواطنين تمثل حصة من ملكية هذه المشروعات تمكنهم من بيعها للمستثمرين الراغبين في تملك هذه المشروعات العامة. وبذلك تحقق هذه الوسيلة عدة أهداف، فهي تشعر المواطن أن عملية الخصخصة تتم لصالحه وبمعرفته، كما أنها تساعد على إحياء سوق الأوراق المالية بعد أن ظل غائباً لما يقرب من نصف قرن. وقد استهوت الفكرة أخيراً العقيد القذافي، فأعلن منذ سنتين أنه سوف يوزع عائدات البترول على الشعب الليبي. ومازال الشعب الليبي يتطلع.

ويبدو مما نسب إلى الوزير أن المقترح ليس جزءاً من برنامج الخصخصة الذي أوقف مؤقتاً، وإنما هو جزء من سياسة ترشيد إدارة الأصول العامة. وقد دعا الوزير إلى فتح باب الحوار حول هذه الفكرة.

واستجابة لدعوة الوزير، فإن الفكرة تبدو في ظاهرها جذابة، فهي تستدعي الجماهير للمشاركة في ملكية أصول القطاع العام والتمتع بعوائده في وقت تتزايد فيه الادعاءات بأن الحكومة الحالية تميل إلى ترجيح مصالح رجال الأعمال على حساب الجماهير. ولكن التجارب التاريخية علمتنا أن كثيراً ما بدا “ظاهره” الرحمة كان “باطنه” العذاب، وأن الطريق إلى جهنم كان غالباً مفروشاً بالأماني الطيبة. فالاقتراح المعروض لا ينفذ مجاناً من تلقاء نفسه، بل أن لذلك تكلفة، وقد تكون تكلفة باهظة تهدر معظم ما قد يتولد عنه من منافع للناس. ولكن الأخطر من ذلك هو أن جدواه الاقتصادية مشكوك فيها من حيث المصلحة العامة، فلا هو يساعد على ترشيد إدارة أصول القطاع العام ولا هو يدعم جهود التنمية الاقتصادية. ولنبدأ بالصعوبات التنفيذية وتكاليفها، قبل أن نعرج على الجدوى الاقتصادية.

جاوز تعداد الشعب المصري خمسة وسبعين مليون نسمة، ويقدر الوزير أن عدد المستفيدين من الاقتراح يجاوز الأربعين مليون فرد. وفي مصر حيث تبلغ الأمية ما يقرب من ثلث السكان، فعلينا أن نتصور الجهد والتكلفة لإعداد أكثر من أربعين مليون بطاقة لكل شركة (86 شركة) مما يقترح توزيعها على الجمهور، وبحيث تتضمن كل بطاقة أسم الشركة وأسم المستفيد وعنوانه وربما تاريخ ميلاده. وكانت مصر بدأت مشروع الرقم القومي منذ أكثر من عشر سنوات، وهو لم يكتمل  بعد، فما تزال نسبة عالية من المصريين ـ وخاصة من النساء ـ غير حاملين لهذه البطاقة القومية. وتجربة مصر في جداول الانتخابات أو في تعميم بطاقات التموين لا تنبئ بأن الأمر سيكون سهلاً. ولذلك فإنه من المشكوك فيه أن تتم العملية بسرعة وبسهولة ودقة ودون منازعات. وبطبيعة الأحوال فإن هذا الإعداد لا يتم أيضاً بدون تكلفة من الجهد والمال والوقت. ومشكلة التنفيذ وهي تبدأ بالقيد فإنها لا تنتهي عند ذلك، بل أنها ستستمر في علاقة الحكومة مع المواطن باعتباره مساهماً له حقوق. فهو كمساهم جديد سيكون مستحقاً للأرباح الموزعة كل عام. وعلينا أن نتصور كيف تتم توزيعات الأرباح. فنحن نتحدث عن أربعين مليون مساهم في كل شركة. ومعنى ذلك أن الأرباح الموزعة في كل شركة لابد وألا تقل عن مائة وعشرين مليون جنيه سنوياً حتى يمكن توزيع أربعين مليون جنيه حصة 30% من المساهمين لكي يحصل المساهم من الجماهير على جنيه واحد. وعلينا أن نتصور تكلفة إرسال هذا المبلغ لكل مواطن مساهم وما يمكن أن يحصل عليه بعد خصم تكاليف الإرسال. وبطبيعة الأحوال فإن الأمر سيكون بائساً أو هزلياً ـ حسب مزاج المشاهد ـ إذا كانت الأرباح الموزعة أقل من مائة وعشرين مليون جنيه للشركة وبما يعطي للمساهم عدة قروش. كذلك، لا ننسى أن أكثر من ثلث المساهمين لايعرفون القراءة والكتابة مما يفتح باباً خصباً للفساد بتحصيل الأرباح بأسماء وهمية للعديد من المواطنين الذين لايعرفون القراءة أو حتى الذين لا يعبأون بتحمل مشقة التعامل مع جهات الصرف من أجل حفنة من القروش. وهكذا تتعدد المشاكل التنفيذية اليومية بدءاً من تسجيل أسماء المنتفعين بالنظام الجديد واستمراراً عند التعامل معهم عند تحصيل الأرباح أو بيع الصكوك وانتقال ملكيتها. وإذا كانت الحكومة المصرية بكافة مصالحها وأجهزتها تعاني من عدم قدرتها على التعامل مع جماهير المواطنين الغفيرة في مكاتب الشهر العقاري أو في المحاكم أو المستشفيات العامة أو في المواصلات، فإذا بنا أمام اقتراح جديد بخلق كتلة جديدة من أربعين مليون عميل للتعامل مع شبابيك صرف الأرباح أو تسجيل عقود البيع والتصرف في صكوك الملكية الجديدة.

ولنترك هذه المشاكل التنفيذية اليومية وما يمكن أن يتولد عنها من نزاعات، لنبحث آثار هذا التعديل الجديد على ترشيد إدارة الأصول العامة. فماذا يفعل المواطن السعيد الذي اكتسب هذه الثروة الجديدة الوافدة؟ إذا صدقت الحكومة ولم تكن هذه المبادرة مقدمة لمزيد من الخصخصة، فمعنى ذلك أن ملكية القطاع العام فيما جاوز ما يوزع على المواطنين من مساهمات (حوالي 30%)  ستظل على ما هي عليه، وبالتالي فأغلب الظن أن تظل إدارتها على ما هي عليه. وليس من السهل أن تنجح أقلية من المساهمين في تعديل مسار الإدارة، ولذلك فمن الطبيعي أن يثور التساؤل، كيف يؤدي توزيع 30% من أسهم شركات القطاع العام على المواطنين إلى ترشيد إدارتها؟ المساهم شريك في الملكية وبالتالي له الحق “نظرياً” في رقابة إدارة الشركة من خلال الجمعيات العامة للشركات. ولنا أن نتصور كيف يمكن أن يجتمع أربعون مليون فرد من مساهمي إحدى الشركات لمناقشة تقرير مجلس الإدارة، وأين يتم الاجتماع، وكيف تتم المناقشة؟ هنا تصبح مشاركة الجماهير في إدارة الشركات ليست مستحيلة مادياً فقط بل قد تتحول إلى أزمة أمنية للحكومة نفسها. تصور اجتماع أربعين مليون نسمة أو حتى واحد في المائة منهم في مكان عام! إذن تصبح أسهم المواطنين في حقيقتها مجرد حق في الحصول على الأرباح ـ إن تحققت ـ أما الحديث عن رقابة الإدارة أو محاسبتها، فهي أمور مستحيلة. فأسهم المواطنين لن تكون بهذا الشكل مثل أية أسهم في شركة مساهمة، بل أنها تصبح أسهم “عاقر” ليس لصاحبها حق الرقابة على إدارة الشركات المملوكة لهم، وبالتالي يصعب تصور أن يكون لهذه الأسهم أي دور فعال في ترشيد إدارة الأصول العامة. وبذلك فإن أسهم المواطنين وهي تفقد حقها في الرقابة على إدارة الشركات تظل مجرد أصل مالي يتيح للمواطن المساهم الحصول على الأرباح السنوية أو التصرف في أسهمه بالبيع لأحد المستثمرين المهتمين بتجميع هذه الأسهم في أيديهم. وقد رأينا أن الأرباح الموزعة سنوياً ستكون قليلة بالنسبة للمساهم، ولذلك فالأغلب أن تميل الغالبية العظمى من المواطنين إلى التصرف في هذه الأسهم بالبيع. وإذا كانت الحكومة جادة في عدم خصخصة هذه المشروعات، فإن أسهم المواطنين لن تكون مغرية للشراء، بالنظر إلى استمرار بقاء الوضع على ما هو عليه، وبالتالي فلا أمل للمستثمر الجديد في تغيير أوضاع الشركة والتأثير على مسارها. وعلى أي الأحوال، وبصرف النظر عن مشروعات الحكومة لهذه المشروعات في المستقبل، فإن نقص الوعي وانتشار الأمية والفقر العام لأغلب المصريين سيدفع الغالبية منهم لبيع أسهمهم مع احتمالات ظهور مجموعات من محترفي انتهاز الفرص لشراء هذه الأسهم وبأسعار هزيلة استغلالاً لحاجة هؤلاء الفقراء إلى الحصول على نقود سائلة. وهكذا تتجمع غالبية الأسهم في أيدي حفنة من التجار وبأسعار غير مجزية. وبذلك تنتهي العملية بعد طول جهد وتكاليف وأجهزة حكومية إلى تجمع الأسهم في غالبيتها بين أيدي أعداد محدودة من كبار المستثمرين.

وهكذا تتعدد المشاكل التنفيذية للاقتراح منذ بدء تنفيذه إلى مراحل حياته إلى أن ينتهي بتجميع الأسهم من جديد في يد قلة من المستثمرين. ولكن هذه الصعوبات التنفيذية خلال حياة هذه الأسهم الجماهيرية تجاوز جوهر القضية. فالقضية في جوهرها تتعلق برؤيتنا لكيفية التصرف في عائدات بيع أصول القطاع العام. وقد رأينا أن الاقتراح المعروض بتوزيع جزء ملكية القطاع العام على الجمهور لن يكون له من أثر ملموس على إدارة القطاع العام،  ويصبح السؤال المطروح هو هل يؤدي هذا الاقتراح إلى زيادة فرص التنمية؟

القطاع العام هو مجموعة من الأصول الإنتاجية المملوكة للدولة، والمفروض أن التصرف فيها يخلق فرصة جديدة لزيادة الطاقات الإنتاجية في دولة فقيرة محدودة الادخار قليلة الاستثمار. ولذلك هناك شبه اتفاق بين معظم المهتمين بقضايا التنمية على ضرورة عدم دخول حصيلة بيع أصول القطاع العام في الإيرادات العامة الجارية للدولة، وأنها ينبغي ـ على العكس ـ أن تخصص لأغراض إنتاجية إما بتوظيفها في أصول استثمارية جديدة أو بتخفيض الديون القائمة على الدولة. أما إنفاق حصيلة البيع على أغراض استهلاكية فهو إهدار وتبديد لموارد كان يمكن تخصيصها للاستثمار وزيادة إمكانية الاقتصاد على التقدم. فالخصخصة أو ما يشابهها من أشكال التصرف في الأصول المملوكة للدولة وما يترتب عليها من موارد مالية ينبغي توجيهها لأغراض الاستثمار وعدم إهدارها في استهلاك وقتي لن يتجدد. وإذا كان من الممكن الاعتقاد بأنه من الناحية المجردة أن أي مبلغ يمكن أن ينفق على الاستهلاك أو الاستثمار، فمن الناحية الفعلية يتطلب الاستثمار حدوداً دنيا من الأموال. فسبعون مليون جنيه يمكن أن تنفق على الاستثمار في مشروعات مفيدة للجماهير في التعليم أو الصحة أو الطرق أو غير ذلك من المشروعات، ولكن توزيع سبعين مليون جنيه على سبعين مليون نسمة بواقع جنيه لكل منهم، لايمكن إلا أن تستخدم في مزيد من الاستهلاك، وهو عادة استهلاك غير مفيدة. فالمدخرات المفتتة والمبعثرة لاقيمة لها في دفع التنمية الاقتصادية. ومن هنا الدور الحاسم الذي تلعبه المؤسسات المالية في تجميع المدخرات في شكل يجعلها قابلة للاستثمار في مشروعات استثمارية مفيدة. ويبدو أن الاقتراح المعروض يؤدي بالضبط إلى عكس هذه النتيجة. فهو أسلوب يعمل على تفتيت “ادخارات محتملة” نتيجة للتصرف في أصول القطاع العام وتوزيعها على أربعين مليون نسمة مما يقطع بتخصيصها لأغراض الاستهلاك. ولعل المطلوب هو العمل على ضمان استخدام حصيلة التصرف في أصول القطاع العام لدفع التنمية في البلاد بإنشاء صندوق يضم حصيلة بيع الأصول الرأسمالية وبحيث يخصص للاستثمار في مشروعات اقتصادية واجتماعية تفيد الأجيال القادمة. أما تخصيص ما يعادل 30% من قيمة أصول القطاع العام وتوزيعها على أربعين مليون نسمة فهو إجراء يضمن إهدار عائدات بيع هذه الأصول للإنفاق على أغراض استهلاكية بحتة.

لذلك فإنه من المشكوك فيه أن يساعد الاقتراح المعروض على دفع التنمية وزيادة معدلات الاستثمار بها، كما أن دوره في ترشيد إدارة أصول القطاع العام يبدو قليل الاحتمال. ومع ذلك فينبغي الاعتراف بأن الاقتراح لا يخلو من مسحة جماهيرية مغرية للبعض ولكنها قد تكون قصيرة العمر. والله أعلم

المصري اليوم: 19/11/2008

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *