النظام الاستبدادي لا يتغير

أطلقت المظاهرات المليونية في مختلف ربوع القطر المصري صيحة واحدة: “نريد إسقاط النظام”. فالمسألة ليست شخصية وإنما هي قضية نظام استبدادي لا يمكن تحمل استمراره مع الرئيس مبارك أو مع غيره.

جاء خطاب مبارك الثاني رداً على المطالبات الشعبية مؤكداً ـ من حيث لا يدري ـ على الطابع الاستبدادي للنظام السياسي القائم. فالمؤسسات السياسية القائمة ـ من وزارات أو مجالس نيابية ـ هي مجرد أدوات في يد الحاكم المطلق، يسخرها ويوجهها حيثما يشاء، دون أن تكون لها إرادة أو رأي.

فماذا قال مبارك؟

بصرف النظر عما أشار إليه مبارك من نيته في البقاء في سدة الحكم حتى نهاية ولايته، فإنه وجه البرلمان ـ فما يشبه التعليمات ـ باتخاذ عدة قرارات، أهمها:

–        تعديل المادتين 76، 77 من الدستور والمتعلقة بشروط الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية وتحديد مدة بقاء الرئيس المنتخب في الحكم.

–        الالتزام بتنفيذ أحكام القضاء فيما يتعلق بصحة عضوية أعضاء البرلمان المطعون في عضويتهم للمجلس النيابي.

وهذه الدعوة، وإن كان من ظاهرها استجابة ـ جزئية ـ لمطالب المتظاهرين، فإنها تكشف طبيعة المؤسسات السياسية، وخاصة البرلمان في نظر مبارك، وكيف أنه مجرد جهاز حكومي يخضع لتوجيهات الحاكم، وليس له أي استقلال في التعبير عن رغبات الشعب الذي يدعي تمثيله.

لقد ظل مبارك طوال عهده يرفض تعديل الدستور، رغم كثرة المطالبات والإلحاح عليها، وتابعه في ذلك البرلمان، حتى فاجأ مبارك الجميع بطلب العديد من التعديلات الدستورية عام 2005، غالباً نتيجة للضغط الأمريكي. وجاءت صياغة المادتين 76، 77 من الدستور وغيرها حيث أثارت ـ هي الأخرى ـ العديد من الانتقادات، ورفض مبارك أي مناقشة لذلك. وعندما أعيد النظر في العديد من مواد الدستور منذ عامين لإزالة التعارض القائم بين التحول الاقتصادي لنظام السوق وبين نصوص الدستور القائم، الذي وضع -1971ـ في ظل بقايا تقاليد اشتراكية قديمة، فإنه رفض المساس بهاتين المادتين 76، 77، وتابعه في ذلك البرلمان.

والآن يأتي مبارك للمطالبة بتعديل هاتين المادتين تحت ضغط المظاهرات الجماهيرية، وربما أيضاً نتيجة للنصيحة الأمريكية. وأغلب الظن أن البرلمان ـ إذا استمر ـ سوف ينفذ هذه التعليمات بدقة

ومن ناحية ثانية، فإن البرلمان المصري، ووفقاً لتقاليد راسخة له ـ منذ بداية عهد مبارك ـ يقوم على مبدأ “سيد قراره” الذي أرساه المرحوم الدكتور رفعت المحجوب، في عدم الاعتداد بأحكام القضاء في الطعون القضائية في صحة انتخابات أعضاء مجلس الشعب، لأنه “سيد قراره”. واليوم يأتي مبارك مؤكداً أن البرلمان سوف ينفذ كافة أحكام القضاء. فأين “سيد قراره”؟ وهنا أيضاً، نتوقع أن ينفذ البرلمان ـ إذا استمر ـ هذه التوجيهات الجديدة.

لقد صدرت التعليمات من أعلى للبرلمان بتعديل المادتين 76، 77 من الدستور ووضع الحدود على مدد انتخاب رئيس الجمهورية، مع التأكيد على تنفيذ أحكام القضاء في صحة العضوية. المشكلة ليست في مدى الحاجة إلى مثل هذه القرارات، ولكن في ظروف الأخذ بها. فهي لا تأتي نتيجة الرغبة الشعبية ـ التي يمثلها البرلمان حكماً ـ وإنما نتيجة توجيه الرئاسة له. وهذا هو جوهره “النظام الاستبدادي”. كل شيء يتم وفقاً للتعليمات.

لقد جاء خطاب الرئيس مبارك كاشفاً عن طبيعة ودور المؤسسات السياسية ـ البرلمان ـ وكيف أنها تنفذ ما يصدر لها من تعليمات رئاسية. فهذه المؤسسات هي مجرد ديكور تجميلي لأعطاء طابع ديمقراطي لنظام هو ـ في جوهره ـ استبدادي. وبذلك، فإن خطاب مبارك أخير لا يعدو أن يكون تأكيداً من جديد لطبيعة نظامه الاستبدادي.

 

لقد ظل البرلمان المصري يرفض لأكثر من ربع قرن تعديل الدستور حتى جاءه الأمر الرئاسي في 2005 فأسرع بإجراء بعض التعديلات الدستورية في الحدود المطلوبة. وها هو الرئيس في خطابه الأخير يعطي الإشارة لتعديل جديد تحت ضغط المظاهرات وربما الضغوط الدولية. لكل ذلك لابد أن يتمسك الشعب أكثر من أي وقت بمطالبة “تغيير النظام”، فالمشكلة ليس شخص رئيس الجمهورية، وإنما هو النظام الذي يجعل رئيس الجمهورية السلطة الوحيدة للبلاد. لابد من تغيير هذا النظام. والله أعلم.

 المصري اليوم: 03 فبراير 2011

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *