!النظام البرلماني ليس خرافة

في مقال بعنوان “خرافة الجمهورية البرلمانية”، كتب الدكتور وحيد عبد المجيد في أهرام 5 ديسمبر 2009 أن “الطبيعة لم تعد هي المجال الرئيسي للخرافة، وإنما السياسة والمجتمع والفكر. فما أكثر الخرافات التي ظهرت في هذا المجال حتى الآن في بلادنا وبعض بلاد غيرنا. وتندرج الدعوة إلى إقامة جمهورية برلمانية في مصر الآن ضمن هذا الإطار”. وهي مقولة تستحق المناقشة.

والخرافة ـ فيما أعتقد ـ هي وهم يقوم في ذهن الفرد أو في وعي الجماعة عن أشياء أو قوى ليس لها وجود في الواقع. وهذا الوهم قد يرجع إلى خلل عقلي بتوهم أشياء غير موجودة أو إلى استقرار مجموعة من القصص أو المعتقدات أو الذكريات في الوعي العام للشعوب والتي لاتستند إلى حقائق تاريخية أو طبيعية وذلك نتيجة للتقاليد والمعتقدات السائدة أو غير ذلك. وإذا كان هذا هو مفهوم “الخرافة”، فإن النظام البرلماني يمثل واقعاً تاريخياً موجوداً لايمكن إنكاره. فإنجلترا تعيش في ظل نظام برلماني وكذا بلجيكا وهولندا والدول الاسكندينافية، وبالنسبة للدول الأوربية غير الملكية، فهناك إيطاليا وألمانيا واليونان وتركيا وفي آسيا اليابان والهند وتايلاند وإسرائيل… والقائمة طويلة. ولذلك فإنه لايمكن إنكار هذه الحقائق والادعاء أن النظام البرلماني مجرد خرافة أو وهم في خيال البعض. “النظام البرلماني” حقيقة تاريخية قد نحبها أو نكرهها، ولكنها ليست خرافة.

ومع ذلك، فمن المحتمل أن يكون قصد الدكتور عبد المجيد من استخدام مصطلح “الخرافة” ليس الإشارة إلى وجود  النظام البرلماني في ذاته، وإنما الدعوات إلى قيام مثل هذا النظام في مصر في الظروف الحالية. وهذا أمر يمكن قبوله إلى حد ما، رغم أن هذا لايجعل أيضاً من المطالبة “بالنظام البرلماني” “نوعاً من التفكير الخرافي”، وإنما قد يجعل منها، ربما، “مشروعاً سياسياً” غير ناضج للتنفيذ الفوري ـ في نظر الكاتب ـ وإن لم يمنع ذلك من أن يصبح الأمر نفسه مطلباً شعبياً عندما تتوفر الظروف المناسبة. وهكذا بدأت بالفعل معظم دعاوى الإصلاح، حيث كان مبررها ـ عند إطلاقهاـ الاعتقاد بأن هناك فرصة ـ في نظر أصحابها ـ لتحسين الأحوال بإجراء تغيرات في الأوضاع السياسية أو الاجتماعية القائمة. وهذا هو ما حدث بالنسبة إلى دعاوى الاستقلال السياسي من الاستعمار، أو المطالبة بالمساواة في ظل النظم العنصرية، أو بتحسين أوضاع المرأة أو الارتقاء بأحوال الطبقة العاملة وهكذا. فكل هذه الدعوات قامت في ظل أوضاع غير مواتية، ثم تغيرت الظروف ونجحت معظم هذه المطالبات في عدد كبير من الدول في وقت أو آخر.

وهكذا، فيبدو أن الدكتور عبد المجيد يستخدم مصطلح “الخرافة” بمعنى عدم الترحيب بالمطالبة بالنظام البرلماني في مصر، والتشكيك في فائدته وجدواه. وبشكل عام فإن النظم السياسية كلها بل كل النظم البشرية ـ وليس النظام البرلماني وحده ـ لها مزايا وعيوب فيه، ومن هنا يختلف الأمر حولها بين أنصار ومعارضين. ولاشك أن “النظام البرلماني” لايخلو ـ مثل غيره ـ من بعض العيوب، ولكنه وللإنصاف يتمتع أيضاً بمزايا لايمكن إنكارها، وليس أقل دليلاً على ذلك أن دولاً عديدة قد أخذت ـ في الماضي وما تزال ـ “بالنظام البرلماني”، وكل منها يحاول أن يطور ويلائم من هذا النظام مع ظروف كل بلد وتاريخه وطبيعته. وفضلاً عن ذلك، فلمصر تجربة تاريخية سابقة للنظام البرلماني، ولم تكن هناك شكوى من ذلك النظام بقدر ما كانت الشكوى من الاعتداء عليه. وقد ذكرت في هذا المكان، أن دستور 1923 “البرلماني” قد تمتع في الذاكرة المصرية بمكانة شعبية خاصة، حتى أن البيان الأول للثورة في صباح 23 يوليو 1952 أكد على حرص “حركة الجيش” على احترام هذا الدستور.

وإذا استبعدنا فكرة “الخرافة” عن وجود النظام البرلماني، وتساءلنا عن نقائص هذا النظام والتي يبدو أنها تزعج الدكتور عبد المجيد، فإننا نرى أن المسألة لاتخرج عن “وجهة نظر” للدكتور، وقد تستحق المناقشة. فما هي أخطر المآخذ للدكتور عبد المجيد على هذا النظام؟

يرى الكاتب أن “الجمهورية البرلمانية هي أحد أشكال الحكم التي قد تساعد على تحقيق ديمقراطية تضرب بها الأمثال، ولكنها قد تؤدي في ظروف أخرى إلى دكتاتورية الأغلبية وتغلق الباب أمام انتشار الحرية في المجتمع. ولذلك يصبح من قبيل الخرافة النظر إلى النظام البرلماني كما لو كان وصفة سحرية في المجتمع”. ويتضح من هذه العبارة الأخيرة أن الدكتور وحيد عبد المجيد يقصد “بالخرافة” تلك الثقة الزائدة في أن النظام البرلماني ” يقدم وصفة سحرية لتحقيق الديمقراطية” وذلك لأن هذا النظام ـ كما يقول الكاتب ـ “يمكن أن يكون مرتعاً لدكتاتورية الحزب الذي يحصل على الأغلبية البرلمانية، فيسيطر على السلطة التشريعية ويهيمن بالتالي على السلطة التنفيذية إذا لم تكن هناك ديمقراطية راسخة”. ورغم أنه يعترف بأن “دكتاتورية الأغلبية” يمكن أن توجد أيضاً في النظام الرئاسي، فإنه يرى في هذا النظام الرئاسي ـ وحده فيما يبدو ـ فرصة لتجنب “دكتاتورية الأغلبية”. أما عن قضية الوصفة السحرية فلا أعتقد أن هناك كثيرين يؤمنون بأن هناك “وصفات سحرية” لأي إصلاح. فالغالبية من المفكرين يدركون أن الإصلاح طريق طويل وأن الكمال لله.

وبذلك يبدو أن المشكلة الحقيقية في النظام البرلماني ـ عند الدكتور عبد المجيد ـ هي مشكلة “دكتاتورية الأغلبية”، وهي عبارة كثيراً ما تتردد في هذا السياق وغيره، مما قد يتطلب بعض الإيضاح والعودة إلى الأصول الأولية للفكر الديمقراطي. فالديمقراطية في أساس عملها هي “حكم الأغلبية”، وليس من المقبول أن تتم أمور الحكم الديمقراطي بعيداً عن رأي الأغلبية، وهو ما يحدث في جميع الدول الديمقراطية سواء أخذت بالنظام البرلماني أو بالنظام الرئاسي. “فحكم الأغلبية” ليس عيباً في ذاته، بل هو مطلب مشروع للشعوب. هذا هو منطق الديمقراطية. وفي مصر تعلن أحزاب المعارضة رفضها للكثير من سياسات الحكومة وما يصدر عنها من قوانين، وتستند الحكومة ـ وبحق ـ في ردها على هذه الاتهامات بأنها تعتمد في هذه السياسات على رأي الأغلبية الممثلة في البرلمان. “فحكم الأغلبية”، في ذاته لاغبار عليه، ولاأعتقد أن الدكتور عبد المجيد يعترض على ذلك. ولكن هناك ـ مع ذلك ـ خطر من “دكتاتورية الأغلبية”، وهو شيء آخر غير “حكم الأغلبية”، حيث يقتصر على الأحوال التي تعتدي فيها الأغلبية على الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والتي يضمنها الدستور. هنا فقط يكون الأخذ برأي الأغلبية إساءة لاستخدام حق الأغلبية في الحكم، ويصبح نوعاً من “دكتاتورية الأغلبية”.

هذا هو جوهر الديمقراطية الليبرالية كما تطورت منذ جون لوك.فجوهر الديمقراطية هو احترام الحقوق والحريات، ولاتعدو “الأغلبية” أن تكون مجرد أسلوب للحكم. ولذلك فإن “حكم الأغلبية” في الديمقراطية الليبرالية ليس مطلقاً بل هو مقيد باحترام الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والجماعات. وهذه الحقوق والحريات يؤمنها الدستور ولايجوز المساس بها، ولو بالأغلبية. وفي هذه الحالة فقط يجوز لنا الحديث عن “دكتاتورية الأغلبية”.

وبناء على ما تقدم فإنه لاعيب ولاخطر في سيطرة “الأغلبية” على الحكم، لأن هذا هو منطق الديمقراطية. ولكن هذه السيطرة منوطة بقيود دستورية لضمان الحقوق والحريات الأساسية للجميع بما فيهم الأقلية، مع ضرورة تداول السلطة، وتوفير الضمانات لعدم تأبيدها. أما الاعتداء على الحقوق والحريات الأساسية، ولو باسم الأغلبية، فهذا هو غير المقبول سواء في النظم البرلمانية أو الرئاسية، لافرق.

ويرى الدكتور عبد المجيد ـ تأكيداً على فكرته عن “دكتاتورية الأغلبية” ـ أن النظام البرلماني “يدمج السلطة التنفيذية في السلطة التشريعية دمجاً محكماً يمكن أن يعطل دور هذه الأخيرة تماماً في مراقبة الحكومة ويجعلها تابعاً أمنياً لها وصدى لسياستها وقراراتها”. والطريف أن هذه الملاحظة هي، بالضبط، ما تنتقده المعارضة في مصر حيث تتهم الحكومة بالقول بأن “النظام الرئاسي” القائم في مصر قد جعل من السلطة التشريعية تابعاً أمنياً للسلطة التنفيذية. فالمعارضة تدعي ـ ولها بعض العذرـ أن النظام الرئاسي في مصر قد أضعف السلطة التشريعية ولم يقويها و”ألحقها بالسلطة التنفيذية”. فلم يحدث طوال تجربتنا مع هذا “النظام الرئاسي” أن سحب البرلمان الثقة من وزير أو أجرى تعديلاً جوهرياً في النظام القانوني، وتأكيداً على ذلك جاءت جميع التعديلات الدستورية الأخيرة بناءً على اقتراحات “الحكومة” وبمبادرة منها. وقد جاءت الدساتير الرئاسية المصرية منذ الثورة مركزة السلطات في يد رئيس السلطة التنفيذية على نحو غير مألوف في معظم الدول الديمقراطية، وبما جعل السلطة التشريعية “تابعاً أميناً للسلطة التنفيذية وصدى لسياستها وقراراتها” وفقاً لعبارات الدكتور عبد المجيد. وعلى عكس ما يقول به الدكتور عبد المجيد، فإن معظم فقهاء القانون الدستوري يرون ـ أن “النظام البرلماني” في انجلترا يجعل من “الحكومة” لجنة من لجان البرلمان، مما يزيد من سيطرة السلطة التشريعية على حساب السلطة التنفيذية. “فالنظام البرلماني” يقوي السلطة التشريعية ولايضعفها.

ويخلص الكاتب في مقاله إلى أنه “إذا كان الأمر كذلك، تصبح الدعوة إلى جمهورية برلمانية في ظروفنا الراهنة نوعاً من التفكير الخرافي مضموناً وشكلاً.. فهي غير ممكنة في حالتنا الآن بدون تغيير جذري وكامل في النظام السياسي وإصدار دستور جديد تماماً”. وبعبارة أخرى، فإن الدكتور عبد المجيد يرى أن الدعوة “للنظام البرلماني” سابقة لأوانها وأن الظروف غير مهيأة سياسياً لذلك. وإذا كان هذا هو المقصود، فهذه وجهة نظر الكاتب وله مطلق الحق فيها، ولكن ذلك لايجعل الفكرة خرافية، لاشكلاً ولامضموناً. والذي أفهمه أن الدستور ـ أي دستور ـ هو عمل بشري قابل للتعديل والتغيير ما دام ذلك يتم وفقاً للقواعد المنصوص عليها وفي إطار القانون. ويتضمن الدستور نفسه باباً لبيان إجراءات تعديله، وقد قصد بهذه النصوص ـ ليس الزينة ـ وإنما أن تستخدم عندما تقوم الحاجة. وهذا يبدأ بطرح الآراء والأفكار حتى تكتسب قبولاً وترحيباً عند الأغلبية، وعندها تتحول إلى حقائق على الأرض يمكن أن تأخذ طريقها لتعديل الدستور. ولذلك فإنه لايجوز الحجر على إبداء الآراء لتكوين رأي عام، حتى إن كانت سابقة لأوانها، فهذه هي الديمقراطية.

لاأحد يرغب في فرض آرائه بالقوة أو بالمخالفة للقوانين المساندة، ولكن من حقه أن تناقش آرائه بموضوعية مادامت تتم في إطار دستور يسمح بإبداء الآراء ومناقشتها جدياً. ولاتخرج الدعوة إلى
“نظام برلماني” في مصر عن ذلك. والله أعلم.

المصري اليوم: 12 ديسمبر 2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *