النوايا الحسنة والطريق إلى جهنم

تناولنا في حديثنا السابق الإشارة إلى بعض حالات للمبالغة في التدليل في الحماية الاقتصادية والتي كثيراً ما تؤدي إلى عكس المقصود منها. وهو ما ينطبق عليه القول بأن “الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة”. وأود اليوم أن أستطرد، بعض الشيء، في أحد هذه الأمثلة والتي تعرضنا لها في المقال السابق، وهو المتعلق بالحماية والضمانات المبالغ فيها لحماية استقرار العمل.

ففي ندوة علمية عقدت لمناقشة قضايا البطالة في الوطن العربي، أشار العديد من الخبراء إلى أن مشكلة البطالة في منطقتنا العربية تعتبر من أعلى معدلات البطالة في العالم. وهي تتراوح عادة حول 15% وإن كانت تصل بعض الأحيان إلى 30% (الجزائر). وبالنسبة لمصر فقد نجحت في خلق نسبة مرتفعة من فرص العمل بالمقارنة مع بقية الدول العربية، ومع ذلك فإن حجم البطالة يستمر في الزيادة في مصر نظراً لاستمرار تزايد السكان من ناحية وزيادة نسبة مشاركة المرأة في العمل من ناحية أخرى. وإذا كانت مصر قد حققت هذه النتيجة الإيجابية – بالمشاركة مع الأردن – فإن ذلك قد صاحبه ثمن باهظ تمثل في إنخفاض معدل الأجور الحقيقة (تخفيض الأجور النقدية بما يعادل التضخم) من ناحية، وانخفاض إنتاجية العامل من ناحية أخرى. فقد أظهرت الإحصاءات المقارنة في الوطن العربي أن أدنى معدل لإنتاجية العامل قد ظهر في مصر والأردن. وهكذا عرفت مصر – مع النمو السكاني – مزيداً من البطالة، بالرغم من التوسع في خلق فرص العمل، وقد صاحب ذلك إنخفاض في معدل الأجور الحقيقية وتدهور في إنتاجية العامل.

ولا أود أن أناقش هذا الموضوع في جملته، وإنما أتعرض فقط لأحد الجوانب التي أثيرت في بعض النقاشات الجانبية، وهي أثر الحماية المبالغ فيها للعامل عن طريق توفير التأمينات الإجتماعية. فقد أشرت في حديثي السابق إلى أن العديد من الدول في رغبتها في توفير ضمانات لاستقرار العمل ضد مخاطر البطالة والشيخوخة والمرض قد وضعت نظماً للتأمين الإجتماعي للعاملين، تقتطع بمقتضاه جزءاً من رواتبهم مع المساهمة بجزء آخر من رب العمل لإنشاء نظام للتأمين الإجتماعي لمصلحة العامل. ومع ذلك فقد أدت المبالغة في الأخذ بهذا النظام إلى رفع تكاليف العمالة على أرباب الأعمال مما أدى بهم في كثير من الأحيان إلى الإحجام عن التوظيف الجديد خوفاً من أعباء التأمينات الإجتماعية المبالغ فيها. وبذلك فإن نظاماً قد أنشىء بغرض حماية العمال قد أدى في الواقع إلى عكس المقصود منه بحرمان العمال من فرص ممكنة لزيادة أعداد الوظائف الجديدة.

ولا أريد أن أناقش هذا الموضوع في جملته حيث تتداخل الاعتبارات المختلفة مما يجعل من الصعب في مقال صحفي تناوله بما يعطيه حقه من العناية. وأريد، على العكس، أن أقتصر على جانب واحد وهو المتعلق بالدور الذي تقوم به تعيينات الشباب في التدريب والتعليم واكتساب الخبرات. لقد كثر الحديث عن أهمية التدريب في خلق يد عاملة مدربة صالحة للإستخدام في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية. وتخصص الدولة ميزانية كبيرة في إقامة مراكز التدريب وفي تمويل الدورات التدريبية في مختلف الأنشطة وعلى مستوى الجمهورية. وبعض هذه المراكز يتمتع بمباني ومنشآت حديثة ومكلفة كما يحتضن عدد منها أجهزة وأدوات حديثة في وسائل التلقين والتعليم. وما ينفق من مكافآت للمحاضرين والمدرسين يصل كثيراً إلى أرقام كبيرة. فماذا كانت النتيجة؟ تشير الدراسات إلى إنخفاض الإنتاجية وأن مستوى العاملين من حيث المهارات في تدهور مستمر. ويصبح الأمر أكثر خطورة بالنسبة إلى الشباب الذين يمثلون الكثرة الغالبة من العاطلين وبالتالي جوهر مشكلة البطالة في مصر. ويزيد الأمر صعوبة أن هذه الكثرة العددية يصاحبها نقص الخبرة والمهارات. ولذلك فإن تأخر إلتحاقهم بالعمل وهم في هذه المرحلة المبكرة من حياتهم قد يضعف أو حتى قد يقضي على فرص عملهم في المستقبل لنقص أو إنعدام مهاراتهم وخبراتهم العملية. ولذلك فإن بطالة الشباب إذا استمرت عدة سنوات قد تصبح حكماً بالإعدام على مستقبلهم لعدم اكتسابهم المهارات اللازمة، وتتوالى الأجيال الجديدة، وتضيع الفرص، ربما إلى الأبد، لمن لم يلحق قطار التوظيف في الوقت المناسب. ولذلك فإن التدريب العملي واكتساب المهارات هما الضمان الحقيقي لفرص العمل في المستقبل.

ولعلنا في رغبتنا في الحديث وإقامة مراكز التدريب قد أهملنا، إلى حد بعيد، المدرسة الحقيقية والقديمة للتدريب الحقيقي واكتساب الخبرات. فنظام الحرف التقليدي القائم على فكرة “الصبي” و”المعلم” كان دائماً المفرخة الحقيقية لاكتساب الخبرات والمهارات وحرفة أهل الصنعة. وكلمة “معلم” لم تكن تطلق هباء، فهو “معلم” لأن مهنته الأساسية هي تعليم الصبيان وتهيئتهم لمعرفة فنون وأسرار الصنعة. وقد بدأت هذه التقاليد تتآكل ويهرب “المعلمون” من الاستمرار في مهمتهم بتعليم “الصبيان”، لأن الدولة قد اكتشفت الأدوات الحديثة للتدريب، بإنشاء المعاهد والمراكز، وتشييد المباني، وتزويدها بالأدوات الحديثة للمتلقين، مع طابور كبير من “الخبراء”، وطابور أكبر من الموظفين الذين يشرفون على إدارة هذه المراكز، ويعدون الموازنات التخطيطية، ويصدرون النشرات عن برامجهم التدريبية في هيكل إداري ضخم، المستفيد الأول فيه هو هؤلاء الخبراء والموظفين، والضحية الوحيدة هم هؤلاء المتدربين الذين، في غالب الأحوال، يتخرجون من الدورات التدريبية بلا عائد أو بعائد محدود من الخبرة ولكن مع شهادة رسمية. وليست هذه دعوة لإلغاء مراكز التدريب، وإن كان الأمر يحتاج، إلى إعادة تقييم لدورها. ولكن الغرض هو إعادة الإعتبار لمراكز التدريب الطبيعية التي أفرزها العمل من خلال إكتساب المهارات في أثناء العمل “on the job” وهو تدريب حقيقي في إطار من العمل الحقيقي في سوق الحياة، وليس مجرد تدريب مظهري يقوم على عدد ساعات المحاضرات الحضور والغياب. إن المصانع والمعامل والورش هي، قبل كل شيء، مصانع ومعامل وورش التدريب واكتساب الخبرات. والقائمون عليها هم “المعلمون والمدربون” الحقيقيون للأجيال الجديدة، وهم عندما يقومون بهذه المهمة فإنهم يقدمون خدمة مجانية للاقتصاد الوطني بخلق جيل جديد من العمالة المدربة الماهرة. وهم يستحقون بهذه الصفة، ربما أكثر من “خبراء” مراكز التدريب الحديثة، موازنات التدريب الكبيرة في ميزانية الحكومة. وهم يقومون بذلك بغريزة طبيعية وقلب مفتوح. فكيف تعاملهم الدولة؟ بدلاً من أن تشكرهم وتقدم لهم الدعم المادي والأدبي، فإنها تعاقبهم – بإسم حماية حقوق العمل – بفرض أعباء مالية باهظة فضلاً عن جزاءات وعقوبات إدارية عن طريق التأمينات الإجتماعية، أي أعباء مالية جديدة، ومخالفات إذا تبين أن أحدهم لم يسجل لدى التأمينات أعداد المتدربين لدى الورشة أو المعمل أو المصنع. العامل الجديد غير المدرب يحتاج إلى فترة قبل أن يصبح منتجاً وإضافة إنتاجية إلى المصنع أو الورشة. وهو في هذه الفترة عبء واستثمار للمستقبل. ولذلك فإن هناك منطقاً لإعفاء المشروعات من أعباء الإعانات الإجتماعية للعمال الجدد في مرحلة التدريب والتأهيل. وما تقوم به هذه المشروعات من توظيف لهم وتعليم وتدريب هو نوع من “الخدمة العامة” المجانية التي تقدم للمجتمع. ولذلك فإن إعفاء المشروعات والمعامل والورش من أعباء التأمينات الإجتماعية للعمالة الجديدة من النشىء غير المدرب ليس تمييزاً أو إعفاء بقدر ما هو إعتراف بما تقوم به هذه المدارس الطبيعية والتلقائية في خدمة التدريب والتأهيل واكتساب الخبرات. وهي خطوة قد تساعد على التخفيف من حدة مشكلة البطالة للشباب وتعطي حافزاً للتوظيف، أو بالأحرى، تدريب هذا النشىء في إطار من الجدية والصدق في إطار من العمل الحقيقي.

لقد أدى النظام الطبيعي إلى خلق مؤسسات إجتماعية تلقائية لخدمة المجتمع. فالأسرة وعاطفة الأمومة وهي ترعى النشىء تلقائياً بوازع من العاطفة الغريزية تقدم خدمة هائلة ومجانية للمجتمع بتربية ورعاية الصغار، وهي خدمة للمجتمع كما للأسرة. وبالمثل فإن المشروعات من ورش ومصانع ومعامل وهي تدرب العمالة الجديدة وتكسبهم المهارات، تقدم خدمة للمجتمع كما للمشروعات. ولعله من المناسب أن نهيء الفرص لهذه المشروعات لكي تقوم بهذه الخدمة الإجتماعية مجاناً بلا جزاءات أو تكاليف إضافية. ولعل إعفاء هذه المشروعات من أعباء التأمينات الإجتماعية لسنتين أو ثلاثة للعمالة الجديدة والشابة لمما يساعدها على القيام بهذه المهمة المطلوبة إجتماعياً. وقد سبق أن طرحت هذا الاقتراح في مقالات سابقة، ولكن لا بأس من التكرار، فإن التكرار يعلم الشطار. والله أعلم.

 الاهرام: 10.11.2002

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *