النيل ملكية مشتركة وليس سلعة خاصة

الله اعلم:

النيل ملكية مشتركة وليس سلعة خاصة

دكتور حازم الببلاوى

أثار إعلان حكومة أثيوبيا عن بناء سد النهضة على النيل الأزرق مخاوف المصريين على مستقبل حياتهم، فالنيل بالنسبة للمصريين هو شريان الحياة والعبث به هو تهديد لمستقبلهم. ولذلك فمن الطبيعى أن يتساءل المصريون عن مدى حقوقهم على هذا النهر العظيم، ومدى حقوق ومسئولية أثيوبيا بإعتبارها بلد المنبع للنيل الأزرق.

ونبدأ بالقول بأن النيل ليس سلعة خاصة يمكن إمتلاكها والتصرف فيها، فالنيل ليس منتجاً قام بتصنيعة البشر نتيجة لجهودهم وعرقهم، بل هو منحة من الطبيعة، وهو فى ذلك يتقارب مع الهواء. ومن هنا نتحدث دائماً عن نعمة الماء والهواء التى من بها الخالق على عباده. ونهر النيل، وكذا مختلف الأنهار، لا تتشابه مع المعادن أوالثروات المنجمية مثلاً. فهذه الثروات يحتاج الإنسان إلى بذل الجهد والعرق للحصول عليها، وأحياناً الدم حتى يستخرجها من باطن الأرض. فهى بشكل من الأشكال من إنتاج البشر، ولا يستطيع الإنسان الوصول إليها إلا بالعمل الشاق وبتطوير التكنولوجيا وإستخدام الآلات والمعدات. كذلك فإن هذه الثروات لا تكون عادة ظاهرة ومكشوفة، بل أنها تحتاج إلى تنقيب وبحث، وتعدد محاولات الكشف عنها وتحمل مخاطر الفشل. ومن هنا فإن هذه الثروات الطبيعية يمكن أن تكون محلاً للبيع والشراء، فوراءها عمل وجهد، وفشل ونجاح وإستثمارات وبحوث. وليس الأمر كذلك مع الأنهار، فهى كالهواء منحة خالصة من الخالق وليست محل ملكية نتصرف فيها كما نتصرف فى السلع بالبيع والشراء أوالمنح والمنع.

وكما إختار الخالق موضع سقوط الأمطار وبداية منابع الأنهار، ودون أى تدخل أو إختيار بشرى، فإنه أيضاً حدد مسار هذه الأنهار ومصباتها. فالأنهار نعمة من الخالق للبشر فى مساقطها عند المنبع، كما هى نعمة منه أيضاً فى مسارها حتى المصب. وليس لفرد أو لدولة أى فضل فى إختيار هذا أو ذاك، وللجميع نفس الحقوق والواجبات فى حماية النهر فى منبعه وفى مجراه. ونظراً لأن الأنهار تكون عادة صعبة المراس قرب المنبع مع تعدد فى المصادر، وتكون أكثر هدوءاً وإستقراراً قرب المصبات، فقد قامت الحضارات الأولى عند مصبات الأنهار وليس عند المنابع. ومن هنا ظهرت الزراعة، لأول مرة قبل حوالى عشرة آلاف سنة حيث قامت حضارتها الأولى عند مصبات نهرى دجلة والفرات مع سومر جنوب العراق، ثم فى مصر فى شمال وادى النيل. فالأنهار قرب المنابع تأتى من مصادر فرعية متنوعة وتكون عفية شديدة المراس، بعكسها قرب المنابع عندما تتجمع الروافد فى مسار واحد وتكون أكثر هدوءاً. ولذلك كان أقدم من إستخدام هذه الأنهار هم سكان دول المصب. فالمصريون هم أقدم من تعامل مع النيل. وأهل مصر، وقد جاءوا جميعاً من إفريقيا ـ الموطن الأول للإنسان المعاصر ـ ومنها خرجت المرأة الإفريقية التى تعتبر أم الجنس البشرى من مكان ما من الحدود الشرقية لمصر إلى آسيا وأوروبا. فمصر الإفريقية هى دولة الحضارة الأولى من إفريقيا، ومنها خرج آباء وأمهات الأجناس البشرية المعاصرة وذلك قبل حوالى مائة وأربعون ألف عام. وكان أول إستغلال منظم لنهر النيل هو فى مصر، وهى صاحبة أقدم تاريخ للتعامل معه.

ويتحدث الإقتصاديون المحدثون عن حماية الحقوق والمصالح للمجتمعات، من أمثلة الحق فى الأمن والسلام، والحق فى حماية البيئة وغيرها تحت مسمى “السلع العامة الدولية” Global Public Goods  فهذه حقوق للبشرية ولا يجوز لأحد العبث بها، وهى مسئولية جماعية. وجاء ميثاق الأمم المتحدة وحرم الحرب، بإعتبار أن السلام هو من “السلع العامة الدولية” التى يجب أن تلتزم بها كل الدول. وبالمثل، فإن حماية البيئة هى حماية للأجيال المستقبلة، وكل عبث بها يهدد الحياة البشرية. وقد جاء خطر إنتشار الأسلحة النووية، ليس فقط منعاً للحروب، وإنما أيضاً لما قد يترتب على عدم توافر الضمانات من أضرار بالبيئة. ويندرج تحت هذا المضمار حماية حرية الملاحة فى البحار والممرات البحرية. وبالمثل هناك ضرورة إحترام الحقوق والإلتزامات فى الأنهار الدولية. فالأنهار وكذا البحيرات كثيراً ما تتعلق بأكثر من دولة، وليس من حق دولة ـ بمفردها ـ أن تغير من أوضاع هذه الأنهار أو البحيرات دون تنسيق وتوافق مع الدول المشاركة فيها. وليس معنى ذلك إمتناع التعامل مع هذه الأمور، وإنما ضرورة تحقيق التوافق حولها ومراعاة ما قد يترتب عليها من أضرار لأطراف أخرى فى المستقبل. فالدول المحيطة أو المستفيدة منها هى شريك كامل ينبغى توافقه على أية تعديلات قد تؤثر على حياة ومستقبل أبنائه.

وكل ذلك لا يعنى عدم المساس بما هو قائم، فالتطوير دائماً مطلوب، وهناك دائماً إمكانيات متعددة لزيادة كفاءة إستخدام هذه الموارد المشتركة مع تقدم العلم والتكنولوجيا. ولكن هذا التطوير لا يمكن أن يتم بإرادة منفردة دون مراعاة ما يترتب على ذلك من آثار سلبية للشركاء الآخرين. فالمشاركة فى الأنهار تتضمن حقوقاً للأطراف المعينة كما تتطلب المسئولية بعدم إيذاء الآخرين. ودون ذلك نعود إلى قانون الغابة، وهو ما قد يعرض السلم العام للخطر.

وعندما يتعلق الأمر بإجراء تعديلات على مجرى النيل من أجل زيادة كفاءة إستخدامها فى المستقبل سواء لمزيد من الزراعة المروية أو لتوليد الطاقة، فكل هذا أمر مشروع ومطلوب. ولكن لابد من التوافق مع جميع المصالح. وفى أغلب الأحيان لا يوجد أسلوب واحد لتحسين إستغلال موارد النهر بل عادة ما تكون هناك بدائل متعددة تستجيب للعديد من المصالح المختلفة. فالمسألة ليست فى الإختيار بين التطوير وعدم التطوير، وإنما فى إختيار البديل الأنسب لتحقيق التوافق فى المصالح.

ولذلك فإن تطوير نهر النيل لتحقيق مصلحة أثيوبيا فى توليد مزيد من مصادر الطاقة، أمر لا غبار عليه وينبغى مناقشته والبحث عن أفضل الحلول وأقل الأضرار للأطراف الأخرى. وينبغى أن تناقش كافة الحلول المقترحة فى علانية، وإختيار البديل الذى يحقق أكثر مصلحة للجميع دون إخلال بمصالح أحد الأطراف. وهذا أمر مستقر فى الإتفاقات والمعاهدات الدولية، كما أن القواعد العامة للقانون الدولى لحسن الجوار تتطلب عدم الإضرار بالآخرين. فالجميع شركاء فى مركب واحد. وأخيراً فلا يكفى أن ننظر إلى المزايا المباشرة للمشروع بل هناك آثار جانبية غير مباشرة قد تكون بالغة الخطورة على المستقبل. فهناك آثار ممكنة على الجغرافيا والجيولوجيا مثل الزلازل، وهناك آثار محتملة على البيئة والحياة العضوية. وهذه كلها أمور لا يمكن أن تتم من جانب طرف واحد وفى سرية كاملة، بل لابد وأن تناقش جميع البدائل وإختيار ما يحقق أكبر نفع وأدنى خسارة. وكل هذا لا يتحقق بالتصرف السرى المنفرد، وإنما بالمشاركة الجادة والمسئولة. لابد من وضع كافة الدراسات تحت نظر ورقابة الدول المعنية فى شفافية كاملة، فالأمر متعلق بالحياة الجماعية لدول حوض النيل.

لقد قال هيرودوت منذ أكثر من ألفى عام أن مصر هى هبة النيل، وترتبط حياة المصريين، أى ما يقرب من تسعين مليون نسمة، بهذا النيل، وأى تعريض لحياة هؤلاء هو زعزعة للإستقرار والسلام الدوليين. ولابد أن يعالج الموقف بأكبر قدر من الحكمة، ولكن أيضاً بأكبر قدر من الحسم والصرامة.

تنمية أثيوبيا وتقدمها حق لها ونشاركها فيها، ولكن مستقبل الحياة فى مصر لا يقل أهمية أو خطورة. ولا يتوقف الأمر على العلاقة بين البلدين، بل ينبغى أن تطرح على الساحة الدولية، فليس لأحد مصلحة فى قيام نزاع إذا كان من الممكن علاجه بالحكمة، وهى مسئولية مصر وأثيوبيا، كما هى مسئولية العالم. والله أعلم.

 الاهرام17 يونيو2013

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *