انتعاش البورصة المصرية

بمناسبة انتهاء العام وبداية سنة جديدة، تناولت الصحف قائمة إنجازات الحكومة وخاصة في المجال الاقتصادي والمالي. وتصدرت هذه الإنجازات ما حققته البورصة المصرية من نشاط كبير خلال العام 2005 مما جعلها في مقدمة بورصات العالم من حيث معدل النمو. ونظراً لأن أسلوب قياس مؤشر النمو يختلف بين مصدر وآخر، فقد جاء نمو البورصة المصرية متراوحاً بين 120% (وفقاً لمؤشر صندوق النقد العربي) وأكثر من 155% (وفقاً لمؤشر استاندرد اند بول)، وهي – على أي الأحوال – معدلات تضعها في أعلى مستوى في العالم سواء فيما بين الدول المتقدمة أو الأسواق الناشئة أو في أسواق الدول النفطية. ورغم أن عدد الشركات المقيدة في البورصة المصرية قد انخفض بحوالي خمسين شركة من 795 إلى 744 شركة خلال عام 2005 إلا أن القيمة السوقية لرؤوس أموالها قد ارتفعت إلى الضعف (95%) نتيجة لارتفاع أسعار الأسهم.

ولست أدعي أنني متخصص بوجه خاص في الأسواق المالية فضلاً عن أني لا أتابع تطورات السوق المصرية إلا إلماماً من خلال ما أقرأه بين الحين والآخر في الصحافة. وقد طلب مني بعض الأصدقاء إبداء رأيي في هذه الظاهرة الجديدة، فحاولت تجميع بعض المعلومات المتاحة عن أوضاع البورصة المصرية مع استرجاع الذاكرة لبعض التطورات المعروفة في تاريخ الفكر الاقتصادي، عسى أن تنفع الذكرى، نظراً لأنه من المعروف أن ذاكرة الأسواق المالية ذاكرة قصيرة وخاصة في لحظات الانتعاش والازدهار.

ونبدأ بالتقرير بأن انتعاش البورصة وزيادة الإقبال عليها وارتفاع الأسعار إنما يمثّل علامة صحة وبوجه خاص يعتبر ذلك دلالة على زيادة الثقة في الاقتصاد وفي المستقبل. وإذا تذكرنا أن أشد ما أصاب الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة كان تراجع الثقة فيه سواء من رأس المال الوطني أو الأجنبي، ولذلك فإن عودة الروح إلى سوق الأوراق المالية وبهذه القوة إنما يعني استعادة الثقة وترسخها لدى المستثمرين وبوجه خاص من الأجانب، ويتأكد ذلك من زيادة معدل

التوظيفات الأجنبية خلال العام من 27% إلى 30% وذلك رغم ارتفاع حجم السوق. وبطبيعة الأحوال ساعد على ذلك ليس فقط استقرار أسعار الصرف للجنيه المصري بل تحسن وضعه إزاء الدولار واختفاء السوق السوداء فضلاً عن بداية انخفاض أسعار الفائدة (المرتفعة)، ثمّ ارتفاع معدل نمو الاقتصاد الوطني إلى حوالي 5% بعد أن كان معدل النمو متواضعاً في بداية الألفية الثالثة (أقل من 2%). كذلك فإنه من الطبيعي أن تكون إجراءات السياسة الاقتصادية الجديدة قد ساعدت على إعطاء المؤشرات المطمئنة لرجال الأعمال.

ولكل هذا فإنه من الطبيعي أن نسعد وأن نعتز بهذا الإنجاز، ليس فقط لما يمثله من نمو وتوسع بل لأنه يؤكد وجود سوق مالية تبشر بالخير. فمن المعروف أنه لا يمكن تحقيق أي تقدم اقتصادي مستمر ومطرد دون وجود سوق مالية قوية ومتطورة وسليمة. كل هذا صحيح، ولكن هل هناك محاذير؟

وأود أن أؤكد على لكن، فالحذر واجب. حقاً، الثقة ضرورية والتفاؤل مطلوب. ولكن الإفراط في الثقة والمبالغة في التفاؤل قد تساعد على المضاربة، والمضاربة تفسد الأسواق إذا أصبحت جوهر النشاط الاقتصادي. ليس معنى ذلك أن المضاربة دائماً شر مطلق، فقليل من المضاربة قد يفيد، ولكن تحول السوق إلى مضاربة وغلبتها على المعاملات هو شر مستطير. فالمضاربة كالملح، قليل منه قد لا يفسد الطعام، وبالقطع فإن الإكثار منه بالغ الضرر والخطورة. ولنتذكر ماذا تقول لنا مبادئ الاقتصاد وما يمكن أن نتعلمه من خبرة التاريخ.

ذكر كينز الاقتصادي الإنجليزي المعروف – وهو بالمناسبة، مضارب بارع ويشترك في هذا مع سلفه الاقتصادي الآخر المعروف أيضاً ريكاردو – أن أسعار الأوراق المالية يمكن أن تتحدد بأحد طريقتين؛ الأولى هي أن يتحدد ثمن الورقة المالية (سهماً كان أو سنداً) وفقاً لما تغله من عائد سنوي. فكلما زاد العائد السنوي زيادة القيمة والعكس بالعكس. ومن هنا أهمية ما يعرف في أوساط المتعاملين في أسواق الأوراق المالية بنسبة الثمن/العائد (وهي العلاقة المعروفة P/E). فالورقة المالية هي نوع من الاستثمار المالي (التوظيف) يقصد منه الحصول على عائد. ولكنه أشار إلى أن طريقة أخرى في تحديد أسعار الأوراق المالية وهي طريقة لا تبالي كثيراً بالعائد وإنما تعتمد على توقعات المتعاملين وإحساسهم بالسوق وليس على العوائد المتوقعة فالعبرة هي بمدى رؤية السوق لمستقبل أسعار الورقة. فإذا ساد الشعور بأن هناك طلباً – لأي سبب – على الورقة، وبالتالي احتمال ارتفاع سعرها، فإن الأفراد يشترون هذه الورقة مما يؤدي إلى رفع سعرها بالفعل. وفي مثل هذه الحالة، يعتبر المستثمر “مضارباً”، فهو لا يشتري الورقة كتوظيف مالي يغل عائداً، وإنما يشتريها كمضاربة لإعادة بيعها بسعر أكبر وتحقيق الربح نتيجة لفروق الأسعار بين الشراء والبيع. وقد يبدو أن هذه الحالة تمثّل خروجاً على المبادئ العامة في الاقتصاد القائلة بأن ارتفاع الثمن يؤدي إلى انخفاض الطلب. فهنا ترتفع الأسعار وتستمر الزيادة في الطلب. كيف؟ ليس هناك خروج على القاعدة، فالثمن الذي ينظر إليه المشتري ليس هو الثمن السائد في السوق، ولكنه الثمن المتوقع في المستقبل. فرغم ارتفاع ثمن الورقة في السوق بالنسبة للماضي، فإن هذا الثمن هو أقل من الثمن المتوقع في المستقبل. ولذلك فإن ثمن الورقة يبدو رخيصاً بالنسبة إلى المستقبل.

وفي مثل هذه الأحوال، تخرج السوق عن طبيعتها لتصبح مجرد مضاربة أو حتى مقامرة وتنبئ بأزمات كبيرة في المستقبل. فهذا الارتفاع المستمر وغير المبرر لابد له وأن يتوقف ويعود إلى أدراجه. والأمثلة على ذلك كثيرة وصارخة. وجنون الأسعار قد يتعلق بأوراق مالية أو بعقارات أو بالذهب أو بأعمال فنية أو حتى بأزهار ونباتات. ولعل أشهر الأحداث المعروفة تاريخياً ما حدث في هولندا في القرن السابع عشر. وكانت هولندا قد عرفت قبل غيرها أسواقاً مالية أكثر تطوراً وكان بنك أمستردام هو أول بنك يصدر أوراق بنكنوت. وفي عام 1630 قامت صرعة لارتفاع أسعار أزهار التيوليب، وهي زهرة جميلة كانت تستورد من الشرق. ثم بدأت أسعارها ترتفع بشكل مذهل، وتدافع الناس على المزايدة على الشراء مما أدى إلى ارتفاع في أسعارها بشكل مبالغ فيه، وتدفقت الأموال من خارج هولندا للإفادة من هذا الكنز الجديد للإثراء السريع. وقد وقعت الواقعة في 1637 وانهارت الأسعار تماماً. وبعد ذلك جاء اسكتلندي (جون لو Law) إلى فرنسا في 1716 بعد وفاة لويس الرابع عشر وعرض على الوصي على عرش لويس الخامس عشر إنشاء بنك جديد (Banque Royale) وشركة للبحث عن الذهب في لويزيانا. وقام البنك بشراء ديون الحكومة مقابل سندات وكان يطمع في سدادها من أرباح الشركة التي أنشأتها للبحث عن الذهب، وارتفعت أسعار أسهم الشركة وتدافع الناس للحصول عليها وأصبحت مصدر الثراء السريع، ولكن الشركة لم تجد أي ذهب – في لويزيانا أو في غيرها – حتى أفلست. وتكررت العملية في إنجلترا فيما عرف بشركة سوث سي (South See) في نفس الوقت تقريباً. فالتاريخ مليء بالأمثلة عن جنون الأسعار.

وفي السنوات الأخيرة عرف العالم عدة أزمات من هذا النوع لعل أحدثها كان الأزمة المالية لدول جنوب شرق آسيا 1997، عندما انفجرت فقاعة مالية نتيجة لارتفاع أسعار الأوراق المالية والعقارات في هذه الدول، حيث تدافعت البنوك الأجنبية والمستثمرون الأجانب إلى جانب المواطنين على التوظيف المالي في هذه “الجنة” من الأسواق الناشئة والتي عرفت موجة من الارتفاع المستمر لأسعار الأوراق المالية. وبعد فترة شعرت البنوك الأجنبية بأن الأمر قد جاوز الحد فحاولت الانسحاب والخروج من السوق، مما أدى إلى انهيار العملة في تايلاند، ثم انتقلت العدوى إلى دول الجوار، وتفاقمت أزمة البنوك التي توسعت في الإقراض بضمان أصول اتضح أنها متضخمة اصطناعياً. فاهتزت بالبنوك نفسها وتعثرت مديونياتها، وكاد العالم يقع في أزمة مالية عامة. كذلك ليس بعيداً عما تقدّم ما حدث في سوق النازداك لأسهم شركات التكنولوجيا في أمريكا والتي عرفت جموحاً في النمو وارتفعت فيها الأسعار بشكل مبالغ فيه وصفها جرين اسبان – محافظ البنك المركزي– بأنها مفرطة في الازدهار (exuberant). وكانت الأصوات بدأت تنظر للوضع الجديد بالقول بأن هذه القطاعات تمثّل “الاقتصاد الجديد” الذي لا يخضع لقواعد “الاقتصاد القديم”. وفي مارس 2001 بدأ انهيار أسعار النازداك وتبخر ما بين ثلثي ونصف قيمة الأسهم، وسقط معها مفهوم “الاقتصاد الجديد” حيث اتضح أن الاقتصاد واحد، وليس هناك “جديد أو قديم”. وبعد مرور خمسة سنوات لم تسترجع السوق حتى الآن نصف قيمتها السابقة.

وعلينا أن نتساءل، وما عيب فورة الأسواق المالية؟ فالأسعار ترتفع والبائع سعيد بما حققه من أرباح والمشتري ليس أقل سعادة لما يتوقعه من أرباح قادمة. فما العيب؟

العيب الأساسي هو أن هذه ظاهرة شاذة وغير طبيعية – فمهما طالت – فلابد لها أن تصحح وتعود الأسعار إلى ما يجب أن تكون عليه. وعندما تنهار الأسعار بعد ارتفاع، فإن ذلك يهدم أشياء كثيرة ليس أقلها “الثقة”. والثقة هي أساس استقرار الاقتصاد. وبشكل عام الأوراق المالية هي تعبير عن حقائق اقتصاد العيني من مصانع أو مزارع أو تجارة أو عقارات، ولا يمكن أن تنفصل كلية عن الأداء الاقتصادي لهذه الأصول العينية. حقاً أنه يمكن أن تبتعد عنه إلى حين، ولكنها لابد وأن تعود. فكما الجاذبية تجذب الأجسام الطائرة مهما علت، فالقيمة المالية لا يمكن أن تهرب من الأداء الاقتصادي العيني الذي تمثّله. و”رأس المال” لا قيمة ولا معنى له فيما جاوز ما يدره من عائد، ولابد أن تقوم علاقة بين سعر الورقة والعائد عليها. كذلك فإن استمرار ارتفاع الأسعار يتطلب زيادة مستمرة في السيولة والنقود لمواجهة عمليات الشراء المستمرة، وهو أمر لابد أن يأتي – آجلاً وعاجلاً – إلى نهايته. وكان الكويتيون قد اخترعوا أسلوباً عبقرياً للزيادة في السيولة بشكل مستمر وبعيداً عن السلطات النقدية، وذلك عن طريق ما عرف – أثناء أزمة المناخ المشهورة – بالشيكات الآجلة. فالمشتري لا يدفع نقداً وإنما يصدر شيكاً – آجلاً – على نفسه، وعند موعد السداد فإنه يصدر شيكاً آخر بقيمة أكبر بدلاً من الوفاء بالشيك القديم. وتستمر الشيكات في التداول بقيم متزايدة باستمرار. وبذا أصبح كل متعامل في السوق “بنكاً مركزياً” خاصاً يصدر نقوده الخاصة ويسوى معاملاته بهذه الشيكات الآجلة والتي لا تستوفي أبداً. ولكن كل ذلك لم يمنع ذلك من انهيار أسعار البورصة في الكويت في 1983.

والسؤال أين نحن في مصر، هل ارتفاع أسعار البورصة تعبير عن نمو طبيعي أم هو بداية للمضاربة، وبالتالي مشروع فقاعة مآلها إلى الانفجار؟

السؤال هو إلى أي حد تعتبر الأسعار الحالية تعبيراً عن “القيمة الحقيقية” للأوراق المالية. هذا سؤال صعب لا يسهل الإجابة عليه. فالبيانات ليست فقط غير موجودة أو غير كاملة، ولكنها – حتى في حالة وجودها – تعبر عن أوضاع ماضيه والعبرة هي بالمستقبل والتوقع. ومع ذلك يمكن الاسترشاد بأمرين، الأول هو معدل النمو في الاقتصاد القومي بصفة عامة، والثاني هو شكل الأداء لكل شركة كما تظهره الإيرادات أو الأرباح المتحققة. وبالنسبة لأداء الاقتصاد القومي فقد تراوح بين 2.5-3.5% خلال السنوات الثلاث السابقة وارتفع إلى حوالي 5% في السنة الأخيرة. وبالنسبة للأداء الاقتصادي للشركات وعلاقة ذلك بأثمان أسهمها فيمكن القول بصفة عامة أن ثمناً في حدود 20 ضعفاً للإيرادات يمكن أن يكون ثمناً معقولاً للورقة، أي بواقع عائد 5% في السنة. ولا توجد – حسب علمي – بيانات رسمية عن هذا الأمر وتنشر بعض البيوت المالية تقديرات لها وهي تزيد كثيراً عن هذا المعدل. فهي تقدر عند البعض (Beltone) بما يجاوز أربعين ضعفاً، وتقدرها مؤسسات أخرى – مثل مجموعة القاهرة- بحوالي 27 ضعفاً. وهناك بعض الأسهم أو بعض القطاعات التي جاوز سعرها أكثر من هذه النسبة بكثير.

انتعاش الأسواق أمر طيب، ولكن الطيش والاندفاع – في أي شيء بما في ذلك أسعار البورصة – قد لا تحمد عواقبه.   والله أعلم

الأهرام: 22.1.2006                                                                      

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *