انطباعات سودانية

تعقد مؤسسات التمويل العربية (الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي وصندوق النقد العربي والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار والهيئة العربية للاستثمار الزراعي والمصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا) اجتماعاتها السنوية في إحدى الدول العربية لمناقشة ميزانيات وأنشطة هذه المؤسسات. وقد عقدت اجتماعات هذه السنة في الخرطوم. وعادةً ما تكون هذه الاجتماعات مناسبة للقاءات بين عدد كبير من المسئولين العرب عن السياسات الاقتصادية والمالية، حيث تضم وزراء المالية والاقتصاد ومحافظي البنوك المركزية. وإذا كانت هذه الاجتماعات تختصر ليوم واحد ـ بالنظر إلى انشغالات معظم المشاركين فيها ـ فإن ذلك لايمنع من أن تكون فرصة لتبادل الآراء والانطباعات والتوقعات خارج الاجتماعات الرسمية، خاصة في الدهاليز والردهات وعلى موائد الطعام.

 

 أما الاجتماعات الرسمية فإنها تكون ـ عادةً ـ شكلية وقراراتها معدة سلفاً. وتظل الأحاديث الجانبية واللقاءات الشخصية هي الأكثر أهمية وصدقاً. وقد أضيف إلى هذه الاجتماعات هذه السنة، “اجتماع لوزراء المالية العرب”. ولم يحضر وزير المالية المصري هذا الاجتماع الأخير ـ ولم يعتذر اكتفاء بعدم الرد على خطاب الدعوة الموجة له.

 

وليس الغرض من هذه المقالة مناقشة ما جاء في هذه الاجتماعات الرسمية، فهو أمر تناولته الصحف في تغطيتها للأحداث الاقتصادية العربية، ولكني أردت الحديث عن شيء آخر متعلق بزياراتي السودانية. فليست هذه المرة الأولى التي أزور فيها السودان، فقد كنت أزورها بشكل متكرر في السبعينات من القرن الماضي عندما كنت أعمل في الصندوق العربي، حيث كنت مسئولاً عن متابعة السودان، وبالتالي تكررت زياراتي لهذا البلد في تلك الفترة. وكانت آخر زيارة لي في 1976، وها أنا أعود بعد أكثر من ثلث قرن، وبالتالي فمن الطبيعي أن يثير ذلك ـ في نفسي ـ ذكريات هذا الزمن الغارب.

بعد وصولنا هذه المرة إلى الخرطوم نزلنا في فندق حديث (“روتانا” القريب من المطار)، وهو بالتالي بعيد نسبياً عن وسط المدينة. وكنت أنزل في الماضي في فندق “جراند أوتيل” وأحياناً في “فندق السودان” والمطلان على كورنيش النيل. وفندق “روتانا” هو أحد سلسلة الفنادق الحديثة التي تقيمها شركة خليجية (الإمارات) في العديد من الدول العربية، وبالتالي هناك تناقض كامل في الشكل بينها وبين فنادق الخرطوم القديمة، وخاصة “جراند أوتيل”. ففندق “روتانا” الخرطوم فندق حديث تماماً، أقيم في منطقة جديدة في وسط صحراوي على حواف المدينة، وتكاد تعتقد أنك في إحدى مدن الخليج وليس في “وادي النيل”، وإن كانت مظاهر الفقر بادية على الوسط المحيط بالفندق. فالشوارع واسعة حقاً، ولكنها متربة وتكاد تكون خالية الخضرة والحدائق على عكس ما أصبح عليه الحال في معظم الطرق في دول الخليج. والسيارات كثيرة ولكنها ليست كبيرة ولا حديثة، وهناك عدد لابأس به من المركبات الصغيرة التي يطلق عليها عندنا “التوك توك”، ويطلق عليها في الخرطوم اسم “الركشة”. وهكذا تجد نفسك في جو غريب، هو خليط بين وادي النيل ومدن الخليج والمدن الهندية مع تزايد في المطاعم الصينية. صحراء وشوارع واسعة، وزحام شديد وغبار غير قليل، وسيارات كثيرة صغيرة وقديمة وميكروباصات وركشة ودراجات بخارية، ومباني فقيرة إلى جوار مباني حديثة ومولات Malls أيضاً. وهناك إعلانات ضخمة لمختلف الأطعمة والمشروبات الغازية وخصوصاً إعلان المشروب شامبيون. ونظراً لأننا وصلنا قبل إجراء الانتخابات بأيام، فهناك أيضاً صور ضخمة للمرشحين، يغلب عليها صور المشير عمر البشير في زيه الوطني تارة، وباللباس العسكري تارة أخرى، وفي ملابس أهل الجنوب مع عمامة كبيرة من ريش النعام وحربة في يده تارة ثالثة.

 

وبطبيعة الأحوال، وجدت نفسي غريباً في هذا المكان بالمقارنة “بالخرطوم” التي كنت أعرفها قبل نيف وثلاثين عاماً، فطلبت من السائق ـ استعادة للذكرى ـ أن يذهب بي إلى وسط الخرطوم والكورنيش لرؤية فندق “جراند أوتيل”. وهو في ذاكرتي نسخة من فندق “الكتراكت” في أسوان، فالمعمار امبريالي، بأعمدته الكبيرة مع شرفة واسعة تطل على طريق الكورنيش الذي تظلله الأشجار الضخمة (شجر اللبخ)، وذلك في شكل قريب عما كان عليه شارع الجبلاية في الزمالك في القاهرة. وبالفعل قادني السائق في المساء إلى فندق “الجراند أوتيل”. وبدأنا نقترب من الخرطوم القديمة وبدأت مظاهر الخضرة تعود، وعدنا من جديد إلى “وادي النيل”، وإن كانت إضاءة الطرق خافتة لاتظهر روعة النيل وطريق الكورنيش. ومررنا ونحن بطريق الكورنيش بقصر منيف تحيطه حدائق كبيرة وجميلة، عرفت أنها مقر رئيس الجمهورية، ثم وصلنا إلى فندق “جراند أوتيل” الذي أصبح اسمه “جراند هوليدي”. فطلبت من السائق الوقوف، ونزلت ودخلت إلى الفندق، وكانت ملاحظتي الأولى هي أن الشرفة القديمة الواسعة للفندق والتي كنا نجلس فيها نتناول عصير الليمون المثلج، تكاد تكون قد اختفت تماما حيث شق في منتصفها طريق يمكن السيارات من السير حتى مدخل الفندق مباشرة، وبذلك فقد الفندق هذه الشرفة الجميلة. وعلى الجانب الآخر من الشرفة ووراء سور قصير، رأيت  طابوراً من “الأراجيل” (الشيشة) مع بعض الموائد والكراسي في انتظار حضور جمهور الشيشة ـ فيما يبدو. ولم يكن هناك ـ على أي الأحوال ـ أي نزيل أو زبون، وربما كان الوقت مبكراً (حوالي السابعة مساءً). ودخلت الفندق بأبوابه الكبيرة والعملاقة والعتيقة وتجولت في القاعات، وهي بنفس الأثاث القديم  وإن كان مجدداً، ولمحت قاعة تشرشل مروراً بقاعة الطعام، وهي تكاد تكون خالية إلا من شخص واحد. ونظرت حولي فوجدت نفس الإطار العتيق محدثاً وإن كان خالياً من الزبائن، فهو أشبه بالعجوز التي كانت جميلة في الزمن الغابر وقد انفض من حولها المعجبون، وهي تريد أن تستعيد جمالها بعمليات التجميل وشد الجلد، ولكن هيهات! فأسرعت بالخروج، للانتقال إلى “فندق السودان” المجاور، وكان قد شيد إلى جوار “الجراند أوتيل”. وبالفعل انتقلنا عدة خطوات لنصل إلى “فندق السودان”. وكان هذا الفندق قد بني ـ على طراز حديث نسبياً ـ إلى جوار “الجراند أوتيل” العتيق. ووجدت “فندق السودان”  ـ وعليه مسحة من الحزن ـ شبه مغلق باستثناء فتحة صغيرة إلى جوار الباب الرئيسي، فدلفت منها إلى الحارس متسائلاً عما إذا كان يمكن الدخول، فأفادني بأن الفندق مخصص للشركات الصينية، ورأيت من خلال باب الشرفة ما يشبه قاعة الطعام وبها أشكال من الإضاءة الحمراء المعروفة في المطاعم الصينية. وأفادني الحارس أن الدخول ممنوع لغير الرواد من هذه الشركات الصينية.

 

وعدت إلى السيارة وطلبت من السائق المرور على فندق الهيلتون، وكان قد بني في أواخر السبعينات في موقع فريدعلى مدخل التقاء النيلين الأبيض والأزرق، وهو ليس بعيداً عن “الجراند أوتيل”، وقد تغير اسمه إلى فندق “الكورال”، وبدت عليه هو الآخر مظاهر الهرم والشحوب. وفي الطريق إلى فندق الكورال مررنا ببناء ضخم اسمه “الفاتح”، أقامته بعض الشركات الاستثمارية الليبية. والمبنى ضخم وحديث وبه أحد المولات، ولكنه يبدو غريباً في طرازه ومعماره بالمقارنة مع بقايا المباني والمنشآت المجاورة التي أقيمت في عهد الاستعمار البريطاني في شكل فيلات صغيرة تحيطها الأشجار. وبعدها عدت أدراجي إلى فندق “روتانا” للراحة. وقد اكتشفت أن ثلاثين عاماً لايمكن تجاهلها، وفي نفس اللحظة لمحت صورتي في المرآة، فتأكدت أن ما أصاب الخرطوم من تجاعيد إنما هو جزء من حكم الزمان.

 

وفي اليوم الأخير لهذه الاجتماعات أعدت الحكومة السودانية برنامجاً للمشاركين لافتتاح سد مروي، وهو أحد أكبر السدود المقامة على النيل وذلك بتمويل اشتركت فيه معظم الصناديق العربية والبنك الدولي. ولم أشارك في هذه الرحلة، ولكني رأيت الصور التي التقطها أحد الزملاء لهذا المشروع الكبير. وهو ليس سداً لتخزين المياه أو لتوليد الكهرباء فقط، ولكنه مشروع للتنمية البشرية المتكاملة، وبه قرية سياحية ومتحف للآثار القديمة، وأغلبها آثار فرعونية، وهناك بالقرب من السد أهرامات قديمة من العصور الفرعونية.

 

 السودان ليس الخرطوم، وزيارة أربعة أيام في فندق روتانا ليس كافياً لإلقاء الأحكام. فالسودان هو أكبر بلد في أفريقيا، وهو أيضاً شديد التنوع في الطبيعة كما في البشر. فإلى جانب الشمال الأكثر صحراوية هناك الجنوب الأكثر خضرة، كما أن شرق السودان ليس كغربه، بل أن النيل نفسه ـ وهو أطول أنهار العالم ـ يكاد يمر من خلال مساره بكل مراحل العمر. فقد رأيته ـ في رحلاتي السابقة ـ عند بحر الجبل قرب جوبا في الجنوب، فإذا به شاب مندفع يتدفق في قوة وعنفوان ثم يبدأ في الهدوء تدريجياً إلى أن يصل إلى قمة النضج والحكمة في مصر في انسياب عاقل ورزين. السودان بلد غني بموارده وطاقاته وإن أنهكته المشاكل والخلافات.

 

 وهكذا يبدو السودان في مفترق طرق بعد أن خرج من ربقة الاستعمار البريطاني واستفاد من الاستثمارات الخليجية والصينية في ظل المقاطعة الأمريكية، وانخرط لسنوات طويلة في نزاعات محلية وحزبية وإقليمية، وهو يتطلع الآن للمستقبل ويجري انتخابات، وبعدها بقليل استفتاء لتقرير مصير الجنوب في ظل أوضاع محلية متوترة في دارفور وضغوط خارجية متعددة، وندعو له بالنجاح والتوفيق. وكانت زيارتي خلال هذه الأيام الأربعة استعادة لذكريات قديمة سطرت بعضها في هذه المقالة، واحتفظت بالباقي لنفسي. وهكذا تستمر الحياة تاركة بصماتها على الناس والجماد، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا. والله أعلم .

 

 الأهرام: 25 مارس 2010

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *