انهم يقرأون .. ونحن لا نكتب

كنت في رحلة عمل إلى بازل في سويسرا، وفي طريق عودتي توقفت في باريس وذهبت أتجول في المكتبات بحثاً عن الجديد. واسترعى انتباهي كثرة الكتب الجديدة المعروضة عن بن لادن وأفغانستان والإسلام. ولا يقل أهمية عن ذلك عدد الكتب الجديدة الصادرة لمخاطبة الرأي العام للتعريف عن مواقف إسرائيل ووجهة نظرها في الصراع العربي – الإسرائيلي. ويكفي أن أسرد بعض العناوين التي كانت معروضة في هذا الموضوع في المكتبات الفرنسية.

هناك أولاً كتاب وزير خارجية إسرائيل في حكومة بارك شالوم بن عامي عن “أي مستقبل لإسرائيل” وهو حوار بينه وبين عدد من الصحفيين يتناول فيه أهم القضايا التي تشغل الرأي العام بدءاً من الحديث عن “مشروعية إسرائيل” وانتهاء ببيان “السلام” الذي عرضه بارك على عرفات ورفضه هذا الأخير. وهناك كتاب شارل أندرلان عن “السلام والحروب، “أسرار المفاوضات الإسرائيلية العربية”، وإلى جانب هذا وذاك هناك كتاب “أقوال إسرائيلية” لوالدن وكتاب رابع عن “إسرائيل وفلسطين” لجريش، وخامس بعنوان “هل هناك مستقبل لليهود” لبنبيسيا، وربما هناك كتب أخرى لم تقع عيني عليها وما رأيته في المكتبات الفرنسية ليس إلا مثالاً لما يوجد في مكتبات إنجلترا وأمريكا وألمانيا وغيرها. وفي مقابل هذا الطوفان من الكتابات الإسرائيلية أو المؤيدة لوجهة نظرهم فيم أر فيما هو معروض من كتب للقارئ الفرنسي ما يمكن أن يدافع عن وجهة النظرية العربية أو حتى يعطي صورة إيجابية عن العرب أو المصريين، ربما الاستثناء الوحيد هو كتابات من الأوروبيين أنفسهم عن مصر أو المصريين مثل كتاب روبير سوليه “قاموس الحب لمصر” أو قصص كريستيان جاك الذي يكتب قصص مغامرات مستقاة من الحضارة المصرية القديم وتأثيرها في الشعب الفرنسي ما فاق كل ما تفعله وزارات السياحة والثقافة والخارجية مجتمعة في الدعوة لحب مصر.

عندما نتحدث عن “الغرب” كثيراً ما نعجب من انحياز الحكومات ضد الحقوق العربية التي تبدو لنا واضحة فضلا عن أنها عادلة. وننسب هذا الانحياز إلى سوء النية أحياناً والنفاق وازدواج المعايير أحياناً أخرى. وقد يكون هذا وذاك صحيحاً جزئياً، ولكن الذي لا يقل عن ذلك أهمية هو أننا نتعامل مع ديمقراطية، للرأي العام فيها شأن كبير، ومن يكسب الرأي العام يكسب مواقف الحكومات أيضاً. فنتحدث كثيراً عن تضليل الرأي العام الإعلام أو المال، ونزعم أن أدوات الإعلام ومراكز المال توجد في أيدي أعداء العرب، ومن هنا الحملة غير العادلة ضد حقوقنا. ولكننا ننسى أن المسألة ليست فقط ملكية أدوات الإعلام أو السيطرة على مراكز المال، فهناك جهد كبير وراء ذلك. مهما تعددت الصحف أو دور النشر المملوكة أو المنحازة ضد المواقف العربية، فإنها لن تنجح في التأثير على الرأي العام ما لم توجد وراءها حركة فكرية وثقافية تستطيع أن تغذي اتجاه الرأي العام بدراسات وأبحاث جادة ومبتكرة. هناك عشرات – وربما مئات – المؤرخين والفلاسفة الذين ينقبون في الأراشيف ويبحثون عن تفاصيل الوقائع التاريخية ويصوغون النظريات لتقديم قصة إسرائيلية مقبولة للرأي العام. وبقدر ما كان نجاح الإسرائيليين واليهود في هذا الصدد باهراً بقدر ما كان فشل العرب مزرياً.

إن الإشارة إلى كل ما تقدم مثال على أسلوب إسرائيل واليهود عامة في التعامل مع الغرب والمسيحية. فتاريخ “الغرب” منذ ألفي عام هو بشكل عام تاريخ اضطهاد اليهود باستثناء فترات متقطعة هنا وهناك أتيح لهم فيها بعض الحرية في بعض الأماكن وفي بعض الأوقات. وباستثناء هذه اللحظات المتفرقة فقد كان تاريخ اليهود خلال الألفي عام الماضية “تاريخ المسيحية” هو تاريخ الاضطهاد والطرد والتمييز العنصري. فمنذ بداية المسيحية كان اليهود ضحية كل اضطهاد. فعندما ثارت بعض الغوغاء وأحرقت روما في عصر نيرون عام 64 ميلادية لم يجد كبش فداء لإلصاق التهمة بهم سوى اليهود – ولم تكن المسيحية قد تميزت بعد عن اليهودية. وبعدها بسنوات قام الإمبراطور الروماني فسبسيان ثم ابنه تيتيوس بالقضاء على أورشليم وهدم المعبد وإخراج اليهود منها وغير اسمها. وجاءت تعاليم القديس بولس لقطع الصلة بين المسيحية واليهودية وتأكيد أن رسالة السيد المسيح قد جاءت لتحل محل العهد القديم وأصبح صلب السيد المسيح بضغط من كبار الأحبار اليهود هو رمز المسيحية مع الصليب. وظل اضطهاد اليهود قاسماً مشتركاً لباباوات الكنيسة الكاثوليكية في روما. وعندما دعا البابا أوربان الثاني للحرب الصليبية واستعادة الأراضي المقدسة في عام 1095 فإن دعوته لم تؤد فقط إلى تجييش الجيوش للزحف على فلسطين بقدر ما أثارت موجة من عمليات الإبادة لليهود في معظم الدول الأوربية، وكان بطرس الناسك في استجابته لدعوة الباب أربان قد حشد وراءه جموعاً من الغوغاء يتنقلون من مدينة إلى أخرى في أوروبا. وكان قتل وحرق وتعذيب اليهود في مختلف هذه البلدان هو النشاط اليومي لهذا الزحف. ولم تقتصر مآسي اليهود على ما عانوه أيام الحرب الصليبية بل كانت مأساتهم الأكبر عندما طرد آخر ملوك المسلمين من غرناطة في الأندلس 1492، إذ خير اليهود – وكانوا يعيشون فترة ازدهارهم في ظل دولة الأندلس المسلمة – خيروا بين اعتناق المسيحية أو الطرد. ولم يلبث قرار طرد اليهود من إسبانيا أن لحقه طردهم من البرتغال 1495 عندما تزوج مانويل الأول ابنة فردناند وإزابيلا ملوك آراجون وكاستيل (إسبانيا) فأصدر قراراً بطرد اليهود من البرتغال تشبهاً بأنسبائه الجدد. ولم تلبث أن تعددت قرارات طرد اليهود من معظم الدول الأوروبية في إنجلترا وفرنسا وروسيا وبولندة ودويلات ألمانيا. وعندما قام مارتن لوثر بمعارضة الكنيسة الكاثوليكية بتعليق أسئلته على باب كنيسة وتنبرج 1517 بما أدى إلى قيام البروتستانتية، فإنه لم يلبث أن نشر كتاباً عن “اليهود وأكاذيبهم” وتستمر علميات الاضطهاد لليهود خلال القرون التالية ويضطرون إلى العيش في “الجيتو” وتحرص كنيسة روما على إبقائهم في هذا “الجيتو” حتى أنه بعد تحريرهم في روما بجيوش نابليون عام 1796، فإن البابا بيوس السابع لم يلبث أن أعادهم إلى “الجيتو” من جديد بعد هزيمة نابليون. وتحسنت أحوال اليهود نسبياً مع الثورة الفرنسية ونابليون وإن ظل وضعهم مهدداً دائماً وهامشياً مع ردات من آن لآخر ضد السامية كما حدث في فترة ما بين الحربين العالميتين وفيما عرف باضطهاد أو تعذيب اليهود أو ما أطلق عليه اليهود اسم “المحرقة”.

وليس الغرض من هذا الاسترداد ترديد تاريخ اضطهاد في العالم، وإنما الغرض هو استخلاص العبر والدروس من رد فعل اليهود إزاء هذا الظلم الذي وقع عليهم من جانب “الغرب” أدرك اليهود منذ وقت بعيد عدم جدوى أو مناطحة “الغرب” بل عملوا على اكتسابه والفوز به بل باختطافه بالكامل لصالحهم. فالعمل اليهودي الدءوب لم يكن لإبراز التعارض والتناقض بينهم وبين “الغرب” بل لمحاولة كسب هذا “الغرب” وامتلاكه وتسييره لمصالحهم. فهم يؤكدون أن العداء لليهود لم يكن فعل “الغرب” بل هو نتيجة للقهر والاستبداد، وأن الدعوة للحرية لن تحرر اليهود فقط ولكنها سوف تحرر الفرد أينما كان والهجوم على النازية أو الفاشية ليس هجوماً على “الغرب” وإنما هو تعبير عن “انحراف” هذا “الغرب” ليس هذا فقط بل إن إنجازات الغرب إنما ترجع في رأيهم إلى مساهمات اليهود في التقدم العلمي والفكري. وإذا كان القدماء يروم أن الحضارة الغربية هي حضارة يونانية/رومانية مسيحية فإن الاتجاه الفكري الغالب الآن تحت تأثير اليهود يؤكد أن أساس الحضارة الغربية هو اليهودية – المسيحية… وفي هذا الاتجاه كتب المفكرون مئات وربما آلاف الكتب للتأكيد على الأساس اليهودي المسيحي للحضارة الغربية، وعلى إسهامات اليهود. وهل في هذا غرابة. ألم يحاول بيجن وفي حضور رئيس الدولة نسبة بناة الأهرام إلى اليهود! ولعل الجديد هنا جهود اليهود في كسب الغرب لصالحهم هو ما يقوم به عدد من المفكرين الآن للترويج ليس فقط لدور الديانة اليهودية أو اليهود في تأسيس الحضارة الغربية، وإنما الإشارة إلى أن يهود الأندلس والذين فرض عليهم اعتناق المسيحية ويطلق عليهم اسم Marranis هم أساس حركة التنوير الأوروبية. وتتعدد الكتب وهكذا اتجه اليهود في صراعهم لرفع الظلم عليهم ليس إلى مواجهة “الغرب” وإعلان العداء له، إنما محاولة كسب العقل الغربي وتطويعه ومناقشته بالحجة وبالوثائق والتاريخ حتى وإن كان بعضها ناقصاً أو مشوهاً.

لقد أدرك اليهود أن “الغرب” ليس هو المسيحية أو الرجل الأوروبي الأبيض. “الغرب” حالياً هو الحضارة الغالبة التي ساهم في ازدهارها روافد متعددة من التاريخ القريب والبعيد. الغرب ليس إنجلترا والولايات المتحدة وإنما هو أيضاً اليابان وربما الصين غداً والهند بعد غد. “الغرب أفاد من حضارات الماضي للإغريق والرومان والعرب والمسلمين والصين وغيرهم. ولعل بيكون الذي أشار إلى أن أهم ثلاثة اكتشافات ساعدت على النهضة الأوروبية كان أساسها صينياً. فالحضارة الأوروبية حققت تقدمها على أساس المطبعة والبوصلة والبارود، وثلاثيتها جاءت من الصين ووضعتها الحضارة الغربية لاستخدامات جديدة أدت إلى التقدم والازدهار. فمع المطبعة كانت ثورة العلوم والمعارف وانتشارها، ومع البوصلة كانت الاكتشافات الجغرافية، ومع البارود كان التوسع الاستعماري وكسب الحروب. كما كانت أثينا ثم روما كعبة للعلماء والمفكرين من مختلف بقاع الأرض للإفادة من مركز القوة الجديدة، فكذا كان الحال مع بغداد أو غرناطة وهو ما يتكرر الآن مع لندن وباريس وبوسطن أو لوس أنجلوس. لقد صنع القنبلة الذرية الألماني أوبنهيمير والقنبلة الهيدروجينية الهنغاري تيلر ويساعد على تطور الكيمياء المصري زويل. هذا ليس غربا وإنما هو الحضارة العالمية في مرحلتها الحالية، وقد تكون إذا في مكان آخر.

لقد عرف العرب والمسلمون – كما اليهود – من أسباب الظلم والاضطهاد الماضي على أيدي دول غربية ما لا حاجة بنا إلى إعادة ترديده. وعمل اليهود على إزالة هذا الظلم ليس بمناطحة “للغرب” أو العداء له، وإنما بمعركة أشد شراسة لمحاولة كسب عقل هذا الغرب وتطويعه لمصلحتهم. وقد نجح اليهود في أكبر عملية لاختطاف حضارة “الغرب” فهي في ذهن العديد من صناعة يهودية مسيحية، والصحيح أنها حصيلة لتاريخ إنساني طويل. وعلينا أن نتعلم الدرس. أننا لم نبذل الجهد المطلوب لكسب عقل الغرب والحديث إليه. من السهل إثارة الشعور وتعبئة النفوس ضد الغرب. ولكن المعركة الحقيقية هي في اكتساب الغرب وترويضه لصالحنا علينا أن نتذكر – مهما قيل – أن الغرب يخضع لإرادة الشعوب، والشعوب تستجيب لمن يخاطبها ويصل إلى عقلها. إن معركتنا ليست مع الغرب، ولكن المعركة ساحتها الوصول إلى عقل الغرب وإقناعه وتطويعه… وقد نجح اليهود في معركتهم ولا يوجد ما يمنع من أن ننجح نحن أيضاً إذا عرفنا ماذا نريد.   والله أعلم

الأهرام : 9 ديسمبر 2001

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *