برنامج لإعادة الاعتبار للثروة العقارية

جاء قانون الضريبة على العقارات المبنية مناسبة لفتح ملف الثروة العقارية في مصر. وإذا كانت الدولة لم تهتم ـ عند إصدار هذا القانون ـ إلا بجانب الجباية، فربما قد آن الأوان لإعادة تأهيل القطاع العقاري حتى يقوم بدوره المنوط به في الحياة الاقتصادية في ظروف صحية وسليمة.

وكانت مصر قد اتجهت منذ السبعينات إلى الأخذ بنظام ” اقتصاد السوق”، ثم عمدت إلى تعديل الدستور بغرض إسقاط الإشارة إلى “النظام الاشتراكي” لتأكيد تحول النظام الاقتصادي. ولا يخفى أن “اقتصاد السوق” يستند إلى المبادرة الفردية والتي تتطلب الاعتراف بحقوق الأفراد وحرياتهم وفي المقدمة الملكية الخاصة. ومن هنا تصبح “حقوق الملكية” أحد أهم الأُسس التي يقوم عليها هذا النظام. ولكن “حقوق الملكية” ليست مجرد شعارات تطلق و إنما تنعكس في ترتيبات وتنظيمات قانونية ومؤسسية تجعل من هذه الحقوق حقيقة راسخة ومحل احترام.

وقد حرصت في مقالي السابق بتاريخ 27 ديسمبر 2009 بمناسبة هذه الضريبة، على التأكيد على أهمية إدماج الثروة العقارية في دائرة النشاط الاقتصادي، وأن الأولوية كانت تقتضي البدء بإعادة الاعتبار إلى قطاع العقارات المبنية قبل مطالبته بتحمل نصيبه من الأعباء العامة. أما فرض هذه الأعباء على قطاع مشوه تغلب عليه الفوضى، فإنه لن يساعد على تحقيق النتائج المرجوة في مجال التنمية الاقتصادية الشاملة. كذلك سبق أن تعرضت للعديد من مظاهر الاختلال في القطاع العقاري في مقالات سابقة متعددة. وقد رأيت أنه قد يكون من المناسب عرض تصور متكامل لإعادة الاعتبار للثروة العقارية، وذلك دون إدعاء بأن هذا التصور يحيط بكافة العناصر اللازمة لتأهيل الثروة العقارية، وإن كان يطرح، على الأقل، عدداً من أهم هذه العناصر.

1- الشهر العقاري: الملكية حق للمالك على الشيء، و يتمتع المالك بهذا الحق ليس في مواجهة فرد أو أفراد معينين فقط، وإنما في مواجهة الكافة. ولذلك فإن حق الملكية يجب أن يتمتع بالاعتراف من الجميع وأن يتم احترامه من الكافة. وهذا يتطلب أن يكون هذا الحق ثابتاً ومعروفا ومعترفاً به من الجميع. وكانت المجتمعات القديمة تعتمد في ذلك على العادات والتقاليد المتوارثة. فالجميع يعرف بأن هذه الأرض ملك لهذه العائلة وتلك الأرض لعائلة أُخرى، وهكذا. ولكن المجتمع الحديث، وهو يتميز بالحركة والسيولة الشديدة، فإنه لا يستطيع الاكتفاء بالاعتماد على الذاكرة الجماعية لأهل القرية. ومن هنا بدأ العمل بتسجيل العقارات في سجلات رسمية، وأصبح هذا التسجيل هو السند الرئيسي للملكية.

ولكن نظم التسجيل تطورت بدورها، حيث كانت تعتمد في البداية على التسجيل الشخصي باسم المتعاملين للمعاملات العقارية، ثم تبين أن المصلحة تقتضي أن يتم التسجيل وفقاً لموقع العقار حيث تسجل كافة التصرفات التي تمت على هذا العقار. وهذا هو ما يعرف “بالسجل العيني”. ويسهل هذا السجل العيني معرفة أوضاع الملكية لكل موقع، وما جرى عليه من تصرفات. ولا شك أن وجود مثل هذا السجل العيني يشكل خريطة كاملة للعقارات ومعرفة وضعها القانوني ومالكيها. وكانت الحكومة المصرية، ومنذ الخمسينيات من القرن الماضي، تفكر في الأخذ بهذا النظام، وللأسف لا يبدو أن هناك تقدماً ملموساً في هذا المجال. ومن حسن الحظ فإن تكنولوجيا المعلومات الحديثة تساعد بشكل كبير على كفاءة مثل هذا النظام، وتسهيل التعامل معها. ولست أشك في أن إصلاح الثروة العقارية يبدأ من هنا.

وبهذه المناسبة فيلاحظ أن قانون الضريبة العقارية الجديدة يعرف المكلف بأداء الضريبة بأنه “مالك العقار المبني أو من له عليه حق عيني بالانتفاع أو الاستغلال”. ولما كانت الملكية وغيرها من الحقوق العينية لا تنتقل إلا بالتسجيل، فإن هناك محلاً للتساؤل عن كيفية مطالبة معظم المشتريين للعقارات بغير تسجيل بأداء الضريبة؟

2- الملكية العامة والخاصة للدولة: لعل أكبر مشاكل الملكية في مصر ترتبط بالتصرف في أملاك الدولة مما يتطلب وضوح الرؤية بالنسبة لها. ومن المستقر أن هناك نوعين من ملكية الدولة؛ ملكية الدولة العامة (الدومين العام)، وملكية الدولة الخاصة (الدومين الخاص). أما الملكية العامة (الدومين العام)، فهي تنصرف إلى ملكية الدولة للمرافق المخصصة للمنافع العامة، وهذه لا يجوز التصرف فيها بما يتعارض مع الأغراض المخصصة لها. ومن أمثلتها الطرق والموانئ والمنشآت العامة ومعسكرات الجيش والشرطة، وهكذا. وأما الملكية الخاصة ( الدومين الخاص) فهي ملكية خاصة للدولة تتصرف فيها شأنها شأن الأفراد، ويجب أن تخضع في ذلك لنفس القواعد والإجراءات. وتثير الملكية الخاصة للدولة ـ في مصر ـ العديد من المشاكل القائمة. وتتعلق المشكلة الأُولى بتحديد من يمثل الدولة في التصرفات في هذه الأملاك. وكانت مصر تعرف تقليداً قديماً يخول “إدارة الأملاك” بوزارة المالية مسئولية التصرف في الأموال الخاصة للدولة. أما الآن فإننا نجد تعدداً في القائمين بالتصرف في هذه الأموال الخاصة للدولة (الأراضي). فهناك وزارات الإسكان والإصلاح الزراعي والسياحة وغيرها، كذلك هناك المحافظات. وكل من هذه الهيئات يعتمد معايير خاصة به، والأكثر خطورة هو أن هذه الهيئات تتنازع الملكية فيما بينها. فملكية نفس العقار قد تطالب به وزارة من الوزارات ثم تتدخل محافظة للتأكيد بأنها هي المالك، وهكذا. وليس الأمر قاصراً على عدم معرفة من له حق التصرف في عقارات الدولة، بل أن كلا من هذه الجهات يأخذ بأسلوب مختلف في التصرف في هذه الأموال (الأراضي). فهناك من يبيع الأرض مع نقل الملكية، والبعض الآخر يمنح ترخيصاً للبناء والاستغلال دون إيضاح لوضع الملكية. وهذا الوضع الملتبس هو حال العديد من المنتجعات السياحية. وهكذا كانت مبيعات أراض الدولة خلال العقود الثلاثة الأخيرة سبباً كبيراً للنزاعات العقارية، كما كانت ـ في نفس الوقت ـ مصدراً أساسياً في تكوين ثروات هائلة لأعداد قليلة من الأفراد والهيئات المعروفة بقربها من السلطة.

وينبغي أن نضيف إلى ما تقدم إدارة” الأوقاف الخيرية”. فمنذ أن ألغت مصر نظام الوقف عام 1955، آلت إلى الدولة (وزارة الأوقاف) إدارة معظم الأوقاف الخيرية. وإذا كان من المفهوم أن تخصص عائدات هذه الأوقاف لرعاية العديد من الأهداف الخيرية الدينية مثل خدمة المساجد والكنائس، فإنه لا يخفى أن “إدارة أموال الأوقاف” هي مسألة مالية يجب أن يختص بها أصحاب الخبرة المالية، وعلى أن تخصص العائدات منها لخدمة الأغراض الخيرية. ولذلك لم يكن غريباً أن ظهر العديد من الانحرافات في إدارة واستغلال أراضي ومباني “الأوقاف”. وأيا ما كان الأمر فإن إدارة الأملاك الخاصة للدولة ـ وكذا الأوقاف الخيرية ـ تحتاج إلى نظام قانوني واضح ورقابة وإشراف كافيين.

3- وضع اليد: ترتبط بملكية الدولة للأراضي حالات وضع اليد في معظم الأراضي المملوكة للدولة. فهناك مناطق متعددة على أطراف البلاد سواء على الساحل الشمالي أو في سيناء أو على البحر الأحمر حيث لا توجد ملكيات خاصة واضحة ومسجلة، وإن كانت هناك أوضاع مستقرة لوضع اليد لعائلات أو عشائر، وهي أوضاع قائمة منذ أجيال طويلة. ومع ذلك فإن عدم وضوح هذه الأوضاع يتسبب في نزاعات كثيرة بين العائلات وأجهزة الإدارة المحلية. وليس من الطبيعي أن تستمر هذه الأوضاع الملتبسة في دولة حديثة، بل لا بد من حسمها وتقنينها وأن يراعى في ذلك أكبر قدر من العدالة واحترام الأوضاع الظاهرة والمستقرة.

4- العشوائيات: توسعت العشوائيات بشكل كبير في مختلف المناطق خلال العقود الثلاثة الأخيرة. والنظرة الغالبة، عند المسؤولين، هي أن هذه المباني قامت بالمخالفة لقواعد تنظيم البناء، والحقيقة أنها قامت في، الأغلب من الأحيان، على أراضي غير مملوكة وغير مسجلة. وبالنظر إلى الازدحام السكاني بها وقصور إمكانيات البناء الشعبي، فإنه من غير الممكن ـ سياسيا ًـ طرد هؤلاء السكان منها. ولذلك يتطلب الأمر معالجة هذه الأوضاع بجدية وواقعية، بما في ذلك النظر في الاعتراف لهم بالملكية وتقنين أوضاعهم مع الالتزام بحد أدنى من احترام قواعد تنظيم المباني نظير أعباء مالية مقبولة.

5- إعادة النظر في قوانين الإيجار القديمة: ربما أكثر من نصف الثروة العقارية في المدن تخضع لقوانين الإيجار القديمة، مما يفقدها الكثير من قيمتها الاقتصادية، ويكاد يخرجها من دائرة التعامل الاقتصادي. وإذا كانت هناك اعتبارات إنسانية وسياسية تتطلب مراعاة ظروف المستأجرين من الفقراء والطبقة المتوسطة وبالتالي “إعانتهم”، فإنه من الطبيعي أن تتحمل الدولة هذه “الإعانة” ولا تلقي بها على عاتق الملاك غير المحظوظين، الأمر الذي يقيم تفرقة غير دستورية في المعاملة بين ملاك العقارات. وعلى أي الأحوال، فإن هذه القضية تتطلب المعالجة بسياسة تدريجية خلال فترة انتقالية مع العمل على تطبيع أوضاع هذه الملكيات ومساواتها بغيرها من العقارات خلال فترة محددة، وبعدها تعود هذه الثروة إلى دائرة النشاط الاقتصادي في ظروف عادية.

6- إعادة تنظيم مهنة سمسرة العقارات: يتطلب إدماج قطاع العقارات في دائرة التعامل الاقتصادي ضبط عمليات البيع والشراء للعقارات على نحو منظم وبما يحقق مصالح البائعين والمشترين ويساعد على خلق سوق منتظمة للعقارات مع قيم معروفة لأسعار العقارات. وكل هذا يتطلب إعادة النظر في مهنة السمسرة وبحيث يؤهل العاملون بها بالمعرفة القانونية مع تحملهم المسؤولية عن سلامة عمليات البيع والشراء، وخضوعهم للرقابة والإشراف. وفي معظم دول العالم تتم التصرفات في العقارات من خلال مؤسسات منضبطة مع تنظيم واضح لمهنة السمسرة وتحديد علاقاتها بالبنوك وأجهزة الشهر العقاري. أما مع الوضع القائم في مصر وحيث يقوم بأعمال السمسرة ـ عادة ـ البوابون وأصحاب أكشاك السجائر، فإنه لا يتوقع إلا أن تسود الفوضى في أسواق العقارات.

وهكذا يتضح أن موضوع الثروة العقارية يحتاج إلى نظرة متكاملة تعيد لهذا القطاع حيويته بإدماجه في الاقتصاد الوطني وإزالة أسباب الالتباس والغموض حولها. ومن هنا يبدأ الإصلاح. أما الاقتصار على الإجراءات الفوقية مثل إنشاء هيئات جديدة للتمويل العقاري أو فرض ضرائب عقارية جديدة وقبل إصلاح جذور مشكلة الثروة العقارية في مصر،فإنه يبدو لي اختياراً للسهولة مع إبقاء جوهر المشكلة على ما هو.    والله أعلم

الأهرام : 10 يناير 2010

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *