بمناسبة ضريبة العقارات المبنية

أثار البدء في تطبيق قانون ضريبة العقارات المبنية الجديد (رقم 196 لسنة 2008) العديد من ردود الفعل على صفحات الجرائد وذلك بمناسبة مطالبة وزارة المالية ملاك العقارات بتقديم إقرارات بالعقارات المملوكة لهم قبل نهاية شهر ديسمبر الجاري. وأبدى العديد من القراء شكواهم عن عدم وجود نماذج الإقرارات لدى مصلحة الضرائب حتى بداية نفس الشهر، كما أبدى بعض الكتاب الصحفيين دهشتهم من عدم الإعداد الكافي للتعامل مع أعداد قد تبلغ ما يقرب من ثلاثين مليون ممول في هذه الفترة القصيرة، مع احتمال فرض غرامات على المتخلفين عن ذلك والذين يقدرون بعشرات الملايين، وما قد يفرضه ذلك من أعباء على المواطنين ومن صعوبات إدارية على القائمين بهذا العمل في وزارة المالية. وأقر للإنصاف، بأنني ـ شخصياً ـ قد استخرجت هذه النماذج من موقع وزارة المالية على الانترنت في منتصف هذا الشهر، وإن كنت لا أدري لمن أقدمها ـ حيث أقيم في الخارج ـ فهل أرسلها إلى القنصلية المصرية؟ أم ماذا؟ (بعد كتابة هذا المقال وقبل النشر مدّ وزير المالية فترة تقديم الإقرارات لثلاثة أشهر). وليس القصد من هذا المقال الإشارة إلى حالتي الخاصة، بقدر ما أريد أن أتعرض لموضوع الثروة العقارية من خلال نظرة عامة للتنمية الاقتصادية الشاملة.

لعل أحد أهم الإسهامات في نظريات التنمية الاقتصادية للدول النامية خلال نصف القرن المنصرم جاءت على أيدي الاقتصادي دي سوتو  De Soto من بيرو في أمريكا اللاتينية، حين أصدر كتابه عن “أسرار رأس المال” The Mystery of Capital والذي حاول فيه تفسير أسباب نجاح الرأسمالية في دول الغرب ـ بعكس دول العالم الثالث ـ وذلك لقدرتها على إدماج كافة الثروات في الحياة الاقتصادية. وتتلخص الفكرة الأساسية للمفكر اللاتيني في أن مشكلة الدول النامية والتي تتركز في فقرها، إنما ترجع ـ إلى حد بعيد ـ إلى تجاهلها لمصدر هام للثروة القومية الموجودة تحت تصرفها وأنها لم تنجح في وضعها في خدمة التنمية حيث ظلت خارج دائرة التعامل الاقتصادي. وقد أدى ذلك إلى حرمان اقتصادات هذه الدول من الإفادة من ثروة هائلة كان يمكن أن تدفع التنمية الاقتصادية قدماً. وهذه الثروة المهملة ـ في نظر دي سوتوـ هي الثروة العقارية المملوكة للطبقات الفقيرة من أفراد الشعب. فمهما بلغ مستوى الفقر للشعوب، فإن الغالبية الكبرى منهم يعيشون في مساكن ـ غالباً متواضعةـ ولكنها في أي الأحوال تمثل في مجموعها ثروة هائلة. وبالنظر إلى ضعف النظام القانوني للملكية تظل هذه الثروة نائمة ومعطلة بعيدة عن دائرة التعامل الاقتصادي. ومن هنا فإن عملية التنمية تبدأ ـ عند دي سوتوـ بالاعتراف بالملكية العقارية للمباني والمساكن الشعبية، وتنظيمها وتسجيلها وإحاطتها بكل أنواع الحماية القانونية بما يساعد على التصرف فيها بسهولة وكفاءة. وبذلك تتحول هذه الملكيات إلى نوع من الثروة الاقتصادية القادرة على المساهمة في الحياة الاقتصادية وتحريكها. وأشار دي سوتو إلى أن ذلك يوفر لأصحاب هذه الملكيات مصدراً مناسباً للحصول على التمويل اللازم من البنوك وبما يتيح للعناصر الديناميكية منهم الدخول إلى معترك الحياة الاقتصادية والقيام بالعديد من الأنشطة النافعة والاعتماد على النفس. ومن هنا فإن عملية التنمية تحتاج ـ عند دي سوتوـ إلى إدماج أكبر عدد ممكن من الطبقات الفقيرة في دائرة النشاط الاقتصادي استناداً إلى ملكيتهم لهذه الثروة العقارية القائمة والخاملة. وكل هذا يتطلب القيام بثورة تشريعية لتوفير الحماية القانونية الكافية لهذه الملكيات العشوائية، والاعتراف بها وتنظيمها، وضمان تسجيلها في الشهر العقاري، وتسهيل التعامل بها والاقتراض بضمانها، وإصلاح النظام القضائي لتوفير الحماية الكاملة والسريعة للمنازعات حولها. وبذلك تصبح الثروة العقارية جزءاً من النشاط الاقتصادي وتعطي دفعة هامة للدورة الاقتصادية.

ونظرية دي سوتو على هذا النحو لاتعدو أن تكون تطويراً وتطبيقاً للأفكار التي نادى بها الاقتصادي الأمريكي دوجلاس نورث الحائز على جائزة نوبل، بأن ظهور مفهوم “الملكية والحقوق العينية” كان أحد أسباب التقدم الاقتصادي للمجتمعات البشرية. وكانت الحكومة المصرية قد استضافت ـ فيمن استدعت من الخبراء الأجانب ـ الأستاذ دي سوتو، وأعتقد أنه لابد وأن قدم أفكاره للمسئولين عن ضرورة تنظيم الملكيات العقارية وتحديد حقوق الملاك وحمايتها مع توفير المرونة الكافية لإمكان إدماج هذه الثروة في الاقتصاد الوطني.

ولايبدو أن نصائح السيد سوتو قد أسفرت عن شيء ملموس في الارتقاء بأوضاع الملكيات العقارية. فما زال الحديث دائراً منذ سنين حول المناطق العشوائية، وهي ليست فقط عشوائية في أساليب البناء وانعدام أو نقص خدمات البنية الأساسية اللازمة للحياة من مياه وصرف وكهرباء، ولكن ينقصها في الغالب وضوح في حقوق الملكية لأصحابها. فهذه الأبنية هي عقارات بلا سندات للملكية وبلا تسجيل، والأراضي القائمة عليها هي غالباً محل نزاع. وبذلك تظل هذه المساكن العشوائية مجرد كتل من الاسمنت والطوب الأحمر بلا قيمة سوقية معروفة، ولايحكمها قانون واضح للملكية. فهي في الغالب عقارات خارج القانون، وبالتالي، خارج الاقتصاد أيضاً. وهكذا تهدر الدولة أحد أهم مقومات الثروة القومية بالنظر إلى قصور التنظيم القانوني والإداري والقضائي للملكيات العشوائية.

وليس الأمر قاصراً على المناطق العشوائية بل أن كثيراً من المباني الحديثة في المناطق الجديدة وخاصة في العديد من المنتجعات السياحية ماتزال غير واضحة الملكية. وقد كان توزيع أراضي الدولة على معظم هذه المنتجعات مصدراً للعديد من الثروات التي تكونت من خلال المضاربة. والكثير من هذه المنتجعات أقيم بمعرفة شركات أو جمعيات تعاونية أو هيئات حكومية وتباع للأفراد بعقود غير مسجلة، بحيث أن ملكية معظم المباني في هذه المنتجعات غير واضحة من الناحية القانونية. فأشك إذا كان مالكو فيلات وشاليهات مارينا ـ مثلاًـ قد سجلت ملكياتهم، والتي ما زالت ـ أغلب الظن ـ باسم هيئات المجمعات العمرانية. وملكية معظم هذه الأراضي ملتبسة بين مطالبات للوزارات المختلفة والمحافظات المتعددة. ونظراً لأن الملكية ـ كما الحقوق العينيةـ لا تنتقل إلا بالتسجيل، فإنه سوف يكون من الصعب قانوناً مطالبة ساكني ومشتري هذه العقارات بأداء الضريبة لأنهم ليسوا ملاكاً من الناحية القانونية، وذلك لعدم تسجيل هذه الملكيات في الشهر العقاري. فالمادة الثانية من قانون هذه الضريبة تعرف المكلف بأداء الضريبة الجديدة بأنه “مالك العقار المبني أو من له عليه حق عيني بالانتفاع أو بالاستغلال”. ووفقاً للقانون المصري فإن الملكية والحقوق العينية لاتنتقل إلا بالتسجيل في الشهر العقاري. وأكاد أقطع بأن الغالبية من المباني على الساحل الشمالي وغيره من المنتجعات غير مسجلة في الشهر العقاري بأسماء المنتفعين بها. ولذلك فليس من المستبعد أن تظهر منازعات عمن يسأل عن دفع هذه الضريبة؟

وهكذا فإن قضية الثروة العقارية تحتاج إلى مراجعة شاملة لأوضاع الملكية العقارية وتسوية وضع الملكيات على نحو واضح. وكانت مصر قد بدأت منذ أكثر من نصف قرن الحديث عن مشروعات للأخذ بنظام “السجل العيني”، ومازال هذه النظام غير مكتمل حتى الآن. وهكذا فالملكية العقارية في المباني تحتاج في مصر إلى مراجعة شاملة، وليس من المؤكد أن تكون البداية السليمة هي بفرض ضريبة على وعاء مازال غير واضح المعالم القانونية في كثير من الأحوال.

لست أشك في أن وزير المالية ـ وهو حريص على توفير الموارد اللازمة للموازنة ـ قد وجد من المنطقي إعادة النظر في ضرائب العقارات بعد أن تم تعديل ضرائب الدخل والجمارك. ومع ذلك، فإن الثروة العقارية ليست مجرد مصدر لإيرادات الدولة، بل هي ثروة قومية وتحتاج إلى نظرة عامة وشاملة ليس فقط بقصد زيادة مساهمتها في تمويل الموازنة، وإنما بإصلاحها وتهيئتها لكي تساهم في جهود التنمية الاقتصادية بأن تصبح جزءاً فاعلاً في دائرة النشاط الاقتصادي. وفي وقت توسعت فيه الأحياء العشوائية ولم تزل نصف الثروة العقارية من المباني الأخرى خاضعة لأحكام قوانين الإيجارات القديمة، مما أدى إلى تدهور قيمتها الاقتصادية، واستبعادها تقريباً من دائرة النشاط الاقتصادي، فإن الحديث عن الثروة العقارية وفرض الضرائب عليها يبدو قاصراً وسابقاً لأوانه. فالجزء الأكبر من الثروة العقارية المصرية هو ثروة عقيمة لاتكاد تساهم في الحياة الاقتصادية إلا على نحو مبتور. وقد سبق أن تعرضت لموضوع الإيجارات القديمة على صفحات هذه الجريدة بما لا محل له لإعادة ترديد ما ورد بها. ويكفي أن أشير هنا إلى أن استمرار هذه الأوضاع يعني إهدار جزء كبير من الثروة القومية بالنظر إلى تدهور قيمة هذه العقارات، وبالتالي محدودية إمكانيات مساهمتها في النشاط الاقتصادي. وليس معنى ذلك أن قضية الإيجارات القديمة سهلة أو يمكن حلها بجرة قلم، بل أنها تحتاج إلى معالجة تدريجية خلال فترة انتقالية طويلة. ومع الاعتراف بصعوبة هذه المشكلة وتعقيدها، فإن أسوأ الحلول هو الانتظار وعدم القيام بأي شيء. وهو ما يبدو أنه موقف الحكومة من هذه القضية. فإذا أضفنا إلى ذلك عدم تقنين أوضاع المباني العشوائية وربما عدم وضوح المراكز القانونية للملكية في الكثير من المنتجعات الجديدة، فإن الثروة العقارية للمباني تحتاج إلى مواجهة شاملة لجوهر المشكلة.

الثروة العقارية المبنية ليست مجرد وعاء للضريبة أو مصدراً لتمويل الموازنة. الثروة العقارية هي أحد أهم مقومات الثروة الاقتصادية الوطنية، ودورها الأساسي يتحقق من خلال اندماجها في دائرة النشاط الاقتصادي بشكل كامل وفعال وكفء. وهذا أمر يحتاج إلى إصلاحات في الإطار القانوني لحقوق الملكية بشكل عام، وتقنين أوضاع الملكيات العشوائية وأراضي الدولة بصفة عامة، وإعادة النظر في نظام الشهر العقاري بإدخال نظام السجلات العينية، وإعطاء الملكية ما تستحقه من رعاية وحماية قانونية والإسراع بالفصل في القضايا المتعلقة بها وتنفيذ الأحكام، والبحث عن إيجاد حلول عادلة ومنصفة للعقارات الخاضعة للإيجارات القديمة بحيث تعود من جديد إلى النشاط الاقتصادي بشكل فعال.

لقد أحسن وزير المالية بإعادة النظر في النظام الضريبي، وكنت أتمنى أن يكون البحث في أوضاع الضرائب على العقارات المبنية فرصة لإعادة الاعتبار لمفهوم الملكية العقارية بشكل عام، فهذه الملكية هي أحد أسس التنمية الاقتصادية بقدر ما هي مصدر هام لتمويل الموازنة. ومسئولية الوزير ليست فقط في جباية الموارد المالية للموازنة بقدر ما هي في وضع الأسس السليمة لدفع عجلة النمو في الاقتصاد القومي ثم مالية الحكومة بالتبعية.  إن مساهمة الثروة العقارية في النشاط الاقتصادي بكفاءة أهم بكثير من دورها في زيادة موارد الموازنة. وفرض الضرائب وحده، وقبل الإصلاح الشامل للملكية العقارية، ربما لايكون البداية السليمة والمنطقية للأمور. والله أعلم.

الأهرام: 27 ديسمبر 2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *