بين استجلز وصندوق النقد الدولي

ليس من الضروري كما أنه ليس من المتوقع أن يعرف الناس من هو استجلز J. Stiglitz، وإن كان من الطبيعي أن يسمع الكثيرون عن صندوق النقد الدولي. أما استجلز فقد عمل لفترة نائباً لرئيس البنك الدولي للشؤون الاقتصادية (1997 – 2000)، وأتاح له عمله في البنك أن يراقب، عن قرب، سياسات وممارسات صندوق النقد الدولي. واختلف مع هذه السياسات وعارضها، ثم قرر الاستقالة من عمله في البنك الدولي، وعاد ليعمل أستاذاً في الجامعة، وأصدر كتاباً يهاجم فيه سياسات صندوق النقد الدولي، فمن هو استجلز هذا وما هي خلفيته؟.

جوزيف استجلز اقتصادي أمريكي، اختارته الإدارة الأمريكية للديمقراطيين لعضوية المجلس الاقتصادي (1993 – 1997) والذي يعتبر الجهاز الاستشاري لرئيس الجمهورية في المسائل الاقتصادية، ثم اختير رئيساً لهذا المجلس في آخر الولاية الأولى للرئيس كلينتون وذلك قبل أن يرشح نائباً لرئيس البنك الدولي خلفاً للأمريكي لورنس سمرز L. Summers، والذي سوف يعين فيما بعد وزيراً للخزانة في الولايات المتحدة الأمريكية. ولا يبدو أن استجلز كان من فئة البيروقراطية التقليدية الذين عادة ما يقتنعون بسياسة أو ثقافة المؤسسة التي يعملون بها، وبحيث يحصرون ملاحظاتهم وانتقاداتهم على ما يقال في الغرف المغلقة أو ما يقدم في المذكرات الداخلية، بل كان استجلز طويل اللسان “Outspoken” إن لم يكن متمرداً Maverick يعلن آراءه بشكل صريح ولو خالفت الرأي الرسمي للمؤسسة التي يعمل لها (البنك الدولي). ومعروف أن نشاط البنك الدولي لا يتطابق تماماً مع نشاط صندوق النقد الدولي، فالبنك يقوم بتمويل المشروعات التنموية ويعمل على مساعدة الدول النامية على الإصلاحات الاقتصادية طويلة المدى (والتي يطلق عليها الإصلاحات الهيكلية)، في حين أن صندوق النقد الدولي يعمل على ضمان استقرار نظام النقد الدولي وحماية استقرار موازين المدفوعات وأسعار الصرف، ويقدم تمويلاً – عادة قصير أو متوسط الأجل – لهذه الأغراض.

ورغم هذا الاختلاف في طبيعة نشاط المؤسستين، فكثيراً ما تتعاونان في برامج مشتركة للعديد من بلدان العالم الثالث. وعادة يكون لبرنامج الصندوق نوع من الأولوية، بمعنى أن تكون مساهمة البنك الدولي مشروطة بضرورة الموافقة أولاً من جانب صندوق النقد الدولي على برنامج للتصحيح أو التثبيت المالي. ومن هنا كانت تجربة استجلز مع صندوق النقد الدولي حيث كانت موافقة الصندوق شرطاً مسبقاً – في الغالب – لمساعدات البنك للدولة المحتاجة. ورأي استجلز أن برامج الصندوق في كثير من هذه الأحوال كانت غير مناسبة وأنها كثيراً ما زادت الأمر سوءاً على الدول النامية. ومن هنا بدأ في مهاجمته للصندوق ولسياساته، وهي آراء لم يتردد في إعلانها على الملأ. وكان من الواضح أن استجلز يمثّل عنصراً غريباً على المؤسسات الدولية حين يتصرف وكأنه في ساحة لإبداء الآراء الحرة، وليس موظفاً – كبيراً حقاً ولكنه موظف في نهاية الأمر – في منظمات بطبيعتها رئاسية ومركزية ومحافظة يلعب فيها الرئيس التنفيذي دوراً شخصياً ورئيسياً. وهذا الرئيس التنفيذي، وهو عادة من الدول المتقدمة (أمريكي في حالة البنك الدولي وأوروبي في حالة صندوق النقد الدولي) يتمتع بسلطات تكاد تقترب من سلطات الرؤساء في الدول النامية التي لا تعرف القيود المفروضة على رؤساء الدول الصناعية والديمقراطية. وكان على رأس البنك الدولي رئيس، (ولفنسن) أمريكي هو الآخر، يحب الكلام ويجيده. وبذلك فقد كان من الصعب أن يستمر استجلز في وظيفته، ليس فقط لأنه كثير الكلام بل لمعارضته لسياسات المؤسسات الدولية. فكان أن استقال، وعاد إلى الحياة الأكاديمية ليبدي آراءه بصراحة في إطار أكثر انسجاماًَ مع طبيعته في حرية الرأي والنقد. وبعد تركه البنك الدولي، رأت اللجنة العلمية لجائزة نوبل الاقتصاد ترشيحه للجائزة لأعماله في مجال آخر وهو مجال المعلومات واتخاذ القرار. وبالفعل حصل استجلز على الجائزة، وكان استجـلز قد اهتم – في فترة من حياته الجامعية – بالبحث عن تأثير عدم التماثل Asymmetry أو عـدم التعادل فـي توافر المعلومات بين المتعاملين في السـوق وأثـر ذلك على القـرارات الاقتصاديـة. فالنظرية الاقتصادية – كما تدرس في المعاهد – تؤكد أن “السوق” قادرة على اتخاذ أفضل القرارات وأصلحها للاقتصاد. ولكن استجلز – كما غيره – أشار إلى أن هذا منوط فقط بافتراض توافر المعلومات وإتاحتها للجميع دون قيد أو تمييز. وقد أوضح استجلز كيف أن عدم التماثل بين الأفراد في الحصول على المعلومات الكافية يمكن أن يؤدي إلى تشويه قرارات السوق. وعلى هذا الأساس مُنح استجلز جائزة نوبل في الاقتصاد، وأصبح بين ليلة وضحاها نجماً عالمياً، ليس فقط بسبب حصوله على جائزة نوبل ، بل أيضاً بسبب خلافاته مع مؤسسات التمويل الدولية. وكتبت جريدة الفاينانشال تايمز البريطانية، بمناسبة حصوله على الجائزة آنذاك، بأنه ربما يكون النموذج الأمثل للحصول على الجائزة. فهو محدث لبق، كان بالغ التفوق في دراساته الجامعية وخاصة في الرياضيات، وأنه جمع بين تاريخ أكاديمي لامع وتجربة عملية ثرية سواء في الإدارة الأمريكية أو في العمل الدولي. ولم يلبث استجلز أن أصدر كتاباً بعنوان “العولمة ونقادها” Globalization and its discontents أصبح من أكثر الكتب رواجاً. وعنوان الكتاب خادع، فهو كتاب عن نقد ممارسات صندوق النقد الدولي أكثر منه كتاباً عن العولمة في ذاتها. وهو وإن كان يمثّل خلافاً في الرؤى والتوجهات، فإنه لم يخف أحياناً الطابع الشخصي لهذا الخلاف. فلم يقتصر استجلز في نقده للصندوق على معارضة سياساته بل إنه شكّك في مدى الكفاءة المهنية للعاملين فيه، حيث يرى أن العديد منهم هم خريجو جامعات من الدرجة الثالثة أو الرابعة وأن مذكراتهم الاقتصادية لا تزيد في قيمتها العلمية عن أبحاث طلبة السنوات الأولى في الجامعات المحترمة. كما لم يخف تعجبه من العلاقة الوثيقة بين كبار العاملين في الصندوق وبين الأوساط المالية في نيويورك. ورأى في هذه العلاقة ما يشبه التواطؤ في المصالح ولعل آخر مظاهرها هو انتقال ستانلي فيشر (النائب الأول للمدير العام للصندوق) إلى مجموعة سيتي بانك (نائباً للرئيس). وأياً ما كان الأمر فقد ركزت انتقادات استجلز على سياسات الصندوق في الدول النامية، وخاصة في أثر الأزمة المالية لدول جنوب شرق آسيا في 1997. وسوف نقتصر على ملاحظته حول هذه الأزمة لما لها من أوجه شبه مع أوضاعنا. فماذا يقول استجلز عن سياسات الصندوق تجاه هذه الأزمة؟

بدأت الأزمة المالية الآسيوية عندما انهارت عملة تايلاند (بات) baht في 2 يوليو 1997. وفي هذا اليوم وما تلاه فقدت العملة التايلاندية حوالي 25% من قيمتها رغم استقرار قيمتها لما يقرب من عشر سنوات سابقة. ولم تلبث أن انتقلت العدوى إلى باقي دول المنطقة، ماليزيا، كوريا، الفلبين، وإندونيسيا، حيث تدهورت عملاتهم وانهارت البورصات وتهددت أوضاع البنوك وتراجع نمو الاقتصاد القومي بشكل كبير، فانخفض الناتج المحلي في إندونيسيا في عام 1998 بواقع 13% وفي كوريا 6.7% وفي تايلاند 11% وامتدت الأزمة لتشمل بلدان أخرى خارج المنطقة. وقد فاجأت الأحداث الجميع على غير توقع. فماذا يرى استجلز في هذه الأزمة؟

يعتقد استجلز بأن سبب الأزمة الآسيوية هو نصائح صندوق النقد الدولي، والأخطـر من ذلـك هـو أن استفحال هذه الأزمة يرجـع إلى العلاج الذي نصح به الصندوق لهذه الدول. فعند استجلز أن الصندوق كان سبب المرض، وأن علاجه أدى إلى اشتداد الأزمة وتعمقها بدلاً من التخفيف منها؟ كيف؟.

يرى استجلز أن دول جنوب شرق آسيا حققت – ولمدة متصلة تقترب من ثلاثة عقود – نمواً اقتصادياً مذهلاً، دعا البعض إطلاق وصف “المعجزة الآسيوية” على هذا الإنجاز. وقد تميزت هذه الدول – بشكل عام -، بارتفاع معدلات الادخار المحلي فيها – تراوح من 30-45% – وأن سياسات توظيف واستثمار هذه المدخرات كانت غالباً موفقة وكفء. ولم تعرف هذه الدول عجزاً مزمناً في موازناتها كما لم تعرف تضخماً مستمرأً كما كان الحال في دول أمريكا اللاتينية. فكوريا الجنوبية والتي خرجت من الحرب الكورية فقيرة وممزقة ومعدل الدخل الفردي فيها يقل عن الهند، تضاعف الناتج المحلي فيها ثمانية أضعاف خلال الثلاثين عاماً اللاحقة وانضمت إلى منظمة التعاون الاقتصادي للدول المتقدمة. وقد حققت دول المنطقة الأخرى معدلات متقاربة للنمو. فماذا كانت نصيحة صندوق النقد الدولي لهذه الدول في هذه الفترة؟ كانت النصيحة هي ضرورة التحرير الكامل للعلاقات الخارجية. ويرى استجلز أنه إذا كان من المفهوم تحرير التجارة فإن التحرير السريع لحركات رؤوس الأموال وقبل أن تكتمل صلابة النظام المصرفي والمؤسسات المالية يمكن أن يعرض هذه الاقتصادات لهزات نتيجة للتقلبات السريعة والمفاجئة لحركة رؤوس الأموال، والمعروفة بالأموال الساخنة. فهذه الدول ليست في حاجة إلى مثل هذا الاختبار الصعب قبل أن تتوفر لها الحصانة الكاملة ضد مثل هذه الهزات. ويزيد على ذلك أن هذه الدول وهي تعرف معدلات مرتفعة من الادخار والاستثمار المحليين، فإنها لم تكن في حاجة إلى مثل هذا التحرير لميزان رؤوس الأموال، لأنها لم تكن في حاجة ماسة إلى رؤوس الأموال الأجنبية، ولكن الصندوق أصر على أن التحرير حزمة واحدة لابد من الأخذ بها كاملاً. فكان أن حررت هذه الدول القيود على حركات رؤوس الأموال. وعلى سبيل الذكرى فإن بعض دول أوروبا والتي حررت تجارتها الخارجية وأخذت بإلغاء القيود على حرية تحويل عملاتها المحلية وتأكيد قابليتها للتحويل في نهاية الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي أبقت عدداً من القيود على تحويلات رؤوس الأموال. وقد ظلت القيود على هذه التحويلات في إيطاليا – وقبلها في فرنسا – حتى عهد ليس بعيداً.

فماذا كانت نتيجة هذا التحرير المبكر لحركات رؤوس الأموال؟ بدأت البنوك في دول جنوب شرق آسيا، ومن ورائها العملاء، في الاقتراض بالعملات الأجنبية لانخفاض أسعار فائدتها لتمويل الاستثمار والتوظيفات المحلية. وقامت الأزمة، لأن رؤوس الأموال الأجنبية والتي تدفقت بقوة إلى هذه الدول قررت الانسحاب فجأة منها مما أوقع البنوك والمدينين في أزمة طاحنة. فانهارت العملات المحلية لهذا الانسحاب المفاجئ لرؤوس الأموال الأجنبية. وكانت الشائعات في أسواق المال في نيويورك ترى أن مديونية كوريا قد زادت على الحد، فقررت البنوك الأجنبية في نهاية عام 1997 عدم تجديد تسهيلاتها المصرفية لكوريا. وفي نفس الوقت فإن تايلاند وقد عرفت وفرة في رؤوس الأموال القادمة من الخارج ولم تستثمر دائماً في مشروعات إنتاجية وإنما وظّف قسم كبير منها في المضاربات العقارية مما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار العقار مما خلق نوعاً من الفقاعة المالية لم تلبث أن انفجرت – كما هو الحال بالنسبة لمعظم الفقاعات المالية – وانهارت أسعار العقارات. وبذلك وجدت البنوك التايلاندية نفسها في أزمة حيث أن الضمانات المقدمة – غالباً عقارات – لم تعد كافية لضمان حقوقها. وهكذا وقعت الأزمة المالية. وأدى جو التخوف إلى انسحاب معظم الأموال الأجنبية بل والكثير من رؤوس الأموال المحلية. فانتشرت الأزمة وانتقلت العدوى من بلد إلى آخر. وهكذا يرى استجلز أن نصائح صندوق النقد الدولي بضرورة التحرير المبكر لحركات رؤوس الأموال كانت السبب الأساسي في وقوع الأزمة الآسيوية.

فماذا كان العلاج؟

رأى الصندوق أن العلاج يقتضي إعادة الثقة في الاقتصاد لضمان عودة المستثمرين ورؤوس الأموال الأجنبية، وأن هذا يتحقق عن طريق أمرين، مساعدات خارجية ضخمة وإجراءات داخلية لضبط الأمور. فأما المساعدات فقد قرر الصندوق تقديم حزمة تمويلية لدول المنطقة تقدر 95 بليون دولار، شارك فيها دول المجموعة الصناعية (G-7)، وفي الداخل اتخاذ مجموعة من الإجراءات أهمها، فضلاً عن ضبط الموازنة، رفع أسعار الفائدة على العملة المحلية حماية لسعر الصرف، وحث المستثمرين على العودة للإفادة من أسعار الفائدة العالية. فأما القروض الخارجية فقد ضمنت الوفاء بحقوق الدائنين الأجانب. وأما الإجراءات الداخلية فقد أدت إلى ارتفاع أسعار الفائدة إلى معدلات عالية حيث بلغ سعر الفائدة في كوريا أكثر من 25%. فهل أدت أسعار الفائدة المرتفعة إلى جذب الاستثمارات الخارجية وحماية أسعار الصرف؟ أبداً. عندما تفتقد الثقة فإن مجرد فروق أسعار الفائدة ليست كافية لاجتذاب الاستثمارات إذا كان المستقبل مُلبّد بالغيوم، وخاصة إذا كان الركود الاقتصادي يزيد من احتمالات عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي. وإذا كانت أسعار الفائدة العالية لم تنجح في جذب الاستثمارات الخارجية فقد ساعدت على زيادة حدة الركود وارتفاع معدلات البطالة، والأخطر من ذلك أنها انعكست في تدهور الأوضاع المالية لمعظم المشروعات. فمعظم المشروعات في دول جنوب شرق آسيا – كما هو الحال في مصر – تستدين بمعدلات عالية حيث أن نسبـة القـروض إلـى رأس المـال مرتفعة بهـا، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع معدلات التعثر والإفـلاس بيـن المشروعات. ولم يقتصـر الأمر على المشروعات التي تهددت قدرتها على البقاء وإنما أدى ذلك إلى زيادة معدل التعثر في أداء التزاماتها لدى البنوك وبالتالي تدهورت قيمة أصول البنوك وضماناتها، فزادت المديونيات المشكوك فيها  non-performing assets، وتهددت المراكز المالية للبنوك. ويرى استجلز أن أخطر ما يمكن أن يصيب اقتصاد ما هو تدهور النظام المالي فيه. فالنظام المالي – وخاصة المصارف – هو بمثابة الجهاز العصبي للاقتصاد، فإذا اختل هذا الجهاز اختل الاقتصاد بأكمله. وإذا اقتصر الأمر على بنك أو بنكين فهي مشكلة إدارة لهذا البنك أو ذاك، أما إذا تعلق الأمر بالقطاع المصرفي في مجموعه فإن الأمر يصبح أكثر من ذلك بكثير إذ يتعلق بأداء الاقتصاد القومي في ذاته. وهنا لابد من التدخل والعمل على إنقاذ النظام المصرفي.

وينتهي استجلز من تحليله الطويل إلى أن صندوق النقد الدولي، وقد كان – بشكل ما – السبب في وقوع الأزمة منذ البداية، فإنه بتدخله ونصائحه قد زاد الطين بله وجعل المشكلة أكثر تعقيداً. وأن الأولى في مثل هذه الحالات بدلاً من التركز على حماية أسعار الصرف، العمل على إعادة النشاط الاقتصادي بسياسة مالية ونقدية توسعية. فهذا من شأنه أن يرفع من مستوى النمو الاقتصادي، ويخفف من عثرة المشروعات، ويعيد الحيوية إلى النظام المصرفي. ولعلنا نتذكر هنا أن الثقة في الاقتصاد إنما تستمد من حيوية الاقتصاد ونموه وليس من ثبات أسعار الصرف بأسباب اصطناعية. ولم ينسى استجلز أن يشير أيضاً إلى أن أسرع الدول الآسيوية في استعادة نشاطها كانت ماليزيا التي رفضت “روشتة” الصندوق. وعندما حاول وزير المالية أنور إبراهيم الأخذ بعلاج الصندوق دون التعامل معه مباشرة وذلك برفع أسعار الفائدة، فصله ماهاتيير محمد رئيس الوزراء وفرض قيوداً، مؤقتة، على حركات رؤوس الأموال مع خفض أسعار الفائدة. فاستعادت ماليزيا أوضاعها أسرع من غيرها وأزالت القيود المؤقتة وعادت إلى سابق عهدها. وكانت معظم الأوساط قد هاجمت وصفة ماهاتيير محمد، ولكن نجاحه السريع أسكت هذه الأصوات. وكانت تايلاند هي أكثر من التزم بين هذه الدول بعلاج الصندوق، فكانت آخر من خرج من الأزمة!

ولعله من المفيد أن نلاحظ أن تركيز الاهتمام والمبالغة في حماية أسعار سعر الصرف كان دائماً مكلفاً على الاقتصادات الوطنية. فقد لجأت بعض الدول إلى استخدام الاحتياطي النقدي لتوفير هذه الحماية، ويبدو أن هذا هو ما أخذنا به في فترة سابقة، وكان أن فقد الاقتصاد المصري ما لا يقل عن 7 مليار دولار من الاحتياطي. وتلجأ دول أخرى إلى سياسات انكماشية مثل رفع أسعار الفائدة، مما يؤدي إلى زيادة الركود وانتشار البطالة وغالباً العجز في الموازنة، وفي هذه الحالة فإن خسارة الاقتصاد القومي ربما تصبح أكبر. وهو ما يبدو أن الاتجاه الغالب في مصر يميل إلى الأخذ به حالياً. وقديماً قالوا عن عائلة البوربون والتي فقدت العرش مع الثورة الفرنسية، بأنها “لم تتعلم شيئاً كما لم تنسى شيئاً”. فهل تظل عائلة البوربون استثناء في التاريخ أم لها خلفاء كثيرين.   الله أعلم.

الأهرام: 15.2.2004

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *