بين الصورة في المرآة والصورة في عيون الآخرين

يحب الناس أن يتكلموا عن “الحقائق”، كما لو كانت “الحقيقة” أمراً سهلاً أو واضحاً، يمكن الاتفاق عليه. وللأسف فإن “للحقيقة” عدة وجوه. وهو أمر نمارسه في حياتنا اليومية، فما نراه بالعين المجردة كحقيقة يختلف كثيراً عما يمكن أن نراه من خلال منظار – مكروسكوب أو تليسكـوب – وما يظهر من جوانب من خلال منظور معين قد يخفي جوانب أخرى ربما أكثر أهمية وخطورة من خلال منظور آخر. فالرجل العادي ينظر إلى الأمور من منظور معين، في حين أن العالم أو رجل العلم يمكن أن ينظر إلى نفس الأمر من منظور آخر، وبالتالي تبدو “حقيقة” الرجل العادي مختلفة عن حقيقة رجل العلم. فنحن – كأفراد – نعيش على أرض سوية ومنبسطة، ومع ذلك يأتي لنا العلماء بالقول، بل الأرض كروية أو أشبه بالكروية. ونحن نرى أنفسنا في مركز الكون تدور من حولنا الشمس والكواكب. ويأتي لنا العلماء بالقول بأن الحقيقة هي أن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس. ولم يكن من السهل دائماً أن نتقبل “حقائق” الآخرين. فنذكر كيف أن جاليليو دفع ثمناً باهظاً حين ادانته الكنيسة لأنه أطلق حقائق مختلفة عما تعودت عليه الكنيسة في أن الأرض هي مركز الكون. وإذا كان جاليليو قد دفع ثمناً غالياً لهرطقته وإعلانه “حقيقة” أخرى غير حقيقة الكنيسة، فإن كوبرنكس – والذي سبقه في اكتشاف أن الأرض تدور حول الشمس – كان أكثر دهاء أو ربما أكثر حظاً حيث لم يعلن آراءه على الملأ، ولم يُنشر كتابه إلا بعد وفاته.

أيا ما كان الأمر، ورغم ماتحمله العلماء من تضحيات في سبيل إعلان “حقائق” أخرى، فقد أفادت الإنسانية الكثير من هذه الحقائق الأخرى. واستمر تقدم العلم والانسانية مع ظهور حقائق جديدة مختلفة كل يوم. فجاء نيوتن بعد جاليليو وقدم تفسيراً لحركة الأجسام في عدد محدد من القوانين (قوانين الميكانيكا). وهي قوانينن يبدو أنها تخالف “حقائق” الحياة اليومية التي نعيشها. فالقانون الأول – عند نيوتن – هو أن أي جسم متحرك يستمر في الحركة إلى ما لانهاية في خط مستقيم ما لم توقفه قوة أخرى. وهذا القانون يعارض كل مانراه في حياتنا اليومية، ومع ذلك استطاع نيوتن، بقوانينه أو “حقائقه” المختلفة عن حقائق التجربة اليومية، استطاع أن يفسر حركة الكون من نجوم أو كواكب، كما كانت هذه القوانين هي الأساس في تفسير حركة المواد والطاقة مما ساعد على قيام الثورة الصناعية بمصانعها وآلاتها. وبعد وفاة نيوتن بما يقرب من قرنين، جاء أنشتين “بحقائق” جديدة، تخالف “حقائق” نيوتن. فليس صحيحاً أن الزمن والمكان هي حقائق مطلقة كما يقول نيوتن، وإنما هي حقائق نسبية تتوقف على سرعة المراقب، والمطلق الوحيد هو سرعة الضوء، هكذا يقول انشتين. ويقدم انشتين – على هذا النحو – مجموعة جديدة من الحقائق تختلف كثيراً عن حقائق نيوتن، ولكنها أكثر قدرة على تفسير الكون من الأجرام البعيدة وحيث تزيد السرعة والجاذبية، وهي مع ذلك لاتختلف كثيراً في تفسير الاوضاع المحلية عما يقول به نيوتن. وهكذا يرى البعض أن “حقائق” انشتين أكثر عمومية من “حقائق” نيوتن التي يمكن أن تمثل حالة خاصة منها.

وهكذا، فإن العلماء يتفقون الآن على أن البحث عن “الحقيقة” يجاوز قدرة الإنسان وخياله، وأن أقصى ما يقدر عليه هو السعي المستمر للاقتراب من هذه الحقيقة، دون أن يمكن الوصول إليها. فكل مايستطيعه الانسان هو التعامل مع “المظاهر” وفقاً “لفروض” معينة. وتختلف هذه المظاهر وفقاً لما يتوافر للإنسان من أدوات وأجهزة، وما يحققه من معرفة وعلم سابق. فما يراه الإنسان بالعين المجردة هو غير مايراه بالمنظار، وكلما زادت امكانات الأدوات والأجهزة المتاحة، كلما زادت قدرة الإنسان على اكشتاف “مظاهر” جديدة لم تكن معروفة له. وبالمثل، فإن مايمكن أن يعرفه الإنسان من الحقائق يتوقف على حجم المعرفة المتراكمة لديه. فعالم الفيزياء الآن، يستطيع أن يرى أشياء لا يراها عالم عاش منذ عدة قرون، لمجرد تراكم المعرفة منذ جاليليو ونيوتن وانشتين وغيرهما. وهكذا فإن مجرد تراكم المعرفة، يعطي الفرد قدرة أكبر على رؤية أشياء غير متاحة لغيره في غيبه هذه المعرفة المتراكمة.

والغرض من هذا الإستطراد ليس مناقشة تطور العلم في ذاته، وإنما التأكيد على أننا في الكثير من أمور حياتنا انما نعتمد على “صور” أو”مظاهر”، وأن الحقيقة بعيدة، وربما لايعرفها إلا الله. وإذا كان العلم يتعامل، في الأساس، مع “صور” أو مع مظاهر، فإن حياتنا اليومية تتعامل أيضاً مع “الصور”. وإذا نظرنا إلى الحياة الاقتصادية نجد أن الكثير من الأمور في سلوك الأفراد والجماعات إنما هي نتيجة “انطباعات” و”صور” عن الواقع، رغم أن هذا “الواقع” قد يكون مختلفاً عن تلك “الصور”  والانطباعات. فحتى شهور قليلة كانت شركة انرون Enron الأمريكية هي إحدى أكبر وأنجح الشركات الأمريكية، كما كانت شركة أندرسون هي إحدى أكبر مكاتب المحاسبة العالمية، وكان هذا الانطباع مبنياً على مايعلن من بيانات مالية. وإذا بنا نكتشف أن إنرون نمر من ورق وأن “الصورة” حولها كانت غير حقيقية وأنها شركة مفلسة وأن شركة أندرسون شريك معها في تدليس المعلومات والبيانات المالية. ولم نلبث أن سمعنا عن سلسلة أخرى من الشركات الوهمية مثل شركة وورلد كوم  Worldcomوغيرها. وفقدت “الثقة” واهتزت “الصورة” وتبدلت تماماً، وانهارت أسعارها في البورصات. كل ذلك حدث لأن “الصورة” تغيرت، رغم أن الحقيقة ربما كانت قائمة قبل ذلك بسنوات. ولكن –كما ذكرنا- فإن أمر الحقيقة عند الله، وأما نحن البشر، فليس أمامنا إلا “الصورة”. وعندما كانت “الصورة” جيدة كان كل شيء على مايرام، رغم أن “الحقيقة” كانت مختلفة تماماً عن هذه الصورة الكاذبة.  فلسولك البشر من أفراد وجماعات يتحدد، إلى حد كبير، وفقاً “للمظاهر” و”الصور”، كما تستمد من المعلومات المتاحة والانطباعات المتوافرة. ومن هنا كانت “السمعة” و”المصداقية” اساسية للنجاح في الحياة الاقتصادية.  فالثقة – في التاجر أو الدولة – هي العنصر الأساسي للنجاح، فمعها تفتح الأبواب وتقدم المساعدات. أما إذا فقدت هذه الثقة، فإن التاجر لن يجد أمامه إلا أبواباً موصدة، وينفض الناس من حوله، كما ترفض البنوك التعامل معه.

ومن المهم أن نتذكر أن “الصور” التي تعلن عن دولة أو مؤسسة كثيراً ماتكون غير صحيحة، وتظهر الأيام أنها كانت وهماً وليست حقيقة. فمنذ سنوات قليلة، وفي منتصف عام 1997 أصدر البنك الدولي تقريراً يمتدح فيه الأوضاع الاقتصادية في كوريا الجنوبية، باعتبارها تجربة ناجحة ونموذجاً للاقتداء به. ولم يأت صيف نفس العام حتى وقعت الأزمة المالية لدول جنوب شرق آسيا وانهارت الأسواق المالية وأصيبت كوريا الجنوبية، كما أصيب معظم دول المنطقة بأزمة مالية طاحنة انهارت فيها أسعار الصرف، وهربت الأموال وكادت تعصف هذه الأزمة باقتصاديات هذه الدول. فماذا حدث؟  لقد تغيرت “الصورة”، رغم أن الحقيقة وراءها كانت قائمة لسنوات طويلة، ففساد النظام المالي وهشاشته في هذه الدول لم يكن وليد هذا الصيف، ولكنه كان معششاً لسنوات طويلة سابقة، ولم يظهر إلا في تلك الأيام.

وهكذا يتضح أننا نعيش في عالم تلعب فيه “الصور” دوراً بارزاً في تحديد سلوك الأفراد والجماعات، في الداخل كما في الخارج، وليس معنى ذلك أن “الصور” أمر منبت الصلة تماماً عن “الحقيقة”، وأن أي شيء يمكن أن يقال وأن يصدق. فالواقع أن “الصورة” هي تقريب “للحقيقة”، ولكن هذا التقريب ليس كاملاً ولا دقيقاً. فالصورة كتقريب قد تأخذ أموراً في الاعتبار وتهمل أموراً أخرى، وقد يظهر فيما بعد أن ما أهمل أكثر أهمية مما روعي. كذلك فإن هذه “الصورة” تعتمد على أمور تمت في الماضي، وقد تتغير الأحوال ولايمكن ملاحقة ذلك إلا بعد فترة تطول أو تقصر، وبذلك تكون “الصورة” فيها معبرة عن ماضي ولى وانتهى، كما قد تكون غافلة عن حاضر جديد لم تتمكن من الامساك به والتعبير عنه. ومع ذلك لايمكن أن تستمر “صورة” كاذبة لمدة طويلة، فلابد أن تتغير مع الوقت لكي تتوافق مع الحقائق. ولكن يظل هذا التوافق تقريبياً وليس كاملاً، سواء في الشمول أو في التزامن. وكل ذلك لا يمنع من أن “الصورة” كثيراً ماتلعب دوراً مؤثراً رغم أنها قد لاتمثل الحقيقة الكاملة.

وبعد هذه المقدمة الطويلة عن أهمية “الصورة”، أعود إلى الموضوع الذي أردت أن أتحدث فيه، وهو صورتنا عن “مصر” في الداخل والخارج. أننا نحتفل هذه الأيام بمرور خمسين عاماً على قيام الثورة المصرية في يوليو 1952. وهي مناسبة للتقويم واستخلاص الدروس والعبر.  وفي حديثنا عن الخمسين عاماً الماضية فإننا نجري حواراً مع الذات، يبحث عن صورة مصر خلال خمسين عاماً من منظورنا الداخلي. فهي صورة مستمدة من نظرتنا إلى المرآة. وفي هذا التقييم الذاتي تختلف الآراء بين مناصر للثورة يرى فيها كل الخير، وبين معارض لايرى إلا شروراً. ومع ذلك فإن الرأي الغالب – فيما يبدو – يرى أن الصورة إيجابية بشكل كبير وأننا حققنا نتائج وانجازات هامة على صعيد الاستقلال والحرية. فمن يستمع إلى برامج الراديو والتلفزيون، أو يقرأ المقالات في الصحف، لابد وأن يخلص بهذه الصورة الوردية من مرآتنا.

ولكن هل يكفي أن أن ننظر في المرآة لنعرف الصورة، أم لابد من البحث أيضاً عن صورتنا في أعين الآخرين ومرآتهم. تناولنا في المقال السابق ماورد عن تقرير التنمية الإنسانية العربية ، وما أشير فيه من نقص وقصور في جوانب عديدة من حياتنا في الوطن العربي. ومنذ أيام نشر تقرير التنمية البشرية للعالم، وهو لايقتصر على الوطن العربي وإنما يتناول أوضاع التنمية البشرية على اتساع العالم. وما جاء في هذا التقرير عن مصر يدعو إلى بعض القلق إن لم يكن الانزعاج، فوفقاً لهذا التقرير توضع مصر في وضع متأخر نسبياً بين دول العالم – ترتيب 115 من بين 173 دولة – رغم أن دولاً عربية أخرى مثل الكويت والبحرين والإمارات تحتل ترتيباً أفضل ضمن مجموعة الدول الأعلى تحقيقاً للتنمية البشرية. ومع ذلك فإن هذا الترتيب المتأخر نسبياً لايقلق كثيراً لأن معيار متوسط الدخل الفردي يلعب فيه دوراً كبيراً، والمعروف أن مصر دولة فقيرة، وبالتالي فإن ترتيبها المتأخر قد يرجع بالدرجة الأولى لانخفاض متوسط الدخل الفردي فيها. ولكن، ماذا عن أوضاع الحريات فيها؟ هذه ليست قضية دخل فردي، وإنما هي مسألة مؤسسات ونظم قائمة. ويستند التقرير في عرضه لهذه القضية على عدة مؤشرات واردة في تقارير تصدرها مؤسسات مختلفة – بعضها من منظمات المجتمع المدني وبعضها من المنظمات الدولية – وهي تختلف بطبيعة الأحوال من حيث الجدية والمصداقية. ولكن هذه الصورة العامة من هذه المؤشرات المختلفة تبدو متوافقة، وهي أن الأمور ليست على مايرام تماماً.

ولنتناول بعض هذه المؤشرات. المؤشر الأول عن الأوضاع السياسية Polity Score ويصدر عن جامعة ميرلاند ويتراوح المؤشر بين ناقص (-10) وزائد (+10) وكلما زادت قيمة المعـدل كانت الأوضاع السياسية أفضل، ويضـع المؤشر لمصـر معدلاً ناقص (-6) وهـو أمر غير مريح. ويتناول المؤشر الثانـي وضع الحريـات المدنيـة، وتصـدره مؤسسـة House Freedom(بيت الحرية)، ويتراوح المؤشر بين (1-7)، والدول الأفضل تقترب من الواحد والأدنى تقترب من السبعة، ومعدل مصر فيه 5 أي أقرب إلى الحد الأدنى. والمؤشر الثالث عن الحريات السياسية وتصدره نفس المؤسسة وفقاً لنفس المعدلات، ومعدل مصر فيه ستة (6) أي أننا تقريباً عند الحد الأدنى، والمؤشر الرابع عن حرية الصحافة، ويتراوح هذا المعدل بين صفر ومائة (صفر – 100) وأكثر الدول حرية تقترب من الصفر، وأدناها حرية تقترب من المائة، ومعدل مصر فيه 69 أي أقل من المتوسط. والمؤشر الخامس عن المساءلة والمسؤولية ويصدر عن البنك الدولي، ويتراوح المعدل بين ناقص (-2.5) وزائد (+2.5)، وكلما زادت المساءلة والمسؤولية كلما اقترب المؤشر من (+2.5) ومعدل مصر فيه ناقص (0.65) أي أقل من المتوسط. والمؤشر التالي يتناول الاستقرار ويصدر أيضاً عن البنك الدولي وبنفس المعـدلات، ومعـدل مصـر (0.21) وهو معدل متدن. ومؤشر آخر عن القانون والنظام ويصدر عن مؤسسة الرشد عن مخاطر الدول ويتراوح المعدل بين صفر وستة، وكلما زاد المعدل كان الوضع أفضل، ومعد مصر هناك (4) وهو معدل جيد. وبعد ذلك مؤشر عن حكم القانون ويصدره البنك الدولي وفقاً لنفس معدلات البنك (-2.5 إلى +2.5)، ومعدل مصر 0.21 وهو معدل متدن. وبعد ذلك مؤشر عن فاعلية الحكومة ويصدر أيضاً عن البنك الدولي وفقاً لنفس المعدلات، ومعدل مصر (0.27) وهو أيضاً معدل منخفض، وأخيراً مؤشر عن الفساد ويصدر عن البنك الدولي، وفقاً لنفس المعدلات ومعدل مصر (-1) وهو معدل متدن. وهكذا يتضح من مجموعة هذه المؤشرات أن “صورة” مصر فيما يتعلق بقضايا الحريات المدنية والعامة ليست على مايرام، وهي لاتدعو إلى الاطمئنان.

ليس من الضروري أن تكون هذه المؤشرات موضوعية أو غير منحازة، ولكنها تؤثر على الانطباع العام عن أوضاعنا في عيون الآخرين. وقد يذهب قائل، وما أهمية ذلك طالما أننا مقتنعون بما نحن عليه وأننا راضون عنه. وهل من الواجب أن نخضع سلوكنا لآراء الآخرين وانطباعاتهم؟ سؤال مشروع. وقد تكون لـه بعض الوجاهة. ولكن ليس كل الوجاهة لسببين، الأول هو أننا في عالم أكثر اندماجاً من أي وقت سابق، ونحن في حاجة إلى مزيد من التعاون مع الآخرين. نحن نحتاج إلى الاستثمارات، وهي تتأثر بالصورة السائدة في عيون الآخرين، وأما السبب الآخر فهو أنه من المفيد دائماً أن تعرف الرأي الآخر، فليس من الضروري أن تكون مرآتنا دائماً سليمة وصحيحة. والله أعلم.

الاهرام 25 يناير 2002

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *