بين المؤامرة والمسئولية

                                                                             

بين المؤامرة والمسئولية

دكتور حازم الببلاوى

www.hazembeblawi.com

“مصر مستهدفة”. “نحن ضحية مؤامرة عالمية”. “لن تسمح الإمبريالية العالمية بقيام نهضة فى مصر”. “الصهيونية الدولية تحارب الوحدة العربية بزعامة مصر”. “المسيحية الأصولية لن تقبل بعودة دولة الإسلام وعلى رأسها مصر”. هذه وغيرها بعض الشعارات التى يرددها غير قليل من الكتاب عن أحوال مصر. فهناك مؤامرة كونية ضد عودة مصر لدورها الأصيل فى بناء الحضارة وقيادة العالم. فهل هذا صحيح؟ وهل كله صحيح أم أن فيه قدراً صغيراً أو كبيراً من المبالغة؟ وهل نحن ضحايا أبرياء أم أننا أيضاً مسئولون بشكل كامل أو على الأقل بدرجة كبيرة؟

لست من المعجبين بنظرية “المؤامرة”، ليس لأنها غير صحيحة بالمرة، وإنما لأنها تنطوى على مبالغات شديدة. وقد نشرت مقالاً بهذا المعنى فى هذه الجريدة عن “المؤامرة” فى سبتمبر 1991. ولعل الأمر الأكثر خطورة هو أنها تصرفنا عن أخطائنا أو حتى خطايانا الداخلية، ونبرىء أنفسنا من المسئولية بإلقاء التهمة على الأجنبى والخارج، وكأننا أبرياء قد أدينا المهمة بإكتشاف الجانى، وبالتالى حق لنا أن ننام مستريحي البال، بعد لعن هذا “الأجنبى” الشرير. ومشكلتى مع هذا التبرير هو أنه يعفينا من المسئولية، رغم أنها مسئوليتنا وحدنا.

أما أن الفكرة، وإن لم تكن خاطئة، فإنها غير كاملة، فيرجع ذلك إلى عدة أمور. أما الأمر الأول، فهو أننا لسنا بصدد مؤامرة واحدة بل العديد من المؤامرات المتعارضة والمتقاطعة، والمحصلة النهائية هى فى الغالب نتيجة لهذا الجذب والشد من جهات متعددة وخصوصاً فى ضوء موقف الدولة المعينة ومدى صلابتها. ففكرة “المؤامرة” وإن بدأت من مقدمة صحيحة، وهى أن النتائج هى محصلة للأسباب، فإنها تفترض أن هناك مؤامرة سوبر مثل عصى موسى تلتهم كل المؤامرات الأخرى. وهذا غير صحيح. والأمر الثانى هو أنها تفترض أيضاً أن المتآمر الأكبر (غالباً أمريكا أو الصهيونية) يتمتع برؤية ثاقبة للمستقبل وقوة خارقة ولا يخطىء أبداً. فهو يعرف ما يريد ويحقق أهدافه دائماً حسب رغباته. وقد علمنا التاريخ أن الدول الكبرى ترتكب أخطاء هائلة فى حق نفسها، ومن هنا سقطت الدولة الرومانية بعد ان تربعت على عرش العالم، كما زالت الإمبراطورية الإسلامية، وفى العصر الحديث رأينا تراجع الإمبراطورية البريطانية ثم إنهيار الإمبراطورية السوفيتية. وكثيراً ما كان هذا السقوط أو التراجع بسبب أخطاء هذه الإمبراطوريات نفسها.

والملاحظة الأكثر أهمية فى كل هذا ليس فى سيطرة الأقوياء على مسار الأحداث، وإنما فى ظهور مظاهر للنجاح من دول صغيرة وفقيرة رغم هيمنة الكبار. فإذا كانت الدول الكبرى تهيمن حقاً، على مقدرات العالم وتمنع ظهور منافسين جدد، فكيف نفسر ظهور اليابان كقوة إقتصادية هامة منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر ثم كيف إستعادت دورها بعد الحرب العالمية الثانية؟ ومن باب أولى كيف ظهر العملاق الصينى فى بداية هذا القرن، وكانت الصين حتى منتصف القرن الماضى، دولة مفتتة ضحية حروب أهلية وإنقسامات أيديولوجية؟ وماذا عن دول جنوب شرق آسيا وأغلبها كان خاضعاً للإستعمار حتى الحرب العالمية الثانية؟ ونضيف إلى ذلك الهند والتى ظلت مستعمرة لإنجلترا لعدة قرون وحيث بدأت تطل على العالم كقوة إقتصادية هامة منذ سنوات. وحتى جنوب أفريقيا فإنها، هى الأخرى، بدأت تظهر على الساحة الإقتصادية، وإن على خجل.

اليابان ليست دولة أوروبية ولا تدين بالمسيحية ولون بشرة أبنائها أصفر، وتاريخها بعيد تماماً عن الدول الأوروبية الإستعمارية. وقد حاول الإستعمار مراراً إحتلالها دون نجاح. ومنذ نهاية القرن التاسع عشر قامت بها ما يعرف بحركة الميجى، وجاءت حكومة قوية (1868) بدأت فى تصنيع اليابان، وفى 1904 هزمت روسيا. وقبل مجىء هتلر ظهرت ميول اليابان التوسعية والعسكرية، وإحتلت منشوريا وكوريا ثم تحالفت مع هتلر، ودخلت حرباً شرسة مع الولايات المتحدة بعد الهجوم على بيرل هاربر. وحاربتها الولايات المتحدة بضراوة، وألقت عليها فى نهاية الحرب قنبلتين ذريتين تعبيراً عن الحقد والمرارة. وأخيراً إحتلتها القوات الأمريكية لعدة عقود. فهل نقول أن أمريكا والغرب كانوا يحبون اليابان؟ ومنذ ستينات القرن الماضى عادت اليابان بقوة إلى الإقتصاد العالمى. ولم يكن ذلك ـ بطبيعة الأحوال ـ رغم أنف الولايات المتحدة، ولكنها أثبتت أن ياباناً قوياً إقتصادياً وحليفاً للغرب أفضل من يابان ضعيف إقتصادياً وعدو للغرب. وهكذا عادت اليابان إلى الساحة لأنها بما تقدمه للعالم من مساهمة فى الإقتصاد والسياسة أفضل بكثير مما يمكن أن يتحمله العالم من يابان فقيرة وضعيفة. وكل هذا جاء بفعل أبناء اليابان وجهودهم. لقد أثبتت اليابان لنفسها وللعالم أنها قادرة على النجاح رغم الهزيمة العسكرية ومأساة هيروشيما ونكازاكى، ولم تقتصر على البكاء والنواح.

وإذا كان نجاح اليابان يمكن أن يحسب على السياسة الأمريكية فى صراعها مع الكتلة الشيوعية ومحاولة إيجاد توازن مع الصين الشيوعية، فماذا نقول عن الصين الشيوعية، والتى ظلت حتى السبعينات من القرن الماضى فى عداوة شرسة مع الغرب الرأسمالى؟ قد يقال أن الصين إعتمدت فى نموها الإقتصادى على الدعم الامريكى لموازنة العدو السوفيتى وإضعافه. ليكن. ولكن هل كانت أمريكا تغامر بالإستثمار فى الصين لمجرد عداوة الإتحاد السوفيتى، ما لم تكن الصين قادرة على النجاح والإنجاز؟ كذلك لسنا فى حاجة إلى التذكير بأن الصين لا تنتمى إلى الجنس الأبيض ولا تدين بالمسيحية. ومنذ حوالى قرن ونصف (1840) حاربتها إنجلترا، لأن حكومة الصين آنذاك حاولت أن تمنع تجارة الأفيون بها. ولم تر قوى الإستعمار فى الصين حينئذ سوى سوق لإستهلاك المخدرات. والآن يشهد العالم بأن الصين هى ثانى أو ثالث قوة إقتصادية.

وإذا تركنا اليابان والصين، فماذا عن الهند، والتى كانت درة التاج البريطانى لقرون؟ وقد رحل عنها الإستعمار بعد نهاية الحرب العالمية بعد ضعف الإمبراطورية البريطانية. وظلت الهند على الحياد الإيجابى قريبة من المعسكر الإشتراكى مع التمسك بكل مظاهر الديمقراطية.  وبعد تجربة طويلة ـ مع غير قليل من الإنكفاء على الداخل ـ إنفتحت الهند بعد ذلك على العالم وزادت صادراتها وإستقبلت الإستثمارات الأجنبية. ورغم فقرها، فإنها تمثل حالياً أحد أكبر الإقتصادات العالمية.  وبطبيعة الأحوال، فإن الهند، شأنها شأن اليابان والصين، ليست دولة أوروبية أو مسيحية. ومع كل مشاكل الهند العرقية، فقد نجحت فى أن تصبح، وبجدارة، إحدى مجموعة العشرين. ولم تكتف الهند بهجاء الإستعمار وأعوانه، بل أسست لديمقراطية هائلة مع الإستمرار فى التصنيع وأخيراً الإنفتاح على العالم.

وإذا إنتقلنا الآن إلى دول جنوب شرق آسيا، والمعروفة بالنمور الآسيوية (كوريا وتايوان وسنغافورا وهونج كونج)، ويضاف إليها حالياً إندونسيا وتايلاند وماليزيا. وهذه كلها كانت مستعمرات حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وهى كلها من أصول أسيوية وديانات أسيوية متعددة مع نسبة كبيرة من المسلمين سواء فى إندونسيا أو ماليزيا. وكانت كوريا الجنوبية تقارن كثيراً بمصر، لتقارب عدد سكانهما، وكانا متقاربين فى الأداء الإقتصادى فى الخمسينات (مع تميز لمصر)، وكلاهما عاصر حروباً على حدوده (فى فلسطين مع مصر وما تزال كوريا الجنوبية فى حالة حرب مع كوريا الشمالية).

ونستطيع أن نضيف أمثلة أخرى مثل البرازيل وتركيا وإيرلندا وكلها حقق بدرجات متفاوتة إنجازات إقتصادية وسياسية لا يمكن إغفالها، رغم المشاكل والضغوط الخارجية والداخلية. ولكنها جميعاً، نجحت بجهودها الوطنية رغم أن ظروفها الخارجية لم تكن دائماً مواتية.

الخلاصة هى أننا لا نستطيع أن نتجاهل ما تعرضت له مصر من ضغوط خارجية، وكذا من مضايقات ومن سوء نية أحياناً. هناك دائماً مؤامرات خارجية وأيضاً داخلية وسوف تستمر. ولكن ليس هذا مبرراً لعدم النجاح. النجاح هو مسئوليتنا مع وجود المؤامرات ورغمها. فهذا هو قدر المجتمعات كلها. وليس هناك طريق مرصوف بالورود للنجاح، كما أنه ليست هناك أعذار مقبولة. والكل مسئول عن فشله. والحديث عن المؤامرة ليس إعفاء من المسئولية. النجاح والفشل مسئوليتنا وحدنا. وكفى البكاء على الأطلال، ولنتحمل مسئوليتنا بشجاعة وعزم. والله اعلم

الاهرام 3 ديسمبر 2012

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *