بين تكوين واقتسام الثروة

العلاقة بين الاقتصاد والثروة علاقة وثيقة. وقد أدرك آدم سميث – أبو علم الاقتصاد – هذه العلاقة، فكان كتابه في الاقتصاد تحت عنوان “في ثروة الأمم” هو أول مرجع شامل لعلم الاقتصاد. ومازال هذا الكتاب يحتفظ بأهميته رغم مرور أكثر من مائتي عام على صدوره (1776). ولا ترجع أهمية الكتاب فقط إلى تركيزه على أهمية الثروة لعلم الاقتصاد، ولكن لاهتمامه بفكرة ثروة “الأمة” وليس مجرد ثروات الأفراد.

ويثير الحديث عن “ثروة الأمة” قضيتين مختلفتين وإن كانتا مرتبطتين، تؤثر إحداهما في الأخرى، وهما قضيتا “تكوين الثروة” Creation of wealth و”اقتسام أو توزيع الثروة” Distribution of wealth. فأما أنهما مختلفان، فيرجع إلى أن قضايا تكوين الثروة تتعلق بكل ما من شأنه الإضافة إلى الثروة وبالتالي زيادة الإنتاج. أما اقتسام أو توزيع الثروة فإنها تشير إلى كل ما يؤدي إلى “حسن أو سوء توزيع هذه الثروة بين الأفراد”. الأولى قضية متعلقة “بالكفاءة” أي بالقدرة على الإضافة إلى عناصر الثروة، والثانية متعلقة “بالعدالة” أي بنمط توزيع هذه الثروة ومدى انتشارها أو تركيزها بين الأفراد. وأما أنهما مرتبطتان، فذلك لأن إهمال إحداهما لابد وأن يؤدي إلى فشل الأخرى. فإذا لم يكن الاقتصاد قادراً على تكوين الثروة والإضافة إليها، فإن محاولات توزيع الثروة واقتسامها لابد وأن تصطدم، بعد حين، بالركود وعدم النمو ويصبح توزيع أو اقتسام الثروة اقتساماً للفقر وتوزيعاً له. ومن ناحية أخرى، فإن التركيز على الإضافة إلى الثروة مع إهمال عدالة التوزيع يؤدي إلى اضطراب اجتماعي مما يهدد الاستقرار وهو الشرط الأول للنمو والتقدم، فضلاً أن ذلك قد يؤدي إلى نقص الطلب في الاقتصاد، لأن طلب القلة من الأغنياء، مهما كثر، يظل محدوداً بالمقارنة بطلب الفقراء وهم كثر. وأيا كلن الأمر، فإن المجتمعات الصحية تعمل على تحقيق التوازن بين اعتبارات “تكوين الثروة” والإضافة إلى من ناحية، وبين اعتبارات “توزيع الثروة” واقتسامها من ناحية أخرى، أي بين اعتبارات “الكفاءة” واعتبارات “العدالة”. وقد كان هذا الهاجس في تحقيق التوازن بين هذين المحورين هو أساس الصراع الفكري بين الأيديولوجيات المختلفة. وقد رأى كارل ماركس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أن النظام الرأسمالي قد حقق قفزة وتقدماً هائلاً في تاريخ البشرية لأنه أطلق عنان إمكانات تكوين الثروة بدفع غرائز البشر في الكسب وتحقيق الربح. ولكن هذا الربح بإهماله قضايا حسن التوزيع، قد أدى إلى تركيز الثروات وإفقار الغالبية لمصلحة الأقلية، ومن ثمّ فجر عناصر القلق والاضطراب التي سوف تؤدي إلى الثورة والقضاء على النظام الرأسمالي نفسه، وإقامة الاشتراكية. وجاءت الاشتراكية كرد فعل للرأسمالية، وأعلت قيمة “عدالة التوزيع” وتراجعت اعتبارات “تكوين الثروة”. وعندما قامت الثورة الاشتراكية الأولى في الاتحاد السوفييتي، كان القائمون عليها خاصة – لينين – مدركين لأهمية “تكوين الثروة” فوجهوا عناية كبيرة للتصنيع الثقيل باعتباره أساس تكوين الثروة، ولكنهم قضوا في الوقت نفسه على الحافز الشخصي واستبدلوه ببيروقراطية لم تلبث أن ظهرت بأبشع صورها في الهدر والتبديد والفساد.

وهكذا فشل النظام الاشتراكي في تحقيق عدالة التوزيع لأن البيروقراطية الجديدة وأعضاء الحزب الواحد فهموا توزيع الثروة بمعنى استيلائهم على المزايا والمنافع لصالحهم الخاص، وفي الوقت نفسه فشل هذا النظام في تكوين الثروة لانعدام الكفاءة في أداء البيروقراطية. وهكذا وصلت الاشتراكية إلى طريق مسدود، وكان مآلها إلى الزوال. لقد جاءت الاشتراكية لعلاج أمراض الرأسمالية في نقص “العدالة” فإذا بها تفشل في هدفها في تحقيق “العدالة” كما عجزت عن مسايرة النظام الرأسمالي في توفير “الكفاءة” بالإضافة إلى أنها دفعت ثمناً غالياً في التضحية بالحريات الفردية.

ومع انهيار الكتلة الاشتراكية في العقد الأخير من القرن العشرين، عادت قضية الكفاءة والعدالة من جديد إلى الصدارة. كيف يمكن التوفيق بين اعتبارات “تكوين الثروة” واعتبارات “عدالة توزيع هذه الثروة؟” وكانت الرأسمالية قد تعلمت درساً مع قيام الثورة الاشتراكية في العشرينات من القرن العشرين المتوحشة بالعديد من قوانين والعمل والتشريعات الاجتماعية للضمان الاجتماعي والضرائب والإنفاق على الخدمات العامة وضمان حدود دنيا لمستويات المعيشة. وتظل مع ذلك المعضلة قائمة خاصة في دولنا النامية.

ويمكن القول بشكل عام إن الحكومات أكثر قدرة على التدخل المباشر في توزيع الثروة منها على التدخل المباشر في زيادة أو تكوين الثروة. فالدولة تتدخل في التوزيع عن طريق الضرائب والإنفاق وإقامة شبكات للضمان الاجتماعي وتوجيه الإنفاق لمصالح الطبقات الفقيرة في توزيع الثروات فقد مالت – في عهود الاستبداد – إلى التعسف والمبالغة. أما تدخل الدولة المباشر في زيادة الثروة عن طريق الإنتاج العام (القطاع العام) فقد أثبت – فيما عدا استثناءات محدودة – فشله. ومع ذلك فإن دور الدولة غير المباشر في تكوين الثروة أمر أساسي، وهو يمثل الدور الأساسي لدور الدولة الاقتصادي من حيث توفير المناخ القانوني والسياسي المناسب للاستثمار والإنتاج، بإيجاد نظام تنفيذ سليم لضمان الحقوق وضمان تنفيذ التعاقدات، ونظام قضائي عادل وسريع، ووضع سياسات نقدية تضمن الاستقرار النقدي، والأخذ بنظام ضريبي عادل ومحفز للنشاط الاقتصادي، وتوفير قاعدة للبيانات والمعلومات السليمة تمكن من حسن التنبؤ والتخطيط وتوفير الخدمات الأساسية في البينة الأساسية، وتحقيق نظام تعليمي وتدريبي مناسب لتهيئة القوة العاملة للمشاركة الجادة في تكوين الثروات. أما الأفراد فالأصل أنهم أقدر على المشاركة في تكوين الثروات ودورهم في إعادة توزيع الثروة أقل وضوحاً من دور الحكومات. ومع ذلك فكثيراً ما يؤدي المناخ السائد إلى أن ينحرف الأفراد عن دورهم الطبيعي في تكوين الثروة إلى الاهتمام باقتسام الثروة والاستحواذ على القائم منها، كما يحدث عندما تزيد أهمية المضاربات وخاصة العقارية والاستيلاء على الأراضي أو شيوع عمليات الاحتيال والسرقة والنهب والفساد في إدارة المال العام، ولا يحول ذلك طبعاً أن يكون للأفراد دور مشروع – ولكنه محدود – في توزيع الثروة عن طريق مساهمتهم في الأعمال الخيرية.

وهكذا يتضح أن العمل على تحقيق التوازن بين اعتبارات “تكوين الثروة” واعتبارات توزيعها، يتطلب تكاملاً في أدوار الدولة والأفراد. الدول تعمل على توفير الشروط ومنع الانحرافات مع عدم التدخل المباشر في الإنتاج – إلا استثناء. وفي نفس الوقت تقوم الدولة بالعمل على تحقيق أكبر قدر من العدالة في التوزيع وبما لا يخل باعتبارات الكفاءة. أما الأفراد فيجب أن ينصرفوا إلى العمل في الإنتاج وزيادة الثروة بعيداً عن محاولات اقتسام أو نهب الثروات العامة والخاصة مع تحمل مسؤولياتهم في أعمال الخير العام. وفي جميع الأحوال لابد – لسلامة المجتمع وتقدمه – من الحرص على مبدأي الإضافة إلى الثروة وحسن توزيعها.

لا جدال في أنه لا يمكن التفريط في أحد الاعتبارين – الكفاءة والعدالة – أو إهدارهما كلية. فلابد في نظام اقتصادي سليم من توافر القدرة على تكوين الثروة، كما لابد من احترام درجة من عدالة التوزيع. ولكن هذا الإعلان وحده لا يكفي لحل المشكلة. فالنظم الاقتصادية كلها – أو أغلبها – تدعي أنها تراعي الأمرين بدرجة أو أخرى، ولكنها تختلف في درجة الاهتمام وفي مركزي الأولوية لكل منهما. وهناك من النظم التي تفشل في الأمرين معاًً، فلا هي تحقق نمواً مضطرداً وزيادة معدل النمو الاقتصادي، ولا هي توفر توزيعاُ عادلاً للدخول والثروات. وهذه للأسف بعض أحوال دولنا النامية. وإذا استبعدنا هذه الحالة الشاذة – رغم انتشارها – فإن بعض النظم الاقتصادية تعطي اهتماماً أكبر لقضية تكوين  الثروة أو لقضايا الكفاءة بشكل عام، في حين أن نظماً أخرى تميل إلى ترجيح اعتبارات حسن “توزيع الثروة” أو اعتبارات “العدالة”.

ولكل من الاتجاهين أنصار وأعداء، فأنصار ترجيح اعتبارات الكفاءة يرون أن الأساس في تقدم الأمم هو زيادة الثروة وبالتالي فمن الطبيعي إعطاء الأولوية لتكوين الثروات، وأن زيادة الثروة، يؤدي في النهاية إلى حسن التوزيع والعدالة. فالثروة – وفقاً لهذا المفهوم – تتساقط وتعم الجميع Trickling Down. ويرى أنصار هذا الاتجاه أن تجربة الدول الصناعية الرأسمالية بدأ بتركيز الثروة ثم ما لبثت أن أدت إلى شيوع الرخاء. فكفاءة الإنتاج ما تلبث أن تطرح قضية العدالة والمساواة، والتقدم الاقتصادي يؤدي عادة إلى عدالة التوزيع. وقد كانت الطبقات العاملة في تلك الدول الصناعية هي أكثر المستفيدين من هذا التقدم الاقتصادي، ويكفي في هذا النظر إلى التناقض بين أحوال هذه الطبقات في القرن التاسع عشر وأحوالهم في القرن العشرين. فقد عانوا في بداية مراحل الثروة الصناعية، وها هم يجنون المنافع بعد استقرار وتعمق النمو الاقتصادي ويرى أنصار قضية توزيع الثروة والعدالة، على العكس، أن إهمال عدالة التوزيع فضلاً عما يسببه من مظالم، فإنه لا يؤدي بالضرورة إلى النجاح في تكوين الثروة، بل قد يكون وبالاً عليها. فمع انتشار الفقر وتدهور الصحة العامة ونقص الخدمات العامة – والمستفيد الأكبر منها هم الفقراء – فإنه لا يمكن تحقيق أي تقدم أو نمو اقتصادي مع يد عاملة جاهلة وضائعة ومريضة. فعدالة التوزيع ليست فقط قضية اجتماعية بل هي أيضاً قضية اقتصادية. وأخيراً فإن الاعتقاد بإمكان تحقق العدالة وحسن التوزيع وانتشار الرخاء مع تكوين الثروات ودون تدخل سياسات حكومية واعية إنما هو وهم أو تغرير. وتظل القضية مطروحة، باستثناء الاتفاق النظري العام على ضرورة تحقيق نوع من التوازن بين الأمرين، فإن الخلاف مازال كبيراً في العمل بين من يرون ضرورة إعطاء الأولوية لقضايا الكفاءة وبين من يرون بل الأولوية يحب أن تكون دائماً لعدالة التوزيع.

ونجد هذا الخلاف في جميع المجتمعات، والمتقدم منها والمتخلف، كما نصادفه في جميع الطبقات، وإن كان الميل لاعتبارات الكفاءة وتكوين الثروات يكون أكثر وضوحاً بين رجال الأعمال في حين أن الميل لعدالة التوزيع يكون أكثر انتشاراً بين العاملين، كذلك يمكن أن يختلف المزاج يبن فترة وأخرى، فحيثما تميل الكفة إلى جانب على حساب الجانب الآخر، يظهر رد فعل مناوئ وتميل الكفة من جديد للجانب الآخر. وقد استطاعت الدول الديمقراطية من خلال الحريات العامة والتعددية السياسية أن تسمح – عند الاختلال – بالتحول السلمي من اتجاه إلى آخر وبما يعيد قدراً من الاتزان دون مزيد من التضحية بإحدى القيمتين على حساب الأخرى. والمتابع للتاريخ السياسي في الدول المتقدمة – في إنجلترا أو فرنسا أو الدول الاسكندنافية – خلال القرن الماضي يلاحظ انتقال البندول بين حكومات – اليمين – التي تعطي الأولوية “للكفاءة” وحكومات – اليسار – التي ترجع اعتبارات “العدالة” بما يوفر لها توازناً معقولاً ومقبولاً ويحقق التعايش والاستمرار بين اعتبارات تكوين الثروة واعتبارات توزيعها. فالحرية السياسية والديمقراطية، وهي توفر مشروعية الحكم وتسمح بتداول السلطة، تساعد على توفير مسار مناسب يسمح بتصحيح التشوهات والانحرافات بلا تضحية مبالغ فيها لأي من اعتبارات الكفاءة واعتبارات العدالة في فترة أو أخرى. بل إن الحرية لا تضمن فقط منع اختلال التوازن بين اعتبارات الكفاءة واعتبارات العدالة، ولكنها تحول أيضاً دون وقوع أسوأ الأوضاع وهي أحوال انعدام الكفاءة واختفاء العدالة معاً وذلك عندما يسود الكساد ويزداد تركيز الثروات، وقد أشرنا إلى أن هذه الأوضاع، رغم شذوذها، فإنها ليست نادرة، وحينئذ تكون الحرية هي الملاذ لأنها تسمح بكسر الجمود وتعديل المسار. فقضية الحرية السياسية هي أيضاً في صلب مسار التنمية الاقتصادية كما هي مطلوبة لذاتها.   والله أعلم

    الاهرام: 22.12.2002

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *