بين حكومة تسيير الأعمال والحكومة الانتقالية

بعد تخلى الرئيس السابق مبارك عن منصب رئيس الجمهورية وتكليفه المجلس الأعلى للقوات المسلحة بـ«إدارة شؤون البلاد»، أصدر المجلس بياناً باستمرار حكومة السيد/ أحمد شفيق لتسيير الأعمال، لحين تشكيل «حكومة انتقالية».

 وبذلك بدا واضحاً أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يفرق بين حكومة «تسيير الأعمال» و«الحكومة الانتقالية»، وأن الحكومة القائمة آنذاك هى «حكومة تسيير أعمال».

وهكذا يتضح أننا بصدد ثلاثة أنواع من الحكومات. هناك أولاً «الحكومات العادية» فى ظل الأوضاع العادية والطبيعية، ولكن هناك أيضاً «حكومات تسيير الأعمال» من ناحية، و«الحكومات الانتقالية» من ناحية أخرى.

 أما «الحكومات العادية» فهى التى تعمل فى إطار دستور قائم وغير متنازع عليه وفى ظل نظام سياسى مستقر وغير مشكوك فى شرعيته.

وعادةً يكون لمثل هذه الحكومة برنامج سياسى معلن لكن تنفذه خلال فترة بقائها.

فهذه حكومات تعمل فى إطار من الاستقرار النسبى والقبول العام للأوضاع، وتأتى هذه الحكومات بأمل تحقيق بعض الإنجازات فى هذا الإطار العام المستقر للنظام السياسى والدستور. أما حكومات «تسيير الأعمال» فهى حكومات وقتية تقوم بدور الحارس فى الفترة بين انتهاء حكومة سابقة بعد استقالتها أو إقالتها وقبل تشكيل حكومة جديدة تخلفها.

وهذه الحكومة هى حكومة إبقاء الوضع القائم، فهى حكومة «إدارة» وليست حكومة تصرف، فوظيفتها الوحيدة والأساسية هى ضمان استمرار الحياة الطبيعية دون تعطيل، ولكنها ليست مفوضة بالقيام بأى تغييرات فى الأوضاع القائمة تنفيذاً لسياسات أو توجهات جديدة، فهى أشبه بالحارس القضائى الذى تعينه المحكمة لحماية الأموال المتنازع عليها لحين الفصل فى النزاع.

أما «الحكومات الانتقالية»، فرغم أنها تكون عادةً حكومات وقتية، فإنها قد تكون أخطر الحكومات لأنها تعمل على إزالة نظام قديم زائل ووضع أسس لنظام جديد قادم. وهذه مهمة مؤقتة بطبيعتها، ولكنها مهمة صعبة وخطيرة فى نفس الوقت، لأنها تضع أسس نظام سياسى جديد قد يستمر لقرون. ومن هنا أهمية «الحكومات الانتقالية».

وقد نتهاون مع حكومات «تسيير الأعمال» لأنها مؤقتة لأسابيع أو حتى شهور وليس لها من دور سوى القيام بأعمال الإدارة دون التصرف أو إجراء تغييرات مهمة. وبالمثل فقد نتحمل حكومات عادية غير كفؤة، لبعض الوقت، لأنها تعمل فى إطار نظام قائم ومستقر، وفى جميع الأحوال فلا يمكن أن يتجاوز عمرها عدة سنوات.

أما «الحكومات الانتقالية» فإن خطورتها ترجع إلى أنها تضع أسس النظام السياسى القادم الذى قد يستمر لعقود أو حتى قرون.

وإذا كانت هذه الأسس معيبة أو مختلة، فقد تؤدى إلى معاناة الشعب لأجيال طويلة قادمة. فهذه الحكومات للفترات الانتقالية هى التى تضع الإطار العام للأسس الدستورية، وهى المسؤولة ليس فقط عن تقديم مقترحات للمستقبل بل هى المنوط بها تصفية ومحاسبة أسس النظام السابق.

ولذلك فإن عدم التوفيق فى اختيار هذه «الحكومة الانتقالية» هو أخطر بكثير من التهاون فى بقاء حكومة تسيير أعمال أو حتى فى اختيار «الحكومات العادية».

فالحكومة الانتقالية تقوم بأخطر مهمة فى وضع أسس النظام القادم وتصفية الأوضاع البالية، وأى تهاون فى هذين الأمرين قد تكون له نتائج بعيدة الأمد وقد تعيش معنا لأجيال قادمة. الثورة شىء مهم ونادر فى نفس الوقت، واختيار «الحكومة الانتقالية» المناسبة هو الضمان الوحيد لحماية آمال الثورة وترجمتها إلى مؤسسات قادرة على تحقيق تطلعاتها فى المستقبل.

وإذا نظرنا إلى حكومة الفريق أحمد شفيق نجد أنها ولدت فى ظروف استثنائية واستمرت على الساحة بقوة الأمر الواقع ودون اختيار حقيقى من أصحاب المصلحة. فقد شكلت هذه الحكومة فى ظروف استثنائية، عندما فوجئ الرئيس السابق بقيام ثورة شعبية غير متوقعة فى نظره، فشكل حكومة جديدة من رجل مخلص له لم تعرف عنه انحرافات مشهورة، وذلك بغرض تقديم بعض «التنازلات» المعقولة لمطالب الثوار. ولاحظ أن الهدف منها كان تقديم «تنازلات»، فهى حكومة تقديم تنازلات ليست وليدة «قناعات» لدى المسؤولين بقدر ما هى نوع من التراجع التكتيكى تحت ضغط الشارع.

 وفارق كبير بين من يرى فى مطالب الجماهير استرداداً لحقوق أهدرت، وبين من يقدمها «تنازلاً» ثمناً للبقاء فى السلطة. ومن هنا أيضاً تفهم التصريحات غير الموفقة لرئيس الحكومة المعين آنذاك عن «الهايدبارك»، و«الحلوى والبونبونى» للمتظاهرين!

 فالفريق شفيق كان مقتنعاً بأن نظام الرئيس السابق باق، وأنه جاء لتنفيذ سياسته فى استيعاب مطالب الجماهير. وقد كان تنحى الرئيس، غالباً، بنوع من الضغط فى القوات المسلحة فى ظل المطالب الشعبية، وقد جاء هذا التنحى مفاجأة للفريق شفيق نفسه الذى ظل يردد أن الرئيس باق.

ومع تنحى الرئيس السابق وتولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة «إدارة شؤون البلاد» صدر بيان المجلس باستمرار حكومة السيد/ أحمد شفيق لتسيير الأعمال لحين تشكيل «حكومة انتقالية».

وهكذا بدا أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يرى أن هناك فارقاً بين حكومة تسيير الأعمال والحكومة الانتقالية، وأن حكومة شفيق هى مجرد حكومة تسيير أعمال لحين تشكيل الحكومة الانتقالية.

ولم يكن واضحاً للجميع- بما فيهم حكومة شفيق- ما هو دورها أو مستقبلها.. هل هى «حكومة تسيير أعمال» لحين تشكيل «الحكومة الانتقالية» أم أنها هى الحكومة الانتقالية نفسها؟

وكأى رجل سياسة فقد بدأت حكومة الفريق شفيق التصرف على أساس أن حكومته مستمرة، وقام بتشكيل لجنة للنظر فى تعديل الدستور من بعض الخبراء القانونيين ورجال القضاء، كما بدأ فى التشاور لتعديل حكومته بإدخال عناصر جديدة فيها.

وفى نفس الوقت شكل المجلس الأعلى للقوات المسلحة لجنة أخرى لتعديل بعض مواد الدستور، ولم يعرف مصير اللجنة السابقة التى شكلها الفريق شفيق، وهل يتكامل عمل اللجنتين أم أن الأخيرة تلغى الأولى.

ورغم أننا مازلنا فى إطار فترة قصيرة منذ وقوع الزلزال السياسى بقيام الثورة الشعبية فى ٢٥ يناير ثم تنحى الرئيس السابق فى ١١ فبراير، فإن هناك غموضاً كبيراً فى طبيعة حكومة شفيق ودورها.

فهو يرأس حكومة بخطاب تكليف من الرئيس السابق وفى إطار النظام السياسى السابق، وعدلت هذه الوزارة دون تكليف جديد، ولا نعرف ما هى مهمة هذه الوزارة؟ هل هى «وزارة تسيير أعمال» أم هى «وزارة انتقالية»، ولم يقدم رئيس الوزارة أو مجلس الوزراء أى تصور عن برنامجه، والأمور تجرى بقوة الدفع الذاتى دون رؤية واضحة، أو على الأقل دون رؤية معلنة.

وأياً ما كان الأمر، فإنه من المشروع التساؤل، هل تقوم حكومة شفيق بدور الحكومة الانتقالية؟ وهل تصلح لذلك؟ هذه أسئلة مهمة من حق الناس أن تجد أجوبة مناسبة لها.

وأود هنا أن أعبر عن رأيى الشخصى فى هذه القضية المهمة، أعتقد- مخلصاًَ أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة كان موفقاً فى بيانه عندما دعا إلى استمرار حكومة شفيق باعتبارها «حكومة تسيير أعمال» لحين تشكيل «حكومة انتقالية».

فقد كان هذا هو التصرف الوحيد المنطقى والمسؤول. فهناك ثورة قامت لمطالب مشروعة، ومعنى ذلك ببساطة هو أن هناك نظاما قديما فقد سقط وأننا بصورة وضع الأسس لنظام جديد. ولكن القديم لا يتوارى من تلقاء نفسه كما أن الجديد لا يبزغ من فراغ، ولابد من تمهيد الأرض لإزالة القديم وإرساء الأسس للنظام الجديد. وهكذا فإن وجود مرحلة انتقالية أمر لا غنى عنه، لكى تتحقق مطالب الثورة بأقل قدر من الخسائر والتكاليف.

 وفى نفس الوقت فإن تشكيل حكومة انتقالية ليس بالأمر السهل أو الهين، خاصةً أن الأحداث جاءت مفاجئة للجميع. ولذلك فإن قدراً من التروى والتمحيص أمر لابد منه، فالفترة الانتقالية هى أخطر الفترات ولا تتحمل الأخطاء أو التسرع. هذا مفهوم وضرورى، ويترتب على ذلك ضرورة وجود «حكومة تسيير أعمال» لضمان عودة الحياة الطبيعية، ولكن مسؤولية هذه الحكومة تقتصر على أعمال الإدارة اليومية دون أن يكون لها دور مؤثر فى مستقبل الحياة السياسية فى مصر. وكل ذلك تمهيد لاختيار «الحكومة الانتقالية».

كل هذا صحيح ولكن هناك خطراً، قد لا يكون مقصوداً، ولكنه قد يكون قاتلاً ويصيب الثورة فى مقتل. هذا الخطر هو أن تتحول «حكومة تسيير الأعمال»، بحكم الواقع وليس بقرار صريح، لتصبح هى «الحكومة الانتقالية».

 وهذا ما ينقلنا إلى السؤال التالى، هل تصلح حكومة شفيق لأن تكون حكومة انتقالية؟

الإجابة هى لا. لا تصلح حكومة شفيق للقيام بدور الحكومة الانتقالية، بل إنها، وهذا هو الأكثر أهمية، تشكل خطراً على المرحلة الانتقالية نفسها ومن بعدها على النظام الجديد المطلوب. لن أتحدث عن النوايا الطيبة، فقد يحمل أحمد شفيق وأعضاء حكومته أنبل النوايا لوضع أسس نظام سياسى جديد ومختلف، بما يحقق أمانى ومطالب الشعب.

ولكن، وهذه نقطة أساسية فى العمل السياسى، فإن ثقة الشعب واطمئنانه لحكامه أكثر أهمية من نوايا الحكام. فكما أن شفاء المريض يتطلب ثقته فى طبيبه وعلمه وأمانته، فإن الشرط الأول لنجاح الحاكم هو أن يحوز ثقة شعبه.

ولعل أهم نجاحات الثورة الشعبية هى نجاحها فى إحياء روح الشعب وثقته فى نفسه وفى مستقبله. فأكبر منجزات هذه الثورة ليس فى تغيير نظام أو تنحية حاكم، بقدر ما هو عودة الأمل لقدرات هذا الشعب الكبير. وقد توالت الأحداث على نحو جعل من أحمد شفيق- ربما على غير الحقيقة- ربيب الرئيس السابق، وجاءت حكومته الأولى متضمنة عدداً من أسوأ عناصر العهد السابق وأكثرهم إثارة لغضبهم.

وليس من السهل أن تمحى هذه الصورة العالقة فى أذهان الإنسان، ومن الظلم لثورتنا المجيدة أن نعرقلها، بسبب شخص حتى وإن كان- فى ذاته- رجلاً فاضلاً، فالسياسة تتعامل مع الانطباعات التى يحملها الناس، حتى وإن لم تكن دائماً دقيقة. وقد ساعد أحمد شفيق نفسه على تأكيد هذا الانطباع بتعليقاته غير الموفقة عن الأحداث الجسام التى كانت تجرى فى الشارع.

بقى أن نشير إلى كلمة أخيرة وهى أن الثورة قد فجرها الشباب ودعمها الشعب بكل طوائفه وأجياله كما أن الجيش قد أنجحها. ولنا فيما يجرى على جوارنا فى ليبيا عبرة حيث لم يفلح الجيش حتى الآن فى وضع حد لتضحيات الشعب الليبى. وعندما ارتفعت الهتافات فى ميدان التحرير وغيره بأن «الشعب والجيش- يد واحدة»، فقد كان تعبيراً صحيحاً وصادقاً. وعلى الجيش عن طريق المجلس الأعلى للقوات المسلحة- أن يستمع لصوت الشعب. والله أعلم.

 المصرى اليوم 3 مارس 2011

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *