بين هانتجتون وبن لادن

من الطبيعي أن هناك من لا يعرف من هو هانتجتون، أما بن لادن فأغلب الظن أن الجميع قد سمع عنه. وكان صامويل هانتجتون قد اكتسب شهرة بين المفكرين في بداية التسعينات – وبعد انتهاء الحرب الباردة واختفاء العدو الشيوعي لأمريكا – وذلك عندما نشر مقالاً في مجلة فورين أفيرز Foreign Affairs الأمريكية (1992) عن “صدام الحضارات”. وملخصها أنه مع نهاية الحرب الباردة فإن عصر صراع الأيديولوجيات – الرأسمالية والشيوعية – قد انتهى ليبدأ عصر “صدام الحضارات”. وعدد أكثر من عشرة حضارات كانت على مدار التاريخ مجالاً للصراع فيما بينها. وبالنسبة للمستقبل – في ذلك الوقت – فإنه أشار إلى أن الغرب يمثل الحضارة المسيحية وأنه – في الغالب – سيواجه صداماً مع الإسلام – غالباً بالتحالف مع الكنفوشية في الصين. وهكذا تنبأ هانتجتون في ذلك الوقت، بأنه بعدما اختفى العدو القديم – الاتحاد السوفييتي – فإن الإسلام هو العدو الجديد للغرب. وبعدها بسنتين أصدر كتابه بنفس العنوان وإن عدل بعض الشيء من أفكاره، بالقول بأن هذا الصراع ليس حتمياً، بل يمكن تجنبه. وقد أثار المقال ثم الكتاب ردود فعل كثيرة، حتى أن مجلة فورن أفيرز أشارت إلى أنها لم تتلق في تاريخها عدداً من التعليقات بهذه الكثرة منذ مقال جورج كينان في نفس المجلة عن “احتواء الاتحاد السوفييتي” في (1946).

وكما هو الحال في معظم الصرعات الفكرية الجديدة، تراجع الاهتمام بهانتجتون وبالتالي الحديث عن صدام الحضارات، وانشغل الناس والمفكرون بأشياء أخرى. ومع ذلك فيبدو أن كان هناك وسط جبال أفغانستان، شيخ – بن لادن – يشارك هانتجتون أفكاره في حتمية الصدام بين الغرب والإسلام، ولكنه بدلاً من أن يصدر كتاباً جديداً أو ينشر مقالاً، فقد أطلق صواريخ – طائرات عملاقة – على أبرز معالم دولة هانتجتون سواء في عاصمتها المالية (نيويورك) أو السياسية (واشنطن). وسمعنا – والعديد منا لأول مرة – أن وراء هذه الاعتداءات منظمة “القاعدة” والجهاد الإسلامي، وظهر على الساحة بن لادن. وهكذا عاد هانتجتون ونظرياته إلى الواجهة من جديد ولسان حاله يقول: “ألم أقل لكم؟” وقام الشك بين معظم العقلاء من المسلمين هل هذا معقول؟ هذا أمر غير ممكن. لعلها مؤامرة. ولكن بن لادن نفسه رأى أن يقطع الشك باليقين، فخرج هذه المرة – ليس بصاروخ أو كتاب – وإنما بفيلم تلفزيوني مصور يقول فيه ما معناه: نعم، لقد فعلنا ذلك حرباً على اليهود والصليبيين. أي والله؛ لابد إذن أن يكون هانتجتون محقاً، فهناك – على الأقل – عدد من الجماعات الإسلامية التي لا ترى في الصراعات السياسية والاقتصادية المعاصرة إلا وجهاً واحداً، هو الخلفية الدينية لكل الصراعات. وهكذا يتضح أن كلاً من هانتجتون وبن لادن –على اختلاف مواقعهما – متفقان تماماً. هناك – من وجهة نظرهما – صراع أديان.

وإذا كان بن لادن قد أنصف هانتجتون ودعم رؤيته فإنه قدم في نفس الوقت هدية العمر لكل أعداء الأمة العربية والإسلامية. ففي الوقت الذي بدأت فيه المقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، تكتسب قبولاً باعتبارها حقاً للمقاومة الوطنية ضد الاحتلال، وفي الوقت الذي بدأ فيه الشيشان يحققون تعاطفاً فيما يلقونه من اضطهاد في ذلك الوقت، جاء الإنقاذ على يد زبانية السيد بن لادن، بتدعيم المقولة بأن هذه ليست مقاومة ولا حرب تحرير، وإنما هي “الإرهاب الإسلامي”، حامل لواء الحرب الدينية. وهكذا كان بن لادن هو الحليف الموضوعي لأفكار هانتجتون. فالإسلام “المتطرف” – وهي صفة للتلطيف – هو العدو الأول للعالم، ومن ثم ينبغي تهذيبه وترويضه وإعادة تربيته. هذا ما فعله بنا بن لادن.

وبدأت الدول العربية والإسلامية في محاولات لتجميل صورتها وترميم منظرها – والحقيقة أن العديد منها يحتاج إلى أكثر من التجميل والترميم – وشعوبها ضائعة بين ضغوط خارجية لا أحد يعرف مداها أو حقيقتها وضغوط داخلية على حكومات منهكة.

وفي هذه الأثناء لم يكن المفكرون في الغرب – وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية – عاطلون بل كانوا يفكرون حول الأحداث الجديدة، خاصة وأن إرهاب 11 سبتمبر قد جاء معاصراً لتطور آخر أكثر خطورة وعمقاً وهو ما يعرف بالعولمة في ظل القطب الواحد. فأصدر المفكر الأمريكي بيرزنسيكي – والذي عمل مستشاراً للأمن القومي للرئيس كارتر – كتاباً عن مستقبل الدور الأمريكي فيما أسماه “الاختيار”. وهو يرى أن أمريكا وقد أصبح لها هذه القوة الهائلة، فعليها ألا تحاول “السيطرة” أو الهيمنة على العالم وإنما تعمل على “قيادته”. وهناك فرق بين السيطرة والقيادة. فالقيادة مسئولية، وهذا هو “الاختيار” أمام الولايات المتحدة الأمريكية. وفي نفس الوقت أراد هانتجتون أن يدلي بدلوه في الموضوع فأصدر في العام الماضي كتاباً جديداً هاماً عن المجتمع الأمريكي بعنوان “من نحن؟” Who are we? ويقصد بنحن الأمريكيين. ما هي هوية أمريكا الآن؟ هذا هو الجدل الكبير الذي يفتحه هانتجتون في كتابه الجديد. فماذا يقول؟

يرى هانتجتون أن أحداث 11 سبتمبر 2001 قد فتحت باباً كان مغلقاً وبالتالي وجب مواجهته الآن، وبصراحة. هذا الباب هو السؤال الأعظم أمام الأمريكيين الآن. من نحن؟ ولتكن البداية مع التاريخ.

ربما فاجأت حرب الاستقلال الأمريكية معظم المستوطنين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم رعايا الملك جيمس في لندن، وأنهم بالتالي جزء من الشعب الإنجليزي – من وراء البحار. وإذا كان الاستقلال قد أنشأ أمريكا كدولة، فإن فكرة “الشعب الأمريكي” لم تولد إلا مع الحرب الأهلية، ثم جاءت الحربان العالميتان الأولى والثانية لتصهر هذا الشعب في وحدة وطنية ومعها ظهرت “الهوية الأمريكية”. ويرى هانتجتون أنه قد تكونت لدى الشعب الأمريكي حتى منتصف القرن العشرين نوعاً من “الهوية” أو الوحدة النفسية والتي تقوم أساساً على مفهوم المجتمع “الإنجلو – سكسوني البروتستاتي الأبيض”، وهو ما كان يطلق عليه WASP، وأن هذا المفهوم يتضمن عناصر متعددة. فهناك عناصر لغوية (الإنجليزية) وعنصرية (الرجل الأبيض) وعرقية (الإنجلو – سكسونية) ودينية (مسيحية – بروتستانتية) وأخلاقية (حب العمل، الحرص، والتضامن) ومؤسسية (الفردية، حرية الاعتقاد، والحريات السياسية ودولة القانون).

والجديد هنا عند هانتجتون هو أن هذه العناصر قد بدأت تتحلل وتتلاشى الواحدة بعد الأخرى منذ بداية القرن العشرين وخاصة بعد منتصفه بعد أن زادت أعداد المهاجرين، وخاصة من غير دول أوروبا الشمالية. فالإنجليزية، لم تعد وحدها هي لغة الولايات المتحدة، لقد زادت أعداد المهاجرين من أمريكا اللاتينية وخاصة المكسيك حتى أصبحت اللغة الإسبانية منافساً للإنجليزية في عدد من ولايات الجنوب. ولم يعد للبروتستانتية هذه الغلبة مع زيادة الهجرات من أيرلندة ووسط أوروبا وخاصة بولندة حيث أصبحت الكاثوليكية ذات وزن كبير. وفي نفس الوقت ازداد التعدد العنصري والعرقي. ولم تعد أمريكا مجال الاندماج assimilation وصهر الثقافات melting pot بقدر ما أصبحت مظهراً للتعدد الحضاري والثقافي multicultural. وهذه التعددية العرقية والثقافية والحضارية واللغوية ليست فقط ظواهر جديدة طرأت على المجتمع الأمريكي، بل أنها تجد – عادة – تأييداً في أوساط النخبة في الجامعات والصحافة ورجال السياسة. وفي هذا يرى هانتجتون أن هناك انفصاماً بين النخبة السياسية التي ترحب بهذه التعددية، وبين اتجاهات الرأي العام الذي مازال يتشوق إلى الهوية القديمة. وليس هنا مجال التفصيل فيما جاء به هذا الكتاب الخطير، بل يكتفي أن نتساءل معه، وما هو الحل؟ وماذا يقترح هانتجتون لشكل المستقبل لأمريكا؟ أين الخلاص؟

يرى هانتجتون أن المشكلة أصبحت ملحة بعد 11 سبتمبر، وأنه لا يمكن السكوت على قضية “الهوية الأمريكية”. ولكنه عندما يقدم الحل فإنه – للغرابة – يكاد يتفق مع ما تدعو إليه الجماعات الإسلامية. فهو يقول – تقريباً – أن “الدين هو الحل” أي “المسيحية – خاصة البروتستانتية – هي الحل في أمريكا”. حقاً هناك “عقيدة سياسية” creed علمانية في أمريكا أرساها الدستور الأمريكي ودافع عنها الآباء الأوائل، وذلك في كل ما يتعلق بمبادئ الفردية واحترام حقوق الأفراد وحرياتهم وبوجه خاص في حرية العقائد وعدم التمييز بكل مظاهرة، والمساواة أمام القانون، والحكم الذاتي والديمقراطية بكافة أشكالها، وأهم من هذا وذاك الفصل بين الدين والدولة. فالدولة لا تحابى – ولا تعرقل أيضاً – أي دين أو أي عقيدة. الدولة محايدة في قضية الدين وهي تحترم كل الأديان والعقائد. هذا هو التراث الأمريكي – ولا ننسى ذاكرة الأمريكيين عن المهاجرين الأوائل وهي أنهم هربوا من أوروبا القديمة حيث كان الاضطهاد الديني. لقد ولدت أمريكا في ظل احترام العقائد وبلا تمييز. ولكن هانتجتون يرى أن هذه العقيدة السياسية للمجتمع الأمريكي غير كافية ولابد وأن تسندها عقيدة دينية، (المسيحية البروتستانتية). فهنا نجد أن هانتجتون يؤكد من جديد اتفاقه مع بن لادن، فبعد أن أعلنا – كل على طريقته – أن العصر هو عصر صراع الأديان، فإن هانتجتون في تشخيصه للعلاج، يري – كما يرى بن لادن – أن “الدين هو الحل”. فالدين لم يعد مظهراً لخضوع العباد – كل العباد – لرب واحد، وإنما تحول ليصبح “هوية” تميّز كل فئة عن غيرها، وكما لو كان لكل منهم رب يميّز نفسه، ويحارب غيره من الأرباب. ما هكذا الدين!

ولذا نجد أن في أمريكا – كما في الشرق – هناك من لا يرى في المستقبل إلا حروباً دينية مثل بن لادن وهانتجتون، في حين أن الأغلبية ترى فيه عالماً واحداً يحتاج إلى قيادة وبالدرجة الأولى إلى مسئولية. ومن أسف أن تلك الأقلية صوتها مرتفع؛ إما عن طريق دوي الرصاص والقنابل أو عن طريق النشر والإذاعات. وتظل الأغلبية الكاسحة صامتة ومتألمة وصابرة.

بن لادن ليس فقط صناعة عربية أو إسلامية، فهناك بن لادن في كل مكان، ويكفي أن تبحث عنه.   والله أعلم.

 الاهرام: 27.3.2005

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *