تجربتنا مع الديمقراطية والحاجة إلى فترة انتقالية

يتضح مما تقدم أن معضلة الإصلاح السياسى فى مصر تتطلب من ناحية التصالح مع العصر والأخذ بنظام تغلب عليه المفاهيم الديمقراطية، ومن ناحية أخرى أن يتم التصالح بين هذه المفاهيم نفسها وبين الاتجاهات الإسلامية والتى تمثل أحد أهم التيارات السياسية القائمة. وأخيراً لابد أن يأخذ هذا المسار أسلوباً يسمح بالانتقال نحو هذا الهدف دون أن تقفز عليه العناصر الانتهازية لاختطاف التحول بعيداً عن الاتجاهات الديمقراطية الحقيقية نتيجة للنقص الشديد فى القيادات الديمقراطية وعدم ترسخ هذه التقاليد فى الوعى العام.

 

يقتضى كل ذلك من المنشغلين بعملية الإصلاح السياسى الإيمان الكامل والحقيقى بأهمية التحول إلى الديمقراطية، مع معرفة واقعية بالقيود والمزالق التى يمكن أن تنحرف إليها مسيرة عملية التحول.

 

ومن هنا تنبع أهمية وجود «فترة انتقال» معقولة تقلل من مخاطر الانحراف عن الهدف النهائى أو اختطاف العملية إلى مسار غير ديمقراطى من جماعات انتهازية أو حتى معادية للأفكار الديمقراطية، لمجرد تميزهم بقدرات تنظيمية عالية أو سيطرتهم على مراكز حساسة ومؤثرة فى المجتمع. ويمكن القول بقدر من المبالغة إن النجاح فى التحول إلى نظام ديمقراطى يتوقف إلى حد بعيد على مدى ما يتوافر للفترة الانتقالية من ظروف تمكنها من الانتقال الهادئ والسلمى والصحى إلى بر الأمان.

 

إن المجتمع المصرى وهو يتوق إلى الأخذ بمزيد من الديمقراطية غير قادر على الانتقال إليها بكل مظاهرها فوراً ومباشرة. فإذا افترضنا مثلاً أنه تقرر إلغاء قوانين الطوارئ وجميع القوانين الاستثنائية وتقرر إقامة انتخابات برلمانية حرة ونزيهة توافرت لها جميع الضمانات دون تدخل أو تزوير فماذا سيحدث؟ أغلب الظن سينجح فى هذه الانتخابات مجموعة غير متجانسة من محترفى العمل السياسى خلال العقود الماضية والذين تقلبوا على جميع الاتجاهات، ومجموعة من الأثرياء الجدد الذين حققوا ثروات حديثة وسريعة بأساليب لا تخلو من الشبهات، ومجموعة غير قليلة من اتجاهات إسلامية متعددة وليس بالضرورة من أكثر الاتجاهات الإسلامية علماً أو حكمة. ورغم احتمال الاختلاف الشديد فى مشارب هذه المجموعات وتناقضها فربما أن ما سوف يجمع بينها هو المعارضة للمفاهيم «الليبرالية» بالادعاء بأنها مفاهيم غربية غريبة علينا. ولذلك فإن أحد أكبر المخاطر التى يمكن أن تهدد مستقبل الديمقراطية الليبرالية فى بلادنا يكمن فى الانتقال السريع وغير المدروس إلى التحرير المفاجئ. فالمجتمع المصرى السياسى فى حاجة إلى فترة نقاهة غير طويلة للاستعداد للانتقال إلى مرحلة الديمقراطية الكاملة. الديمقراطية ليست نزهة ولكنها مسؤولية كبيرة وهذه المسؤولية تتطلب الإعداد الجيد والاستعداد لتحملها.

 

ولكن من ناحية أخرى لا يجوز أن تتحول فكرة الحاجة إلى «فترة انتقالية» إلى ذريعة لتعطيل الأخذ بالديمقراطية وتأخيرها. ولذلك تجب إحاطة هذه الفترة الانتقالية بقيود واضحة ومحددة وهى قيود زمنية وموضوعية على السواء. فمن الناحية الزمنية يجب الاتفاق على إطار زمنى محدد تنتهى بعده هذه «الفترة الانتقالية». وأعتقد أن فترة لا تجاوز سنتين كافية لتحقيق الانتقال السلمى والصحى إلى حياة ديمقراطية كاملة. ولكن لا يكفى الاتفاق على حدود زمنية للفترة الانتقالية بل لابد فوق ذلك من الاتفاق على عدد من القيود الموضوعية التى تحكم هذه الفترة الانتقالية. وأول هذه القيود هو ضرورة الأخذ فوراً بجميع مظاهر «الحرية الليبرالية» من حيث إلغاء جميع القوانين الاستثنائية، وإقامة دولة القانون وتوفير استقلال القضاء وإلغاء كل صور القضاء الاستثنائى، واحترام جميع الحريات، وتوفير الشفافية الكاملة خاصة فيما تعلق بالميزانية وأوجه إنفاقها، وضمان حرية الصحافة والإعلام، وإقرار حرية تكوين الأحزاب والجمعيات. فالخطر الذى يمكن أن تتعرض له عملية الانتقال إلى الديمقراطية لا يرجع إلى مخاطر من إطلاق «الحرية الليبرالية» بقدر ما يرجع إلى عدم الاستعداد إلى ممارسة «الحرية الجمهورية» نتيجة للخواء السياسى للبيئة السياسية لأكثر من خمسين عاماً. ففى هذه الظروف يمكن أن يكون الالتجاء المبكر إلى صناديق الانتخاب متناقضاً مع «الحرية الليبرالية» ومتعارضاً معها قبل أن يستعيد المجتمع السياسى زمام الأمور ويتيح الفرصة لظهور قيادات جديدة.

 

وبعبارة أخرى فإن الأخذ بفترة انتقالية للتحول الديمقراطى ينبغى النظر إليها كأسلوب تدريجى فى الأخذ بالديمقراطية بدءاً بتطبيق جميع مظاهر الحرية «الليبرالية» مباشرة، وانتهاء باستكمالها بالحرية «الجمهورية» الفترة الانتقالية هى فترة إصلاح البناء القانونى والمؤسسى للحريات العامة وبعد ذلك تستكمل بالممارسات الديمقراطية فى الانتخاب وتشكيل البرلمان.

 

وإذا كانت الفترة الانتقالية هى فترة إرساء الحريات الليبرالية تمهيداً للانتقال إلى الحريات الجمهورية فإنه من المطلوب أيضاً أن يتوافر لها قدر معقول من مشاركة أهم التيارات السياسية وعدم استبعاد أى تيار تحت أى حجة.

 

وبطبيعة الأحوال فإن أحد أهم ضمانات النجاح فى المستقبل له وجود دستور ديمقراطى سليم يدعم الحريات ويؤكد عدم جواز التعرض لها ولو باسم الأغلبية، ويحقق المشاركة السياسية للجميع فى نفس الوقت. ونظراً لأن الاتفاق على شكل ومضمون هذا الدستور سوف يكون المحك الحقيقى لضمان مستقبل الديمقراطية الليبرالية فإن تحقيق مثل هذا التوافق يمكن أن يصبح عقبة أساسية نظراً لتعدد الاتجاهات وتناقضها بين مختلف القوى السياسية.

 

وربما يمكن التفكير كحل عملى فى النظر فى إعادة إحياء دستور 1923 بعد تعديل ما ورد فيه عن الملك وسلطاته وخلافته واستبداله برئيس للجمهورية يتم انتخابه بالاقتراع العام لمدة 4-5 سنوات تتجدد مرة واحدة. فهذا دستور له تاريخ قد تم الأخذ به بعد ثورة شعبية 1919 وتحقق حوله نوع من الاتفاق العام الشعبى بإعادته فى منتصف الثلاثينيات من القرن الماضى، وكان الاعتراض دائماً هو الخروج على هذا الدستور وانتهاكه ولم يكن اعتراضاً على أحكامه. والله أعلم.

المصرى اليوم 13 سبتمبر 2010

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *