تحدي المستقبل العربي وفرة في الطاقة ندرة في المياه

نتناول في أحاديثنا اليومية مشاكلنا الجارية من ركود اقتصادي أو بطالة أو اختلال في تجارتنا الخارجية أو ارتفاع في قيمة الدولار (في مصر رغم انخفاضه في العالم). ومع ذلك فإن مناقشة القضايا الجارية – على أهميتها – لا ينبغي أن يحول بيننا وبين التطلع إلى المستقبل البعيد وطرح التحديات الكبرى التي يمكن أن تواجه مصر بل والوطن العربي في مجمله. وأود أن أناقش في مقال اليوم أحد هذه التحديات.

لقد استطاع الإنسان عبر تاريخه الطويل أن يسيطر على البيئة المحيطة به وأن يسخر الموارد المتوافرة لخدمته حتى كاد يصبح التقدم الاقتصادي مستقلاً عن مدى توافر الموارد الطبيعية ومنوطاً بمدى توافر المؤسسات الاقتصادية والدستورية ودرجة التعليم والمعرفة الفنية وحسن السياسات. ولذلك رأينا دولاً تكاد تكون عارية من الموارد الطبيعية مثل اليابان أو كوريا أو تايوان تحقق تقدماً اقتصادياً ملحوظاً خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

ومع ذلك تظل للموارد الطبيعية أهميتها ولا يجوز التقليل من دورها في مستقبل البشرية. ويمكن القول بأن مدى توافر موارد الطاقة كان – ولا يزال – حاسماً في تقدم البشرية، بل ويكاد يكون تاريخ هذه البشرية كله هو تاريخ القدرة البشرية على تسخير موارد الطاقة المتاحة لخدمته وخدمة أغراضه. وتستمد الكرة الأرضية طاقتها – بشكل مباشر أو غير مباشر – من أشعة الشمس. فالشمس وما توفره من طاقة هي – في نهاية الأمر – مصدر الحياة للبشر. وربما لهذا السبب عبد الفراعنة الإله “رع” إله الشمس. وقد تطورت مصادر الطاقة لحياة الإنسان مع تطور مختلف المراحل التاريخية. فاعتمد الإنسان في المراحل الأولى على عضلاته وقواه البدنية، وحيث كان جسد الإنسان يمثّل أول مولد للطاقة حين يستهلك الغذاء من النباتات وثمار الأشجار والتي كانت تعتبر أهم وأول تمثيل للطاقة الشمسية وتحويلها إلى طاقة يستهلكها الإنسان لتتحول إلى حركة ونشاط. ثم توالت التطورات وبدأ الإنسان في استخدام طاقة الحيوان عندما استأنسه وسخره لخدمته، بل وأحياناً استخدم طاقة أخيه الإنسان عندما سخر الأعداء في عبودية يوظفهم للإنتاج والسخرة. ولم يلبث أن استخدم طاقة الرياح والمياه مع تسيير للمراكب وطواحين الهواء. وقد صاحبت هذه المصادر للطاقة قيام “الثورة الاقتصادية” الأولى في تاريخ البشرية عندما اكتشف الإنسان الزراعة وبدأ في إرساء الحضارات الأولى.

ومع ذلك بدأت ثورة اقتصادية جديدة (الثورة الصناعية) غيرت الموازين عندما استخدم الإنسان الطاقة المتولدة من الحفريات من الفحم ثم من النفط والغاز فضلاً عن الكهرباء. ويمكن القول بشكل عام أن الثورة الصناعية في جوهرها هي ثورة في تسخير موارد الطاقة الحفرية من فحم خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ثم من النفط والغاز خلال القرن العشرين. وها نحن منذ منتصف القرن العشرين ونحن نعيش عصر النفط. وجاءت اكتشافات النفط في منطقة الشرق الأوسط منذ بداية القرن العشرين لتجعل منه، ومن المنطقة العربية بوجه خاص، أهم منطقة استراتيجية، حيث تتمتع بأكبر مخزون عالمي للنفط (حوالي 63% من احتياطيات النفط وما يقرب من 25% من احتياطيات الغاز).

وقد ظلت أسعار النفط ثابتة تقريباً لما يقرب من سبعين عاماً رغم ارتفاع جميع أسعار السلع الأخرى. فيقدر سعر برميل النفط في بداية القرن العشرين بحوالي 1,2 دولار في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان ثمنه في الأحمدي (الكويت) في عام 1970 حوالي 1,7 دولار للبرميل. وهكذا تمتعت الدول الصناعية الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لما يقرب من ربع قرن من الازدهار الاقتصادي غير المسبوق بسبب هذه الطاقة الرخيصة. وفي بداية السبعينات بدأت محاولات دول الأوبك لتحسين أسعار النفط، وكانت الدول المنتجة للنفط قد نجحت في تكوين تجمع للدول المنتجة للنفط (الأوبك) في 1960 ووصل سعر البرميل في 1973 إلى حوالي ثلاث دولارات. وبعد قيام حرب أكتوبر عام 1973 توالت ارتفاعات الأسعار خلال عدة شهور إلى ما يقرب من ثلاثة أضعاف السعر القائم في بداية 1974. وتزايدت دخول الدول النفطية بشكل كبير وزادت أهميتها الاستراتيجية، وجاءت ثورة إيران في 1979 فرفعت بالأسعار إلى موجة ثانية من الارتفاع، ومعها ارتفعت من جديد دخول الدول النفطية، ثم عرفت هذه الأسعار هدوءاً بل وتراجعاً منذ منتصف الثمانينات، على ما هو معروف.

وإذا كانت المنطقة العربية تستمد قيمتها الاستراتيجية من توافر الموارد النفطية بها، وما يرتبط بها من موارد مالية هائلة، فلا ينبغي أن ننسى أن هذه المنطقة تعاني من ندرة هائلة في مورد طبيعي آخر، وهو المياه. فهذه المنطقة، وقد حباها الله بموارد هائلة من الطاقة فقد حرمها، من مورد آخر، لا يقل أهمية لاستمرار الحياة وهو المياه. فالمنطقة العربية وهي تشغل ما يمثّل حوالي 10% من المساحة المسكونة على الكرة الأرضية، ويعيش فوقها ما يمثّل حوالي 5% من سكان العالم (حوالي 280 مليون نسمة) لا تتمتع إلا بأقل من 1% من الموارد المائية المتاحة في العالم. فالمنطقة العربية هي أفقر مناطق العالم من حيث توافر المياه وأكثرها جفافاً. وإذا كان التقدم مرتبطاً بقدرة الإنسان على تسخير الطاقة، فإن الحياة نفسها لا تقوم إلا بتوافر المياه. وهكذا نجد أن المنطقة العربية تعرف واحداً من أشهر المتناقضات من حيث توافر الموارد الطبيعية؛ وفرة هائلة في الطاقة وفقر شديد في المياه. وهذه الحقيقة تمثّل دراما المنطقة العربية والتحدي الأكبر الذي يواجهها. وتشير البيانات المتاحة عن مصادر المياه في المنطقة العربية أن مشكلة المياه سوف تواجه معظم الدول العربية في مستقبل غير بعيد. فتشير بعض الإحصاءات عن التوقعات للعقود القادمة، أن معظم الدول العربية – ربما باستثناء العراق والسودان – سوف تواجه بمشاكل نقص المياه في العقود القادمة بعد عشر أو عشرين عاماً.

وإزاء هذه المعضلة؛ وفرة في الطاقة وشح في المياه، فقد عمدت معظم الدول العربية وخاصة دول الخليج النفطية، إلى استخدام موارد النفط المالية للتوسع في حجم الطاقة الإنتاجية لتحلية المياه. وكان يقدر عدد محطات تحلية المياه في العالم في بداية هذا القرن بما يقرب من 14 ألف وحدة تنتج أكثر من 26 مليون متر مكعب من المياه المحلاة يومياً. وتمثّل الولايات المتحدة ودول الخليج العربي حوالي ثلثي هذا الإنتاج. وهناك بعض التقنيات المستخدمة في تحلية المياه التي تحتكرها منطقة الخليج إذا يقدر أن حوالي 80% من مصانع الومض متعدد المراحل (المعروفة بـ MSF) تعمل في منطقة الخليج. وقد استطاعت بعض الدول العربية – وخاصة السعودية – أن تحقق تقدماً تكنولوجياً محسوساً في هذا العدد. وتعمل معظم هذه المصانع باستخدام مصادر الطاقة التقليدية، وخاصة النفط والغاز. وهكذا نجد أن المنطقة العربية قد وجدت حلاً لمشكلتها في نقص المياه باستخدام النفط وعوائده لتجاوز هذا النقص. فنقص المياه قد عوضه وفرة الطاقة. وهو أمر طبيعي ومنطقي. ولكنه حل إلى حين. العلاج سليم ومناسب، ولكنه يظل – في المدة الطويلة – حل مؤقت وموقوت. ذلك أن النفط والغاز هما من مصادر الطاقة غير المتجددة، وبالتالي، فإن عمرهما – مهما طال – يظل محدوداً. وهكذا فإن المنطقة العربية وقد واجهت مشكلة ندرة المياه باستخدام الوفرة في الطاقة – النفط والغاز – وما يوفرانه من إيرادات مالية لتحلية المياه. وهو علاج يواجه مشكلة الحاضر. فماذا عن المستقبل؟ ماذا لما بعد عصر النفط والغاز؟ هذا هو التحدي الكبير.

يتجه العالم، منذ الآن، للتفكير في عصر ما بعد النفط، وتعددت الدراسات في هذا المجال، وبدأ الحديث في الولايات المتحدة عن ثورة اقتصادية كبرى لعصر ما بعد النفط والغاز، باستخراج النفط من الأيدروجين. وصدرت كتب بهذا الغرض، كما خصصت مجلة الايكونومست عدداً لهذا الغرض. فماذا أعددنا نحن؟ والأمر بالنسبة لنا لا يقتصر على نضوب مصادر الطاقة المتاحة – من نفط أو غاز – وإنما في شح المياه أيضاً وهي أساس الحياة. وهنا نواجه الخطر المزدوج لنقص الطاقة والمياه معاً.

الناظر إلى ظروف المنطقة العربية يكتشف أن هذه المنطقة العربية لا تتمتع فقط بمصادر هائلة للطاقة الحفرية – النفط والغاز – ولكنها تتعرض أيضاً لأكبر كمية لإشعاعات الشمس. فالمنطقة العربية توجد جميعها في الصحاري الكبرى في الحزام الشمسي الممتد من الجزيرة العربية مروراً بشمال أفريقيا وهي بهذا الشكل تتلقى أكبر كمية من أشعة الشمس المصدر النهائي للطاقة في الأرض. وهكذا فقد حبا الله المنطقة بوفرة هائلة في مصادر الطاقة سواء القابلة للاستخدام اقتصادياً في ظل المعارف التكنولوجية القائمة – مثل النفط والغاز – ولكنها تتمتع أيضاً بأكبر مخزون للطاقة “الكامنة” والتي تنتظر اختراقاً تكنولوجياً لجعلها صالحة للاستخدام على نحو اقتصادي. هناك محاولات عديدة لاستخدام الطاقة الشمسية، ولكنها ما تزال محاولات محدودة، وهي تصلح عادة للاستخدامات المنزلية، ولكنها تظل بشكل عام غير اقتصادية ومكلفة. وهي تنتظر اختراقاً علمياً وتكنولوجياً حتى يمكن أن تصبح متاحة للاستخدام بتكلفة معقولة.

ولكننا نعرف جميعاً أن أي اختراق علمي أو تكنولوجي لم يعد – خصوصاً في الوقت الحاضر – نتيجة الصدفة أو حسن الحظ. الاختراقات العلمية والتقدم التكنولوجي هما فقط نتيجة للبحث العلمي المنظم وتخصيص الأموال وتهيئة العلماء والمختبرات للحصول على هذه النتيجة. حقاً، ما زال هنا أو هناك اختراعات أو اكتشافات تتم بطرق الصدفة، ولكن هذا هو الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. العلماء والفنيون يحققون كل يوم اختراقات علمية وتكنولوجية في ميادين الفضاء، وفي الاتصالات وفي البيولوجيا، وفي الجينات، وفي السلاح طبعاً. ولكن ذلك ما كان يمكن أن يتحقق دون أن ترصد الميزانيات الهائلة في مراكز البحوث أو في الصناعيات الكبرى. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل يمكن الاعتماد على ما يمكن أن تقوم به الدول الغربية في هذا المجال؟ فأين نتوقع أن يتم تحقيق هذا الاختراق العلمي بتسخير الطاقة الشمسية للاستخدام الاقتصادي والذي سوف يحل مشكلة الوطن العربي بعد نصف قرن أو أكثر قليلاً؟. ليس قطعاً في شمال أوروبا التي لا تكاد ترى أشعة الشمس إلا أياماً محدودة. وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتمتع – في بعض أجزائها – بمناطق تتعرض لأشعة الشمس، فإن ما تحققه من تقدم في مجال الطاقة النووية، لا يدفعها إلى الحماس للطاقة الشمسية، وها هي تتحدث الآن عن الطاقة المولدة من الأيدروجين، ولذلك فإنها ليست بحاجة إلى أبحاث عن الطاقة الشمسية بنفس القدر الذي نحن بحاجة إليه؟ وإذا كانت المنطقة العربية – من دون مناطق العالم الأخرى – هي الأكثر إفادة من احتمالات النجاح في تسخير الطاقة الشمسية، فإن السؤال يثور حول ما إذا كان هناك ما يدعو إلى الثقة في إمكانيات تحقيق هذا النجاح بعد رصد الميزانيات وإعداد العلماء، ولنا في التاريخ الحديث للاختراقات الفنية والتكنولوجية ما يساعد على مزيد من الفهم.

عندما بدأ التفكير في مشروع “مانهاتن” لإنتاج القنبلة الذرية، أعلن عالم الذرة الإيطالي “فيرمي” الحائز على جائزة نوبل في الطبيعة أن انشطار الذرة “أمر بعيد الاحتمال”، وكان رد فعل “أوبنهايمر” المبدئي – الذي سيتولى بعد ذلك قيادة الفريق العلمي في هذا المشروع لتصنيع القنبلة الذرية – بأن هذا الأمر “مستحيل لأسباب نظرية”. وكان “تلر” العالم المجري الذي سيتولى بعد ذلك قيادة الفريق الذي سوف يقوم على إنتاج القنبلة الهيدروجية قد أبدى، بدوره، تشككه في إمكان النجاح في تصنيع هذه القنبلة. ولكن شكوك “أوبنهايمر” أو “تلر”لم تمنعهما من العمل على إنتاج القنبلتين الذرية والهيدروجية، وإنجاز المهمة عندما توافرت الإرادة والأموال. وعندما فوجئ “كيندي” بنجاح البرنامج السوفييتي لغزو الفضاء مع “اسبوتينك”، أعلن في بداية الستينات، أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تضع قدم أول إنسان على القمر بعد عشر سنوات، وذلك حين كانت الولايات المتحدة متأخرة نسبياً، عن الاتحاد السوفييتي، في هذا المجال. وقبل أن تمضي عشر سنوات، كان الحلم الأمريكي قد تحقق ووضع العلم الأمريكي على القمر بعد أن خصصت الأموال الكافية لبحوث الفضاء، واتجه العلماء والباحثون إلى هذا المجال. وهكذا يتضح أن العلم ومنتجاته التكنولوجية هي إلى حد بعيد نتيجة للإرادة السياسية وتوافر الموارد المالية. وهكذا فيبدو أن هناك احتمالاً كبيراً في أن النجاح في تسخير الطاقة الشمسية للاستخدام الاقتصادي يمكن أن يتوقف على وضع مشروع قومي كبير من الأمة العربية لهذا الغرض. وهو مشروع يمكن – إذا حقق نجاحاً – أن يضمن للوطن العربي مستقبلاً زاهراً بضمان توافر مصادر للطاقة والمياه معاً. وذلك في وقت يمكن أن يتعرض له هذا الوطن بخطر الزوال تماماً إذا واجه مشكلة نقص المياه مع نقص الطاقة عندما ينفد ما لديه من مخزون للبترول والغاز ويستمر على فقره في الموارد المائية.

الوطن العربي مشغـول الآن بـأمـور كثيـرة، وبعضهـا هـام. هنـاك نـزاع مسـتمر في الأراضـي الفلسطينية، واحتلال جـديد للعـراق فضـلاً عـن مشـاكل داخلية في معظم البلدان. ولكن هناك أيضاً فـي الأفق البعيد معضلة هائلة. هذه أفقر مناطق العالـم في المياه، وقد عرفت خلال ربع القرن الماضـي أكبر نمو سكاني في العالم. ونحن نتمتع في الوقت الحالي بإمكانيات مالية – مركزة في بعض الدول النفطية – تمكنها من مواجهة مشكلة تحلية المياه. ولكن النفط والغاز زائلين، إن لم يكن غداً فبعد غد. فهل نعـد العـدة، ونبدأ مشروعاً حضارياً بتخصيص ميزانية عربية لتسخير الطاقة الشمسية للاستخدام الاقتصـادي. وبذلك نجد حلاً نهائياً لكل من مشكلتي الطاقة والمياه. أم نظل في عبثنا في منطقة تعوض – مؤقتاً – فقرها من المياه بالنفط والغاز لتحلية المياه حتى يحين أجـل النفط والغاز. وعندها يمكن أن تنتهي المشكلة من أساسها، لأنه لن توجد، حينذاك، مياه أو طاقة… وطبعاً لا حياة أيضاً.   والله أعلم.

الأهرام: 21.12.2003

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *