تحية للبرلمان البريطاني

نشرت معظم الصحف خبراً مفاده أن طوني بلير رئيس الوزراء البريطاني قد منى بهزيمة سياسية عندما رفض مجلس العموم مشروع قانون الإرهاب المقدم منه والذي كان يجيز اعتقال المشتبه بهم لمدة تصل إلى تسعين يوماً دون توجيه أي اتهام لهم. والحقيقة أن ما يستحق التنويه به ليس هزيمة بلير السياسية بقدر ما هو انتصار الحرية والمدافعين عنها. فقد صوّت النواب البريطانيون – وعدد غير قليل منهم من حزب رئيس الوزراء (حزب العمال) – ضد القانون الذي يتضمن شكلاً من أشكال الاعتداء على الحريات الشخصية والخروج على دولة القانون.

وأما أن يقف البرلمان البريطاني للدفاع عن الحريات فهذا أمر طبيعي وخاصة من هذه المؤسسة العريقة التي كرست أهم مبادئ الديمقراطية والحرية، ولكن ما يستحق الإشادة به هو أن يأتي هذا الموقف في هذا الوقت بالذات. فالعالم وخاصة العالم الغربي مازال يعيش أجواء أحداث 11 سبتمبر وما أثارته من شعور عام من الخوف والقلق لدى المواطن العادي. ولم يقتصر الأمر على الأجواء التي خلقتها أجهزة الإعلام الأمريكية بل انتقلت الأحداث إلى قلب العاصمة البريطانية حين عرفت لندن خلال شهر يوليو الماضي عدة انفجارات أودت بحياة الكثيرين من الأبرياء. وفي هذا الجو من الخوف كان من المحتمل أن يقبل البرلمان البريطاني – كما فعل الكونغرس الأمريكي من قبل مع “قانون الوطنية” – وضع القيود على الحريات الشخصية باسم الدفاع عن هذه الحريات وتوفير الأمن للمواطن. ولكن البرلمان البريطاني وغير قليل من نواب حزب العمال نفسه اختاروا الدفاع عن الحريات والحقوق الشخصية وقدموها على اعتبارات الأمن أو الالتزام الحزبي.

وقد سبق أن نشرت منذ فترة في هذه الجريدة تعليقاً عن أحداث أمريكا عن “الحرية والخوف” وقد أشرت في تلك المقالة إلى العلاقة بين الحرية والخوف. وهي علاقة مزدوجة فهناك الخوف من الحرية، كما أن هناك الخوف على الحرية.

فقد تكون الحرية مخيفة لأن الحرية تعني المسئولية، والمسئولية عبء كبير ولذلك كثيراً ما يتنازل الأفراد – بل حتى الشعوب – عن الحرية خوفاً من تحمل هذه المسئولية، فيتركوا زمام الأمور في حياتهم الخاصة والعامة لرب الأسرة أو شيخ القبيلة أو العشيرة أو حتى لحاكم أو دكتاتور. وقد كان هذا هو تفسير الفيلسوف والمفكر إيريك فروك Eric Fromm عن ظاهرة تفشي النظم الفاشية في أوروبا في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، وذلك في كتابه الشهير عن “الخوف من الحرية”. فهذه الشعوب التي تعودت العيش في ظل التقاليد والمؤسسات التقليدية من كنيسة وعائلات مالكة وإقطاع ونبلاء، وجدت نفسها فجأة أمام مسئولياتها مع ثورة التنوير وما أدت إليه من القضاء على نفوذ الكنيسة والإقطاع، فلم تستطيع مواجهة الموقف الجديد لممارسة الحرية وتخلت عن المسئولية لنوع من السلطة الأبوية الجديدة في شكل حاكم أو دكتاتور، يقودها ويعبر عن طموحاتها.

ولكن الخوف لا يكون خوفاً من الحرية فقط بل قد يكون خوفاً عليها أيضاً. فهناك مصادر متعددة لتهديد الحرية لعل الإرهاب يمثّل في الوقت الحاضر أخطر مظاهرها. فمع الإرهاب تجد نفسك أمام عدو غير محدد الهوية، فأنت تتعامل مع أشباح تظهر في أي مكان وفي أي وقت. والإرهاب لا يختار ضحية بالذات وإنما يتعامل مع الجماهير الغفيرة وحيث لا يتوقعها أحد معتمداً على قوانين الصدفة. فقد يأتي الخطر في مكان العمل أو خلال رحلة سياحية أو في وسائل المواصلات أو حتى في المنزل، وهو قد يصيبك أو أولادك وأفراد أسرتك. وتتعدد وسائل الإرهاب فقد يكون قنبلة موقوتة أو سيارة ملغمة أو غاز مميت أو جراثيم قاتلة. فخطورة الإرهاب هي أنك تتعامل مع المجهول. ولذلك لم يكن غريباً أن أدى الإرهاب إلى شيوع حالة من الخوف أدت إلى قبول الأفراد التنازل عن الكثير من حقوقهم وحرياتهم من أجل مقاومة الإرهاب. ومن هنا كانت الحرية هي أحد أهم ضحايا الإرهاب. ومع الإرهاب أصبحت الجماعات المختلفة أكثر استعداداً للتنازل عن بعض حرياتها من أجل ضمان أمنها. وهكذا وجدنا أنفسنا أمام مقايضة بين الأمن والحرية. فإلى أي حد يمكن التنازل عن بعض الحرية من أجل الأمن الذي هو شرط للحرية. فبدون أمن لا حرية.

وهكذا كانت قضية الحرية دائماً؛ هناك باستمرار دعوات للتنازل عن الحرية أو أجزاء منها باسم مقايضات مختلفة الأهمية والصدق. ولعل أول هذه المقايضات هي ما طرحه الفيلسوف توماس هوبز في دعوته إلى تدعيم السلطة المطلقة للملوك. فرغم أن هوبز بدأ من مقدمة الاعتراف بحقوق الأفراد وحرياتهم مبيناً أن الغرض من الجماعة وأساس وجودها هو حماية حقوق الأفراد من حالة الوحشية والبربرية السابقة على وجود المجتمعات والتي كان يتعرض فيها كل فرد للاعتداء من الآخرين؛ “حرب الجميع ضد الجميع”. ومن هنا ضرورة تنازل كل فرد للسلطان عن جزء من حرياته المطلقة من أجل قيام الجماعة ومعها السلطة السياسية. وفي هذا “العقد الاجتماعي” يتنازل كل فرد عن جزء من حرياته للحاكم أو السلطان مقابل حماية باقي حقوقه. وفي هذا التعاقد لا يجوز التراجع عن هذا التنازل، فسلطة الملك المطلقة لا رجوع فيها، لأن الحياة الاجتماعية والأمن خير من حالة الوحشية والفوضى. وهكذا، بدأ هوبز بمقدمة عن حقوق الإنسان لينتهي إلى تأييد الحكم المطلق. وربما لا يختلف عن ذلك كثيراً ما ساد عند العديد من المفكرين المسلمين – ولا أقول الإسلام – بأن “حاكم غشوم خير من فتنة تدوم” أو أن “الحاكم الجائر خير من الفتنة”. فقد غلب على فقه أهل السنة ضرورة الطاعة لولى الأمر ولو كان ظالماً، لأن الظلم خير من الفتنة. وليس بعيداً عن ذلك الدعوات التي أطلقت في العديد من دولنا الشرقية عن “المستبد العادل”، كما لو كان يمكن الجميع بين النقضين! فالحقيقة أنه لا عدالة مع الاستبداد. ولاشك أن الفتنة أو الفوضى هي أخطر ما يمكن أن يتعرض له مجتمع، ولذلك فإن أي شيء هو أفضل من الفتنة أو الفوضى. ولكن القضية هي أن الخيار الذي طرحه هوبز كمقايضة بين الاستبداد أو الحكم المطلق من ناحية وبين الفتنة أو الفوضى من ناحية أخرى هو خيار غير حقيقي. فليس صحيحاً أن البديل عن الحكم المطلق أو الاستبداد هو الفوضى. فالبديل عن الاستبداد هو الحكم الدستوري. ومن هنا فقد كان للمفكر الإنجليزي جون لوك فضل الإشارة إلى أنه إذا كان “العقد الاجتماعي” هو اتفاق بين الأفراد والحاكم على قيام الجماعة وحماية حقوق وحريات الأفراد، فإن الإخلال بهذا الاتفاق لا يعني العودة إلى الحالة الطبيعية أو الوحشة كما عند هوبز أو الفتنة أو الفوضى كما كان يقول بعض الفقهاء، وإنما البديل إقامة الحكم الدستوري. فالعقد الاجتماعي الذي دعا إليه جون لوك هو دعوة لإقامة دولة القانون واحترام الحقوق والحريات الأساسية للأفراد، وأن أي إخلال – من جانب الحاكم – بهذه الشروط يستدعي الثورة الدستورية وإقامة الحكم الدستوري.

وليست المقايضة الوحيدة هي بين الحرية والاستبداد، بل طرح في الفكر السياسي مقايضات أخرى لا تقل خطورة. فهناك دعوات للمقايضة بين الحرية وبين العدالة أو المساواة. فجاءت الأحزاب الاشتراكية في عدد غير قليل من الدول بادعاء أن الحرية الفردية هي حريات برجوازية نظرية، وأن ما يهم الفرد هو توفير الحريات الاقتصادية بتحقيق العدالة والمساواة الفعلية. فالخبز وليس الحرية هو ما يهم. وقد أخذ بهذه الأفكار العديد من الدول، وكانت النتيجة أن تم التضحية بحريات الأفراد دون أن تتحقق عدالة أو مساواة، وبالتالي ضاعت الحريات ولم يتوافر الخبز. وتمثّل تجارب العديد من الدول النامية نماذج صارخة في هذا الصدد، كما أن تجربة الاتحاد السوفييتي ودول الكتلة الشرقية جاءت بدورها مخيبة للآمال رغم ما حققته في البداية من دفعة قوية للتصنيع ثم لم تلبث أن تراخت وترهلت وسقطت في حالة من الجمود الاجتماعي والسياسي في الوقت الذي شاعت فيه الامتيازات لذوي الحظوة من رجالات الحزب، وبذلك قضت هذه النظم على الحريات الفردية دون أن تحقق العدالة أو المساواة. وليس بعيداً عن ذلك دعوات المقايضة بين التنمية الاقتصادية وربما الإصلاح الاقتصادي وبين الحريات السياسية، بمقولة أن الوقت غير ملائم للإصلاح السياسي وتوفير الحريات السياسية وذلك قبل أن تتحقق التنمية الاقتصادية. وقد أثبتت التجربة هنا أيضاً أن هذه هي إحدى الدعوات الأخرى المضللة والكاذبة.

وجاءت أحداث الإرهاب والتي انتشرت على اتساع العالم، فوضعت مختلف الدول على المحك، وتعددت القيود على الحريات في مختلف الدول. وها هي إنجلترا تواجه الاختبار للمقايضة بين اعتبارات الأمن واعتبارات الحرية. ومع قرارا البرلمان الإنجليزي الأخير – برفض اقتراح رئيس الوزراء للخروج على مبادئ دولة القانون بالسماح باعتقال الأفراد لفترات طويلة دون اتهام أو محاكمة – تتأكد من جديد قيمة الحرية الفردية. وهكذا أثبت البرلمان البريطاني مرة أخرى ولاءه لمعاني الحرية، وأنه في المدة الطويلة فإن الحرية وحدها هي أساس تقدم الشعوب.

ربما ساهمت بريطانيا في الكثير من مآسي شعوب العالم من خلال تاريخها الاستعماري، ولكنها قطعاً قدمت للبشرية أيضاً صفحات ناصعة، فقد كانت سباقة في قضية الحرية والديمقراطية.   والله أعلم

 الاهرام: 27.10.2005                                                                    

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *