تركز الثروات خطر على التنمية

يثور الجدل حالياً حول حقيقة الإنجاز الاقتصادي للحكومة الحالية. فمصادر الحكومة- وكذا مؤسسات التمويل الدولية وخاصة صندوق النقد الدولي- تشيد بهذا الإنجاز وترى أنه يمثل نجاحاً باهراً للسياسة الاقتصادية. وفي نفس الوقت فإن معاناة غالبية المواطنين وعدم قدرتهم على الوفاء باحتياجاتهم الضرورية في ظل الارتفاع المستمر للأسعار يلقى شكوكاً كثيرة حول حقيقة هذا الإنجاز. وقد اضطرت الحكومة تحت ضغط الرأي العام وتعدد مظاهر السخط إلى منح العاملين علاوة غير مسبوقة في المرتبات (30%) ثم محاولة تدبير الموارد المالية اللازمة لسداد فاتورة هذه العلاوة. وهكذا يبدو أن الحكومة نفسها تعترف بمعاناة أعداد غفيرة من المواطنين أمام صعوبات الحياة اليومية. فكيف يمكن –في ظل هذه الملاحظات- التوفيق بين الرؤيتين؟ نجاح اقتصادي باهر في قول، مع الاعتراف بوجود معاناة شديدة لغالبية المواطنين من ناحية أخرى؟ فهل يستقيم الأمر فعلاً بأن هناك إنجازاً اقتصادياً مبهراً في الوقت الذي تعاني فيه الأغلبية من قسوة الحياة اليومية؟

لا أود أن أتعرض هنا لمدى صحة البيانات الاقتصادية الإجمالية، ولكن التوفيق المنطقي الوحيد بين هاتين الرؤيتين هو أن هناك بالفعل نمواً كبيراً في الاقتصاد المصري ولكن نتائج هذا النمو تتركز في أيدي عدد قليل من الأفراد، وبالتالي لاتشعر الأغلبية بأي تحسن في أوضاعها.

وليس في هذا الأمر غرابة أو تناقض، فالنمو الاقتصادي لايؤدي بالضرورة إلى تحسين أحول غالبية المواطنين، فكثيراً ما كان ”النمو الاقتصادي” مصاحباً لتركز الثروات وإعادة توزيعها لمصلحة القلة على نحو مناقض للمساواة والعدالة الاجتماعية. والتاريخ الاقتصادي مليء بمثل هذه الأمثلة. فتاريخ الثورة الصناعية في إنجلترا في القرن التاسع عشر، هو إلى حد بعيد تاريخ لمعاناة العمال وتدهور ظروفهم الاقتصادية والصحية، رغم إرساء قواعد الاقتصاد الصناعي في هذه المرحلة. وقد زخرت كتابات شارلز ديكنز بوصف حالة هؤلاء العمال المذرية، كما جاءت نظريات ماركس وإنجلز تعبيراً عن هذه الظروف. “فالماركسية” كلها قائمة على أن “الرأسمالية” في بنائها لأسس التقدم الصناعي قد استغلت بؤس الطبقة العاملة مع تركيز للثروات في أيدي قلة من الرأسماليين. ولذلك فقد حرصت الكتابات الحديثة عن “التنمية الاقتصادية” في القرن العشرين على التأكيد على أهمية العدالة الاجتماعية وحسن التوزيع في أي سياسة للتنمية الاقتصادية. فعملية النمو تخلق بطبيعتها أوضاعاً مخلة بالتوازن الاجتماعي، فتركز الثروات وسوء توزيع الدخول هو أحد سمات “الرأسمالية المتوحشة”.  ومن ثم فإن مسئولية الدولة هي التأكيد على توفير الظروف المناسبة لكي تتم التنمية في إطار من التوزيع العادل لثمرات هذه التنمية. ودون ذلك فإن النمو غير المنضبط قد يؤدي إلى اختلالات خطيرة على المجتمع من حيث توزيع الثروة وقد تفضي إلى انتفاضات شعبية غير مضمونة العواقب. ولذلك لم يكن غريباً أن تأتي دعوات الإصلاح ليس فقط من أعداء “اقتصاد السوق”، وإنما من أكثر الناس حرصاً على حماية النظام الرأسمالي. ولم تكن دعوة كينز في الثلث الأول القرن العشرين بضرورة تدخل الدولة، هجوماً على النظام الرأسمالي بقدر ما كانت حماية لهذا النظام. الدولة عليها مسئولية دفع الاقتصاد وتحقيق التنمية المتوازنة، مما يقتضي إعطاء التوزيع العادل ما يستحق من عناية.

كل هذا أمر معروف ومستقر في الأدب الاقتصادي وليس فيه جديد. ولكني أود أن أشير إلى ظاهرة جديدة في ظل عولمة الاقتصاد وهي ما ترتب على العولمة من اندماج في الأسواق المالية العالمية، وفتح فرص الاستثمار المالي للجميع وبلا استثناء. فأصحاب الثروات وخاصة الثروات الكبيرة يجدون أمامهم أسواقاً مالية بالغة التنوع والعمق وتتمتع باستقرار معقول. ومن هنا الارتباط بين تركز الثروات في الدول النامية وبين هروبها للاستثمار في إلى الخارج. فخطورة تركيز الثروات لاتقتصر على مجرد ظلم اجتماعي يطال الغالبية التي تتحمل كل أعباء التنمية من تضحيات دون أن تتمتع بثمراتها، وإنما –وهو الأخطر- فإن هذه الثروات الكبيرة –تتجه في ظل اقتصاد العولمة للاستثمار عادة في الخارج مما يترتب عليه حرمان الاقتصاد الوطني والأجيال القادمة من نتائج التقدم المتحقق.

كان يقال – أحياناً – في الماضي في تبرير تركيز الثروات في أيدي القلة عند بداية التصنيع، أن الأغنياء بقدرتهم الأكبر على الادخار، هم- وحدهم- القادرون على تحقيق التراكم الرأسمالي وزيادة معدلات الاستثمار في المستقبل. فوفقاً لهذه النظرة، فرغم أن سوء توزيع الثروات يمثل خللاً من الناحية الاجتماعية ومخلاً بالمساواة بين المواطنين، فقد يكون له مبرر اقتصادي، وهو زيادة المدخرات وبالتالي الاستثمارات مما يساعد على زيادة فرص التقدم في المستقبل. ومع ذلك، فإذا كان هذا صحيح –إلى حد ما- في الماضي، فإن ظروف الدول النامية الحالية – في ظل اقتصاد العولمة- لاتحقق هذه النتيجة، وإنما تدعو إلى نتيجة أخرى مختلفة تماماً، إذ تحفز كبار الأغنياء على تهريب ثوراتهم إلى الخارج واستثمارها في الأسواق المالية العالمية بدلاً من السوق المحلي. ولايرجع ذلك السلوك إلى نقص في الوطنية، وإنما لما يحققه الاستثمار في الأسواق الخارجية من مزايا بالمقارنة بالسوق المحلي. فعندما تزيد ثروة بعض المواطنين إلى عدة مئات من الملايين ويقال عدة بلايين من الجنيهات أو الدولارات، فإن الأسواق الوحيدة القادرة على استيعاب هذه الأحجام الهائلة للثروات الجديدة هي الأسواق المالية العالمية. فهذا المستثمر العملاق يجد أمامه أسواقاً أكثر تنوعاً وعمقاً وبالتالي أكثر جاذبية. ولذا يتجه هذا المستثمر إلى تلك الأسواق لما تتيحه ذلك من فرص أكبر وتوزيعاً أفضل للمخاطر. فهذه الأسواق المالية العالمية هي منافس هائل في مواجهة الاستثمار المحلي، وهي متاحة عادةً للثروات الكبيرة.

إذا كان أغنياء انجلترا، عندما تركزت ثرواتهم خلال بدايات التصنيع، يحرمون الغالبية من المشاركة في التمتع بناتج التقدم الصناعي، فإنهم كانوا –على الأقل- يستثمرون هذه الثروات والمدخرات المتراكمة في الصناعة في انجلترا، وبالتالي يعوضون الأجيال القادمة على بعض مالحق آباءهم من حرمان. ففي بداية الثورة الصناعية في أوربا لم تكن هناك أسواق مالية خارجية متطورة تغري الأغنياء بالاستثمار في الخارج، فضلاً عن أن تلك الدول الأوربية كانت أسبق من غيرها في التصنيع وبالتالي فإن فرص الاستثمار المربح خارج بلادها كانت محدودة. وربما يستثنى من ذلك الاستثمار الخارجي في المواد الأولية في المستعمرات والتي كانت تساعد على تصدير هذه المواد للتصنيع في الدول الأوربية، والتي تخدم بهذا الشكل الصناعات الوطنية. وليس الأمر كذلك عندنا. فالفرص المحلية محدودة، والفرص في الخارج واسعة ومغرية.

زيادة الثروات الكبيرة في الدول النامية لاتعني بالضرورة زيادة في الاستثمارات المحلية، حيث تفضل هذه الثروات الجديدة الاستثمار عادة في الخارج. فهنا نحن بصدد خسارة مزدوجة، خسارة في الحاضر نتيجة سوء توزيع الثروات بالتضحية بالأغلبية لمصلحة الأقلية، وكذلك خسارة في المستقبل بهروب الأموال إلى الأسواق المالية الأكثر تطوراً بدلاً من الاستثمار المحلي. وإذا نظرنا إلى الإحصاءات المصرية المنشورة لدى صندوق النقد الدولي، فإننا نلاحظ أن زيادة معدلات النمو وتدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة في السنوات الأخيرة لم يصاحبه زيادة ملحوظة في معدلات الادخار أو الاستثمار، بل لوحظ أن الاستثمار المحلي يقل عن المدخرات المحلية.

الثروات المحلية الكبيرة لكبار الأغنياء تفضل الاستثمار –على الأقل جزئياً- في الأسواق المالية العالمية، وعندما تتجه إلى السوق المحلي فإنها تميل إلى الاستثمار في التنمية العقارية أو السياحة وقليل منها يتجه إلى الصناعة التي هي عصب التقدم.

الثروات الصغيرة والمتوسطة وحدها تستثمر محلياً، أما الثروات الكبيرة والعملاقة فإنها تميل للاستثمار المالي في الأسواق العالمية. وهكذا فإن سوء توزيع الثروة ليس فقط خطيئة اجتماعية بل هو أيضاً قصر نظر اقتصادي وإهدار للمستقبل. والله اعلم.

الاهرام 25 مايو 2008

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *