تعديل الدستور لايكفي

 

شكلت الحكومة لجنة من الخبراء القانونيين للنظر في تعديل الدستور، وقد بدأت اللجنة باختيار عدد من مواد الدستور التي تحتاج ـ في نظر اللجنة ـ إلى التعديل. والسؤال، هل يكفي تعديل بعض مواد الدستور، أم أن المشكلة الدستورية أكبر وأعمق من مجرد تعديل عدد من هذه المواد، مع بقاء جوهر الدستور القائم على ما هو عليه. هذا هو السؤال؟

الدستور القائم هو حلقة في سلسلة الدساتير التي بدأت مع الثورة، والتي تقوم على أساس مفهوم “النظام الرئاسي” على نحو يركز السلطات ليس في السلطة التنفيذية فحسب، وإنما في يد رئيس الدولة وحده. فالنظام الرئاسي، والذي تأخذ به الولايات المتحدة، يقوم على مبدأ الفصل الكامل بين السلطات، دون أن يعني ذلك ـ بالضرورة ـ هيمنة رئيس الجمهورية. فالسلطة التشريعية في الولايات المتحدة (مجلسي الشيوخ والنواب) تتمتع بسلطة هائلة تقيد من سلطات السلطة التنفيذية، وفي مقدمتها سلطتها في السيطرة الكاملة على بنود الميزانية وسبل الإنفاق، فضلاً عن ضرورة موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي على تعيين أهم المسئولين في المناصب الحساسة. وهكذا، فإن الفصل بين السلطات في الولايات المتحدة يتماشى مع توزيع هذه السلطات وعدم تركيزها في مكان واحد (رئيس الجمهورية عندنا)

أما الدستور المصري القائم ـ ومن قبله معظم الدساتير منذ الثورة ـ فإنها تقوم أساساً على تركيز معظم السلطات في يد رئيس الجمهورية، والذي لايكاد يخضع لأي شكل من أشكال المسائلة، مع إطلاق يده بالكامل في التصرف في الموارد المالية دون قيود حقيقية. وجاء الدستور الحالي ـ منذ 1971 ـ فأضاف ارتباكاً جديداً حيث جاء في فترة قلقة من حكم الرئيس السادات في بداية عهده فنص على أن نظام الحكم في مصر هو “النظام الاشتراكي”، وقد ظل هذا النص قائماً حتى سنوات قليلة ماضية. والخلاصة هو أن الدستور المصري الحالي هو أحد بقايا العهد الشمولي، وهو قائم على خليط غريب من مذاهب اقتصادية متناقضة (في البداية اشتراكية قبل أن تتحول إلى رأسمالية غير منضبطة) والشيء الوحيد الجوهري فيه هو أن جميع السلطات تتركز في يد رئيس الجمهورية.

كذلك فإن الدستور ـ القائم مازال يتضمن نصوصاً فئوية، بتخصيص نسبة 50% من مقاعد البرلمان للعمال والفلاحين، وهي ظاهرة لم يعد لها مثيل في أي دستور في العالم، وهي تتعارض مع أول مبادئ المساواة بين الأفراد في مباشرة حقوقهم السياسية.

وهكذا يتضح أن طرح القضية الدستورية باعتبارها تعديلاً لبعض مواد الدستور هو انحراف عن الرغبة الشعبية، والأولى التوجه للشعب لاستطلاع رأيه في عدة مسائل:

–        هل يرغب الشعب في تعديل الدستور أم يحتاج إلى دستور جديد؟

–        هل يريد الشعب دستوراً لنظام رئاسي أم لنظام برلماني؟

وقد عرفت قبل الثورة دستور 1923، وهو دستور ليبرالي، ويتمتع بشرعية، وبوجه خاص، بعد إلغائه في 1930 واضطرار الحكومة إلى إعادته نتيجة للضغط الشعبي في 1935، فضلاً عن أن حماية هذا الدستور كانت أول مطالب ثورة 1952 عند إعلان البيان الأولى لحركة الجيش. وقد سبق أن طرحت فكرة إعادة هذا الدستور بعد تعديل النصوص الخاصة بالملك ووضع نصوص بديلة لرئاسة الجمهورية. وهو دستور برلماني يوزع السلطات ولايركزها في جهة واحدة.

وعلى أي الأحوال فإن هناك خيارات متعددة تحتاج إلى نقاش عام، ولكن أعتقد أسوأ هذه الخيارات هو اختصار المطالب الشعبية في إطار محدود  لتعديل بعض مواد الدستور. المسألة أهم وأخطر من ذلك بكثير، وهناك العديد من الاختيارات. المطلوب ليس تشكيل لجنة ـ من جانب الحكومة ـ للتعديل بقدر ما هو طرح الأمر على الشعب لاختيار التصور المقبول للفترة القادمة. والله أعلم.

المصري اليوم: 11 فبراير 2011

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *