تعليق العرب بن السياسة والتنمية، المثقفون العرب والديمقراطية

الدكتور مصطفى الفقي مفكر عربي مرموق.  تولى مراكز حساسة قريباً من أعلى مراكز المسئولية.  فقد كان سكرتير المعلومات لرئيس الجمهورية في مصر، كما تدرج في سلك الدبلوماسية المصرية حتى شغل منصب سفير مصر، وهو الآن رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب المصري.  وهو إلى جانب هذا كله وفوقه كاتب ومحلل سياسي له قراء ومعجبين – وأنا منهم – ولذلك فإن ما يقوله أو يكتبه لا بد وأن يسترعي الإنتباه.

وفي جريدة الحياة اللندنية بتاريخ 19 فبراير، 2002 كتب الدكتور الفقي مقالاً بعنوان “العرب بين السياسة والتنمية”.  ولا أود أن أناقش هذا المقال بما ورد فيه من أفكار هامة، ولكن أتوقف فقط على فقرة في المقال أعتقد أنها تستحق المناقشة.  وفي هذه الفقرة يقول الدكتور مصطفى الفقي “إن الديمقراطية تحتاج إلى ظروف معينة ترتبط بالتعليم والثقافة وبدرجة الإيجابية السياسية وتعبر عن الروح السائدة في المجتمع وتعتمد على الركيزة الإقتصادية.  فالشعوب التي تلهث وراء لقمة العيش قد ترى في الحديث عن الديقراطية ترفاً ليست له أولوية.  والنموذج الهندي في هذا السياق غير قابل للقياس عليه حيث إزدهرت الديمقراطية إلى جانب الفقر وقدم الهنود واحدة من أكبر ديمقراطيات العصر بينما مئات الملايين لا يزالون يعيشون تحت حزام الفقر رغم الجهود المضنية التي بذلتها الأمة الهندية في جدية وتواصل جعلت من الهند قوة إقليمية ودولية متنامية إقتصادياً ومؤثرة سياسياً”.  إنتهى الإقتباس.

وتعطي هذه الفقرة الإنطباع بأن الكاتب يريد أن يبرز نقطتين، الأولى أن هناك تعارضاً بين مفهوم التنمية ومفهوم الديمقراطية، وأنه في دول العالم الثالث التي تعاني من الفقر فإن الأولوية يجب أن تعطى للتنمية وليست للديمقراطية “فالشعوب التي تلهث وراء لقمة العيش ترى في الحديث عن الديمقراطية ترفاً ليست له أولوية”.  وأما النقطة الثانية فهي أن نموذج الهند رغم نجاحه – لا يصلح لدول هذا العالم حيث أن “النموذج الهندي في هذا السياق غير قابل للقياس”.  وأعتقد أن النقطتان اللتان يثيرهما الدكتور الفقي محل شك كبير ونتمنى أن يقدم لنا في مناسبة قادمة مزيداً من التفسير، خاصة وأن شهادة الدكتور الفقي في هذا المقال لها أهميتها حيث عمل – فيما أعلم –لعدة سنوات في سفارة مصر في الهند.  ولا بد أن هذه الإقامة قد أعطته بعداً في رؤية الأمور قد تغيب عن غيره مما لم يعايش تجربة الهند.

وإلى أن يقدم لنا الدكتور الفقي التوضيح المناسب، فليسمح لي بإبداء بعض الملاحظات على النقطة الأولى على جدليتها، والإختلاف معه كلياً في النقطة الثانية.

أما عن النقطة الأولى وهي العلاقة بين التنمية والديمقراطية – أيا كان تعريف أي منهما – فقد أثارت دائماً خلافاً بين التيارات الفكرية المختلفة.  فقد كان السائد أن التقدم الإقتصادي يستند إلى تقدم سياسي مواز، فالسوق تقوى وتزدهر مع نمو الديمقراطية ونضجها.  وهذه بصفة عامة هي تجربة الثورة الصناعية، فهي ولدت في إنجلترا مهد الديمقراطية، وتعاصرت خطوات التقدم الإقتصادي مع إستقرار التقاليد الديمقراطية بل ومن خلال تأصل الحقوق الديمقراطية أمكن تحقيق حماية – تدريجية ومتزايدة – لحقوق العمال.  وجاءت تجربة فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية مؤكدة نفس المسار.  ومع ذلك فمنذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين برزت أفكار أخرى ترى أن التنمية الإقتصادية يمكن أن تتحقق في غيبة الديمقراطية السياسية، بل يمكن أن تتحقق بدرجة أسرع بسبب هذه الغيبة.  فكانت تجربة اليابان وإلى حد ما تجربة ألمانيا مؤكدة لأن التنمية تحتاج إلى دولة قوية بعيدة عن مهاترات الديمقراطية السياسية.  وجاءت تجربة الإشتراكية بعد نجاح الثورة البلشفية تنبذ الديمقراطية السياسية كلية وترى فيها نظرة شكلية لحقوق الأفراد بعيداً عن الحقوق الحقيقية – الإقتصادية – التي توفرها دولة البلوريتاريا.

وكان القرن العشرون حقل تجارب بين أنصار الإتجاه الأول وأنصار الإتجاه الثاني، وإنتهى القرن – كما هو معروف – بإنهيار النظام الإشتراكي، حتى ذهب البعض – فوكوياما – إلى إدعاء “نهاية التاريخ” وإنتصار الليبرالية بشقيها الإقتصادي (السوق) والسياسي (الديمقراطية).  ودون محاولة للفصل في هذا الجدل، فربما أحد أسباب الخلاف هو الإعتقاد بأن التنمية الإقتصادية تحتاج إلى دولة قوية، وهو إعتقاد سليم وفي محله.  فالتنمية بما تتضمنه من تغيير في الهياكل الإقتصادية والإجتماعية السائدة لا يمكن أن تتم في ظل دولة ضعيفة ومترددة، بل لا بد من إرادة سياسية ملتزمة.  وربما يكون مصدر الخلاف هو الربط بين “الدولة القوية” وبين “الدولة السلطوية” من ناحية وبين “الدولة الضعيفة أو اللينة” وبين الديمقراطية من ناحية أخرى.  وهو أمر قد يكون ظاهرياً أكثر منه حقيقياً.  حقاً إن “الدولة السلطوية” بأشكالها المختلفة تعتمد على السلطة والقهر بدرجة أكبر من الدولة الديمقراطية التي عمادها القانون وتبدو كما لو كانت دولة قوية.  ولكن التجربة أثبتت في كثيرمن الأحوال أن هذه الدولة السلطوية كثيراً ما تلجأ إلى الإجراءات الغوغائية كسباً لعواطف الجماهير وتبتعد عن القرارات الصعبة خوفاً من غضب هؤلاء الجماهير.  فهي دولة ذات مظهر قوي ولكنها في الحقيقة دولة ضعيفة تستجدي مشاعر الجماهير وعواطفهم بأكثر مما تنظر إلى المصلحة البعيدة.  وربما لهذا السبب كان نجاح اليابان وألمانيا خلال القرن التاسع عشر أكثر وضوحاً لأن الدولة – وهي سلطوية – هي في نفس الوقت ذات جذور تقليدية مطمئنة إلى نفسها وإلى الثقة فيها، وبالتالي قادرة على إتخاذ القرارات الصعبة، في حين أن “الدولة السلطوية” في معظم الدول الأخرى غلبت عليها الغوغائية وفضلت المصالح قصيرة الأجل على المصالح الكبرى بعيدة الأمد.

وأياً كان الخلاف والجدل التاريخي حول التجارب السابقة، فيبدو لي أن هناك عدداً من الأمور التي توفرها الديمقراطية والتي تعتبر شرطاً ضرورياً للتنمية الإقتصادية وخاصة في ظل إقتصاديات السوق.  ولهذا النظام الذي يبدو أكثر قبولاً الآن، أمران على وجه الخصوص لا بد من توافرهما حتى تنجح السوق وتؤدي دورها المنشود.  وهما نظام قانوني واضح، يحكم الجميع بلا إستثناء أو تفرقه من ناحية، وتوافر معلومات صحيحة وكافية وفي الوقت المناسب (الشفافية).  القانون والمعلومات هما أساس نظام السوق ويصعب تحقق هاذان الأمران في غيبة الديمقراطية، ويؤدي نقصهما إلى تشويه إقتصاد السوق وما يترتب عليه من تنمية.  الديمقراطية تعني دولة القانون، والمقصود بذلك أن القانون يسري على الجميع حاكم ومحكوم، فالقانون، والقانون وحده ينظم الحياة الإقتصادية والسياسية.  أما في الدول غير الديمقراطية فإن القانون أداة في يد الحاكم وليس معياراً للحكم، القانون فيها أداة للسياسة في يد الحاكم وليس حكما ًعلى السياسة حكاماً ومحكومين.  في غيبة دولة القانون بهذا المعنى لا يمكن أن يزدهر السوق.  فإستقرار الحقوق وعدم التعرض لمفاجآت ووجود حد أدنى من الضمانات التي لا يجوز التعدي عليها، هي من خصائص الدول الديمقراطية وحدها.  وهي أيضاً ضرورة لنجاح السوق.  وأما شفافية المعلومات، فإنها لا تقل أهمية لتحديد سلوك الوحدات الإقتصادية في ضوء الحقائق الإقتصادية، وبالتالي ضرورة توافر المعلومات عن كافة هذه الأوضاع الإقتصادية.  وشفافية المعلومات لا تتحقق عادة – رغم كل ما يقال – إلا حيث توجد ديمقراطية.  ذلك أن الشفافية الكاملة للمعلومات تؤدي إلى المساءلة، وهو أمر تتحدث عنه الدول غير الديمقراطية كثيراً ولكنه قل أن يوجد في الحقيقة، كما هو الحال في الحديث عن الخل الوفي.

لكل ما تقدم فإنني لا أعتقد أن هناك تعارضاً بين الديمقراطية والتنمية، وبالتالي ليست هناك حاجة إلى ترتيب الأولويات والإختيار بينهما، فهذا القول محل شك كبير، وخاصة إذا كنا نتحدث عن التنمية في إطار إقتصاد السوق، وفي ظل إقتصاديات العولمة السائدة حالياً والتي تتطلب سلامة الأسواق الإقتصادية والمالية.  وفي ظل هذه الظروف تكاد تصبح معها الديمقراطية ضرورة أكثر منها خياراً.  ولعلي أضيف هنا إلى أن أحد أهم أعداء التنمية في دول العالم الثالث في العصر الحديث هو الفساد.  وقد أصبحت خطورة الفساد على التنمية بالغة الأهمية في ظل أوضاع الإقتصاد العالمي المعاصر بالنظر إلى الإمكانيات الكبيرة التي توفرها أدوات الإقتصاد المعاصر لنهب ثروات الدول.  ولعلنا نذكر الأرقام الضخمة التي قيل بأن حكام عدد من الدول من عالمنا النامي قد نهبوها في السنوات الأخيرة – أمثلة الكونجو مع موبوتو، والفلبين مع كارلوس، وحتى رومانيا مع تشاوشسكو، والقائمة طويلة جداً.  والديمقراطية تمثل حاجزاً – غير مانع حقاً – للفساد ولكنه قيد شديد عليه.  فالفساد يزدهر وينمو مع تراجع دولة القانون ونقص الشفافية، والدول الديمقراطية وإن لم تنجح تماماً في القضاء على الفساد فإنها على الأقل تضع حدوداً عليه.

هذا عن النقطة الأولى، أما عن أن النموذج الهندي غير قابل للقياس عليه، فهو أمر ربما يحتاج إلى تفسير.  كان يمكن القول بأن النموذج الهندي لا يصلح للقياس لأن الهند تتمتع بمزايا كثيرة لا تتمتع بها الدول الأخرى.  ولكن الذي يبدو للمشاهد أن الوضع في الهند أكثر صعوبة وتعقيداً مما نراه في معظم دول العالم الثالث.  دولة ألف مليون نسمة وكانت عند الإستقلال نصف هذا العدد.  دولة لم تعرف في تاريخها الماضي وحدة سياسية جمعتها إلا تحت الحكم البريطاني، فتاريخها السابق هو مئات الممالك المتفرقة المتنازعة، وفقط تحت الإحتلال البريطاني عرفت لأول مرة الوحدة السياسية، وبالتالي كان الإستقلال تجربة فريدة لمعرفة ما إذا كانت قادرة على حماية هذه الوحدة الوطنية.  وتزداد الأمور صعوبة إذا عرفنا أن هذه الدولة المترامية الأطراف تعرف تعدداً في الأجناس وفي الديانات وفي اللغات.  وإذا نظر إلى أوضاع الأمية في الهند أو نقص الخدمات الأساسية، فإن ظروف الهند تضعها في وضع بالغ الصعوبة.  وربما كان الظاهر يؤيد أن مثل هذه الظروف تتطلب حكومة سلطوية حتى تحمي هذا الجسم المتعدد الإنتماءات.  ومع ذلك فإن الديمقراطية هي التي صانت الوحدة الوطنية، حتى أن الجزء الآخر من القارة الهندية والذي إستقل بإسم التجانس الديني – باكستان – لم يستطع أن يحمي وحدته الوطنية.  وإنشقت بنغلادش عن باكستان في حين لم تنفصل أي بقعة عن الهند.  وكانت تقارير الأمم المتحدة في بداية السبعينات تتنبأ بأن الهند ستعرف المجاعة خلال سنوات، فإذا بها في منتصف السبعينات تصل إلى الإكتفاء الذاتي في الغذاء، ثم تبدأ في تصدير الإنتاج الزراعي.  ولم تكن الهند بعيدة عن المشاكل العسكرية، فعرفت نزاعات مع الصين ومع باكستان، ولكنها – أبداً – لم تتخل عن الديمقراطية.  لا يزال معدل الدخل الفردي منخفضاً في الهند – هذا صحيح – ولكنها تعرف أيضاً صناعات متقدمة في كافة المجالات.  وأما عن تقدمها العلمي فإنها وقد أصبحت قوة نووية فإنها تقدم الدليل على تقدمها إعتماداً على مراكز البحث الهندي.

كنت أعتقد أن نموذج الديمقراطية وقد نجح في الهند رغم كل هذه الصعوبات يفند معظم ما يثار من حجج عن عدم صلاحية الديمقراطية في دول العالم الثالث.  لا أستطيع أن أخفي أنني كثيراً ما أشعر بأن ما يقال في بعض دول الغرب عن عدم نضج دولنا لتلقي الديمقراطية، بأنه لا يخلو من نظرة إستعلائية وعنصرية، وكأن الديمقراطية لا تصلح إلا للجنس الأبيض الأوروبي.  وعندما أرى نجاح التجربة الديمقراطية في الهند، فأرى أنها خير رد على مثل هذه الأفكار العنصرية.  وأتساءل هل كانت الأمية قد إختفت في فرنسا عندما قامت الثورة الفرنسية في 1797، وهل كانت مشاكل لقمة العيش قد حلت لدى الإنجليز عندما طلبوا بالماجناكارتا 1215 في لوضع القيود على سلطة الملك.  إنني أفهم أن الديمقراطية مدرسة لزيادة الوعي والإرتفاع بمستوى الجماهير، وبالتالي فإن الحاجة إليها تزداد مع نقص الوعي.  وكما هو حال المدرسة تزيد الحاجة إليها عندما يقل التعليم أو الوعي.  الوعي ليس شرطاً لبدء الديمقراطية ولكن نقص الوعي هو نتيجة لإنعدام الديمقراطية.

وأخيراً فقد أفهم دوافع أصحاب السلطة والحائزين عليها للتذكير بتبرير نقص الديمقراطية عندنا بل وربما تأصيل هذا النقص.  ولكني لا أفهم أن نجد تأييداً لذلك من جانب المثقفين.  إننا قد نزعن أو نرضخ – رغماً عنا – لإنعدام الديمقراطية، ولكننا لا نبررها تحت أي تبرير.  والله أعلم.

الحياة:  1 مارس 2002

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *