جائزة نوبل لأوباما: مكافأة أم حافز؟

فوجئ العالم بإعلان فوز الرئيس أوباما بجائزة نوبل للسلام “لجهوده غير العادية لدعم الدبلوماسية والتعاون بين الشعوب”. ولم يكن أوباما نفسه أقل اندهاشاً بهذا النبأ من الآخرين، وجاء تعليقه معبراً عن غير قليل من الفطنة والتواضع حيث أكد أنه “لايشعر بأنه مؤهل للانضمام إلى قائمة الفائزين السابقين بالجائزة”، وأنه يرى فيها “حافزاً” على المضي قدماً في الطريق الذي أعلنه.

ووفقاً لوصية ألفريد نوبل مؤسس الجائزة فإنها تمنح “لمن قدم ـ خلال السنة السابقة على منحها ـ أكثر وأهم الخدمات لتحقيق الإخاء بين الأمم أو لتقليص أحجام الجيوش القائمة مع العمل على دعم التقدم السلمي”. ولم يكن الرئيس أوباما قد أمضى في الحكم ـ حين إعلان الجائزة ـ أكثر من ثمانية أشهر وعدة أيام، أعلن خلالها توجهاته الجديدة للسياسة الأمريكية في الداخل والخارج، دون أن يمكن القول بأن إنجازاً فعلياً قد تحقق على أرض الواقع. الأمر الذي طرح التساؤل، لمن تمنح الجائزة، ولماذا؟ هل هي مكافأة عن أعمال ونتائج تحققت أم هي حافز وتشجيع للعمل من أجل السلام؟

ولذلك لم يكن من الغريب أن يثير منح الجائزة لأوباما ردود أفعال مختلفة ومتعارضة سواء داخل الولايات المتحدة نفسها أم خارجها. فرحب البعض ليس فقط تأييداً وتشجيعاً لاتجاهات أوباما الجديدة، بل أعتبرها أيضاً إدانة للسياسات السائدة خلال إدارة بوش وأعوانه، فهي حكم مزدوج بالتشجيع والإدانة في نفس الوقت. وعلى العكس رأى البعض الآخر أن منح الجائزة لأوباما، وقبل أن يتحقق إنجاز واحد على أرض الواقع، إنما هو امتهان للجائزة وإهدار لمعناها.

والحقيقة أن لكل من الطرفين حججه ومبرراته التي لايمكن تجاهلها بسرعة أو بخفة، ومع ذلك فيبدو لي أن مناقشة جائزة أوباما ينبغي أن تجاوز حدود “جائزة نوبل” في ذاتها، لكي تناقش في إطار أوسع يتعلق بدور أمريكا في إدارة العالم وما يرد على هذا الدور من تطورات في الوقت الحاضر، ومسئولية أوباما شخصياً في هذا التطور، وموقف العالم مما يحدث على الساحة الأمريكية باعتبار العالم معنياً بكل ما يحدث فيها.

أمريكا ليست دولة عادية كسائر الدول، ولكنها تمثل في المرحلة التاريخية الراهنة مركز العالم وقيادته، فهي أهم قوة اقتصادية عالمية، وتستند إلى أكبر قوة عسكرية حيث يجاوز إنفاقها العسكري أكثر من ضعف مجموع الدول الصناعية الرئيسية الأخرى، وهي فضلاً عن ذلك تتمتع بأكبر قدرات تكنولوجية وعلمية. فهي أقرب إلى روما في العصور القديمة، أو لعلها الطبعة الحديثة للإمبراطورية البريطانية في عهد فيكتوريا والتي لاتغيب عنها الشمس. ورغم أن مركز الولايات المتحدة قد بزغ ـ بشكل كبير ـ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد جاءت نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي تكريساً للهيمنة الأمريكية في نظام للقطب الواحد وبلا منازع تقريباً من القوى الخارجية.

تحققت الهيمنة الأمريكية في ظل عصر العولمة الذي أتاح من خلال التطورات التكنولوجية التقارب والتداخل بين أجزاء المعمورة، مما جعل الهيمنة الأمريكية أقرب “للحكومة العالمية” دون تمثيل من المحكومين من الشعوب المختلفة. فالحكومة الأمريكية تتحكم في مصائر العالم دون تفويض من الشعوب الأخرى. وقد بدأت هذه الهيمنة الأمريكية شبه المطلقة في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات مع سقوط الاتحاد السوفيتي، وإن كان خفف من وطأتها في أول الأمر وجود إدارة بوش الأب الذي شارك في الحرب العالمية الثانية واكتسب خبرته الدولية في ظل الحرب الباردة، فكانت معالجته للسياسة العالمية مشوبة بالحذر والاعتدال. وجاء خليفته ـ كلينتون ـ الديمقراطي والذي تعلم في أكسفورد، فسار على نهج سلفه، وإن بدأت مظاهر الصلف ـ على حياءـ في كثير من الأحيان بتجاهل الأمم المتحدة مثلاً والاعتماد على حلف الأطلنطي (كوسوفو).

مضى عقد التسعينات كمرحلة انتقالية من عصر توازن القوى والحرب الباردة إلى عصر الهيمنة المطلقة للقطب الواحد. وفي نفس الوقت كانت تفتعل في المجتمع الأمريكي تقلصات إيديولوجية كان أخطرها ما عرف “بالمحافظين الجدد” من أقصى اليمين والذين سيطر عليهم مفهوم
“القرن الأمريكي”. فالهيمنة الأمريكية لاينبغي النظر إليها باعتبارها مرحلة تاريخية عابرة، بل لابد من تأبيدها ومنع أية قوة أخرى غير أمريكية من الظهور، ولو بالالتجاء إلى “الحروب الاستباقية”. فالقرن الحادي والعشرون ينبغي أن يكرس السيطرة الأمريكية المطلقة على مقدرات العالم وفي مختلف الجوانب. فالمنظمات والمؤسسات الدولية ليست مظهراً للتعاون الدولي أو منابر للتشاور، بقدر ماهي أدوات في أيدي السلطات الأمريكية لتنفيذ سياستها وإملاء ورغباتها على العالم. والنموذج الأمريكي و”القيم الأمريكية” هما المعيار الذي ينبغي أن تتبعه مختلف المجتمعات، وأن يتم كل ذلك ليس بالإقناع والتشاور بل فرضاً وباليد الغليظة إذا احتاج الأمر. ولم يقتصر الأمر على هذه النظرة المتغطرسة والمتعالية بل أن لها جانبها الاجتماعي الذي يرى أن التقدم يتحقق من خلال أصحاب “الثروة” الذين ينبغي تحريرهم من أية قيود أو أعباء. فالتقدم الاقتصادي لايتحقق بالاستثمارات الاجتماعية في التعليم والصحة والبحث العلمي وإنما بتخفيض الضرائب على الأغنياء وإزالة كافة العقبات أمام تطلعاتهم. وفي نفس الوقت فإن هذه النظرة لم تخل من مسحة دينية لاهوتية. فالعلمانية التي أسسها الآباء المؤسسين للدولة الأمريكية في إقامة جدار ـ بين الدولة والكنيسة ـ حماية لحريات العقيدة، بدأت تتراجع كما في مناهضة الإجهاض أو تقديم المعونات الحكومية للمؤسسات البروتستانتية أو استخدام المصطلحات الدينية في الخطاب السياسي.

وفي هذا الجو الهستيري الجامح، استطاعت مجموعة “المحافظين الجدد” اختطاف الحكم في أمريكا بإنجاح بوش الابن في انتخابات رئاسة الجمهورية في بداية القرن الجديد، حيث أسس لسياسة أمريكية إمبريالية لا تأبه بالمنظمات الدولية ولا تعطي وزناً للقانون الدولي، وتبادر بالحرب الاستباقية لإجهاض أية محاولة في المهد للخروج على هذه الهيمنة الأمريكية. وهكذا تخلى بوش الابن عن اتفاقية كيوتو للبيئة والتي حارب من أجلها آل جور نائب الرئيس في الإدارة السابقة، كما رفض التصديق على اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية. وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 فدعمت هذا الاتجاه الانفرادي والعدائي. وبدلاً من أن يتساءل عن الأسباب التي تدفع شباباً متعلماً وفي مقتبل العمر إلى قبول التهلكة، أو محاولة فهم الأسباب الدفينة للشعور بالظلم والإحباط، فإنه قرر التدخل العسكري في أفغانستان معلناً حرباً “صليبية” على الإرهاب. ورغم هشاشة الدلائل على امتلاك صدام حسين لأسلحة للدمار الشامل، فإنه سارع إلى إعلان الحرب على العراق دون تفويض من الأمم المتحدة. وهكذا ساد منطق القوة والاستعلاء، وتراجع دور القانون الدولي. ومن هنا فقد كان حكم إدارة بوش هو التجسيد العملي لآراء “المحافظين الجدد” من أجل إرساء أساس “القرن الأمريكي”.

ولكن الرياح لم تأت بما تشتهي السفن. فبعد إعلان بوش الانتصار العسكري في العراق على ظهر إحدى المدمرات الأمريكية، تبين أن الاحتلال الأمريكي للعراق هو مستنقع لايبدو له منه مخرج، وأن العمليات الانتحارية لطالبان وجدت لها أرضاً خصبة في العراق أيضاً. ولم يكن الوضع في أفغانستان نفسها أفضل حالاً. فالحكومة الأفغانية التي قامت بدعم من سلطات الاحتلال فقدت السيطرة على معظم الأراضي الأفغانية. ولم يقتصر الأمر على فشل الحل العسكري في كل من العراق وأفغانستان، بل صاحبه فضائح في سجون أبو غريب فضلاً عن الفساد المالي والإداري في كل من أفغانستان والعراق. وجاءت الأزمة المالية في الربع الأخير من عام 2008 كالقشة التي قصمت ظهر البعير. فالنظام المالي الأمريكي والذي كان يبدو كقلعة صامدة لايمكن النفاد منها، تبين أنه قائم على أوهام. وهكذا انهار الأساس الذي قامت عليه نظرية “القرن الأمريكي”، ومعها فلسفة “المحافظين الجدد”. واحتاجت أمريكا إلى مساعدة دول العالم لإنقاذها من هذه الورطة الكبرى.

وفي هذه اللحظة ظهر الشاب الأمريكي الإفريقي ـ باراك أوباماـ يدعو إلى إيقاف الحرب في العراق والخروج منها واستعادة التعاون الدولي مع استخدام لغة الحوار وإنقاذ العالم من مخاطر الأسلحة النووية ووقف تدهور البيئة، والاهتمام بما يهم المواطن العادي في التأمين الصحي والتعليم وحسن توزيع الأعباء الضرائبية. وجاء هذا الصوت من أحد أبناء الأقلية السوداء.

ولكن هل نجحت معركة أوباما؟ الحقيقة أنها بالكاد بدأت، وهو يواجه في بلده ـ خصوصاًـ معارضة شرسة من أصوات الماضي التي لا تريد أن تتقبل أننا في عالم جديد. وأوباما ليس سوبرمان يستطيع أن يفعل المعجزات، بل أنه يواجه معارضة ضارية في بلده وهو بالتالي في حاجة إلى كل دعم من أي مكان. إن معركة أوباما هي معركة العالم أجمع، وليست معركة الأمريكيين وحدهم. وليس يكفي أن يقف العالم متفرجاً ليصفق له إذا نجح، وينتقده إذا فشل. ربما لايكون منح أوباما الجائزة متفقاً تماماً مع شروطها، ولكنه بالقطع، تعبير من العالم خارج أمريكا لما يريده العالم منها. ومن هنا فإن منح أوباما جائزة نوبل للسلام هو تعبير عن وقوف العالم وراء الاتجاهات التي يعلنها أوباما.

إن العالم خارج أمريكا، لايستطيع أن يفرض عليها حكامها، ولكنه يملك على الأقل أن يعلن أنه لايريد “قرناً” أمريكياً ولاهندياً أو صينياً وإنما يأمل في عالم يراعي ـ بعض الشيءـ حقوق الشعوب الأخرى. وهذه ـ فيما أعتقدـ رسالة لجنة نوبل للسلام. فهي رسالة مساندة وتشجيع. والله أعلم.

 الأهرام : 1 نوفمبر 2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *