حادث الأزهر.. ونظرية الاحتمالات

جاء انفجار الأزهر (خان الخليلي) صدمة كبيرة لمعظم المراقبين. فليس الأمر قاصراً فقط على قتل أبرياء من المصريين والأجانب، وإنما، هو أيضاً، إحياء لكابوس ثقيل طالما عانت منه مصر خلال الثمانينات والتسعينات، وهو مسلسل الإرهاب وعدم الاستقرار. وجاءت التحليلات الأولية لظروف الحادث، بالقول أنه عمل فردي ليس وراءه تنظيم. فهل هذا يكفي لاستعادة الاطمئنان والثقة في الهدوء في المستقبل؟

كلا، ليس بالضرورة. والسبب هو نظرية الاحتمالات. كيف؟

إننا لسنا أمام حالة فريدة بل إننا بصدد نموذج متكرر.

عائلة فقيرة تكاد تكفل، بصعوبة، الحدود الدنيا للمعيشة. وهي عادة عائلة كبيرة متعددة الأبناء من الأولاد والبنات. وغالباً ما تعيش مثل هذه العائلة على أطراف المدينة، ليس في الريف تماماً، ولكن أيضاً ليس في قلب المدينة. العائل موظف أو عامل، دخله محدود، وربما يكون مهدداً من وقت لآخر بإنهاء خدمته، وهو في جميع الأحوال في العقد السادس من عمره، غالباً في منتصف الخمسينات، والمعاش بعد سنوات قليلة. الأمل الوحيد هو في الأبناء الذين أشرفوا على إنهاء دراساتهم الجامعية واقتربوا من التخرج، وبعدها ينفتح باب الأمل من جديد حيث يبدأ جيل الأولاد في شغل الوظائف المتميزة والحصول على الدخل المعقول، أما إذا كانت الابنة فتاة، فالعريس قادم ولاشك، وسوف يخلص الأسرة – على الأقل – من عبء البنات. هكذا يفكر الآباء والأمهات.

ولكن الأولاد يعيشون في عالم آخر، وهموم أخرى. الحياة جافة مملة بلا إثارة. ومع ذلك لا بأس، لنتحمل حتى تنتهي فترة الدراسة ونسترد حريتنا. وغالباً ما يبذل الأبناء أو أحدهم جهداً كبيراً لتحقيق الآمال المعقودة عليه. فهو يقضي الساعات الطويلة في الاستذكار، ليس بالضرورة لمزيد من الفهم للمواد المقررة، وإنما لضمان الحصول على أعلى الدرجات في الامتحان.

فالهدف ليس العلم، وليس حب المعرفة أو الاستمتاع بها، فهذه رفاهية، المهم الدرجات. وهذا ما يجعل علاقته بالدروس علاقة كراهية، فهي عبء ينبغي أن يتخلص منه بأسرع ما يمكن.

وبجهد كبير ينجح الشاب ويحصل بالفعل على درجات عالية. ليس بالضرورة أعلى الدرجات لأنه، غالباً، لم يحب دروسه في أي وقت من الأوقات، ولكنها، على كل حال، درجات عالية بشكل يسمح له بدخول إحدى الكليات المتميزة – كلية الهندسة أو الطب. وغالباً في إحدى الجامعات الإقليمية. ربما في بنها أو المنوفية أو المنيا أو ما شابه ذلك. وهي في معظم الأحوال بعيدة عن مقر سكنه. فماذا يفعل؟

يقدم بالفعل طلباً للقبول بالمساكن الجامعية. ولكن فرصته لن تكون كبيرة بالنظر إلى النقص الشديد في المساكن الجامعية بالمقارنة بالطلب عليها. ولذلك غالباً ما يرفض طلبه وينتهي به الأمر إلى السكن في واحدة من المناطق العشوائية، ربما مشاركة مع عدد من زملائه الذين يشاطرونه نفس الظروف، أو ربما مع أخوته الأكبر أو الأصغر الذين يمرون بنفس الظروف.

وماذا ستكون حياته الجامعية الجديدة؟ أنه – رغم كل شيء – مقبل عليها بآمال عراض. فها هو قد انتقل إلى الجامعة. حقاً إنها جامعة إقليمية وليست جامعة القاهرة أو الإسكندرية، ولكن لا بأس. الجامعة هي الجامعة، وها هو الحلم قد اقترب من التحقق. وتبدأ حياته الجامعية الجديدة، فإذا بها خيبة الأمل الكبرى. المباني هي في الغالب إحدى المدارس الثانوية القديمة، وإذا كانت مبنى حديثاً، فهي أقرب إلى المدرسة الثانوية التي تركها قبل سنة أو سنتين. الأجهزة والمعدات ناقصة أو غير موجودة أصلاً، المكتبة هزيلة وغير منظمة. عدد لا بأس به من الأساتذة – يعيشون في القاهرة أو ربما الإسكندرية بالنسبة لجامعات الدلتا – ولذلك فإن غياب الأستاذ عن الحضور أمر عادي، وفي جميع الأحوال فإنه غالباً ما يأتي متأخراً عن بدء الدرس. وقبل أن تبدأ الدراسة الحقيقية والدخول في الموضوع، يتحدث الطلبة عن الكتاب الجامعي، وهل سيتغير عن كتاب السنة الماضية وبالتالي لابد من شراء الملازم الجديدة. هناك بالقطع أساتذة أجلاء مهتمون بالعلم وربما أيضاً بأحوال طلبتهم، ولكن الأغلبية منهم لا يبدو عليهم أي اهتمام سوى ببيع الكتاب الجامعي.

ويفقد الشاب حماسه، ويكتشف أن ذلك أيضاً هو رأي زملائه. “أصل البلد كدة” “مفيش فايدة” “طيب وأنت زعلان ليه” على أي الأحوال “مفيش شغل”. الحكومة تقول أن البطالة 10%، ولكنه يرى بعيني رأسه – أن العديد من الدفعات السابقة عليه والذين تخرجوا منذ سنوات ما زالوا يبحثون عن عمل. بعضهم ساعده الحظ ووجد فرصة عمل في إحدى بلدان الخليج، ولكنه يعمل في فندق أو حتى في “كوفي شوب” أو في محطة بنزين. وماذا عن بكالوريوس الهندسة أو الصيدلة أو التجارة. “إنسى”. المشكلة بأنه لا يستطيع أن ينسى.

ويعود إلى منزله، أقصد إلى الغرفة أو الشقة التي يعيش فيها في تلك المنطقة العشوائية. الطريق – كالعادة – مليء بأكياس الزبالة وقد تفسخت جوانبها بفعل القطط وغيرها من الحيوانات الصغيرة – فئران – ربما. وهو يقرأ في الجرنال – في مكتبة الكلية – أن مجلس الشعب يناقش قضية رسوم “النظافة”، وهل تضاف إلى فاتورة الكهرباء أو إلى فاتورة المياه! ويصل إلى حجرته، وربما تصل إليها المياه أو لا تصل. لا فرق، فالمياه كثيراً ما تنقطع خاصة إذا كان يسكن – كما هو حاله – في الأدوار العليا. وعليه أن يبدأ في إعداد غذائه. وهو يلقي أيضاً الفضلات من الشباك، فهذا لن يزيد من قذارة الشارع، فهو على أي حال قذر بما فيه الكفاية. وهو مثل الآخرين وليس أفضل منهم. وبعد ذلك عليه أن يبدأ في المذاكرة، ومراجعة محاضرات اليوم. وهنا يسمع آذان المغرب. فينزل سريعاً إلى “الزاوية” القريبة لصلاة المغرب، وعادة ما تمتد به الجلسة إلى صلاة العشاء. و”أمام” الزاوية قد يتحدث عن عذاب القبر أو عن انتشار الفساد وشيوعه، وفي نفس الوقت عن الصبر الجميل وما ينتظره المؤمنون من جنات تجري من تحتها الأنهار وتملؤها الحور الحسان. فيستريح بعض الشيء، على الأقل النهاية قد تكون سعيدة.

ويعود إلى حجرته، وفي الطريق يسمع الأخبار في التلفزيونات، وهي جميعاً مفتوحة وتصرخ بأعلى الأصوات، فلا أحد يستطيع أن يتجاهلها. وربما يقف ليتفرج على بعض صور الأخبار المعروضة على شاشة التلفزيون من خلال الشبابيك المفتوحة أو المقاهي المنتشرة على جانبي الطريق. فماذا يرى؟. هناك عمليات انتحارية في العراق أو في أفغانستان، والقوات الإسرائيلية تعيد احتلال جنوب رفح أو شمال رفح، لم يعد هناك فرق. وإسرائيل تفرج عن الأسرى. وهناك أفراح وزغاريد بمناسبة الإفراج عن الأسرى. ولكن هناك أيضاً صياح ونواح. فالإفراج لم يكن كاملاً أو شاملاً. هذه أم تبكي ابنها الذي ظل في الأسر منذ عشرة أعوام أو أكثر ولم يفرج عنه مع المفرجين. وبذلك يتحول العرس إلى مأتم.

ما هذا؟ هل هذه حياة؟ وتحدثه أمه، وتقول له: “إن شاء الله الشهادة الكبيرة والدكتوراه كمان علشان نفرح بيك”. كيف؟ وهو لا يستطيع التركيز على الاستذكار. الحياة صعبة. لو كان الأمر بيده لوضع حداً لهذه الحياة الجافة. ولكن هذا حرام. الانتحار، يالها من فكرة قبيحة، وهي حرام أيضاً. ولكن الشهادة في سبيل الله شيء آخر. هؤلاء المجرمين – أعداء الله – الذين أحالوا حياتنا جحيماً، متى نتخلص منهم.

وهنا تبدأ بذرة الخلاص. الخلاص من هذه الحياة الكئيبة، ولكن أيضاً العمل في سبيل الله والوطن، لتخليص البلد والخلاص منها في نفس الوقت، مع ضمان الجنة أيضاً. التفجير، نعم ولما لا؟ هذا هو الحل. لماذا لا يشارك رفاقه فيما يدور في ذهنه من أفكار؟ غريبة! إنهم يفكرون بنفس الطريقة ويشعرون بنفس الأحاسيس. لابد أننا على حق.

هذا عن “حادثة الأزهر”، فماذا عن “نظرية الاحتمالات”؟

هذه الصورة تتكرر آلاف المرات، لا بل عشرات الآلاف من المرات يومياً. فكم من احتمالات الاستسلام لهذه الأفكار؟ لا أعرف. واحد في الألف، ممكن، واحد في العشرة آلاف، جائز. هل من المحتمل أن يكون منفذ عملية الأزهر هو أحد هذه الحالات؟ معقول. ولكن هل هو الحالة الوحيدة؟ أشك في ذلك. هل معه شركاء آخرون؟ محتمل. هل هناك احتمالات لتكرار العملية؟ غالباً.   والله أعلم

 الاهرام: 24.4.2005

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *